الوجه البشع لكرة القدم يبدأ في اللحظة التي تغادر فيها المستطيل الأخضر، وتدخل إلى الممرات الضيقة، والغرف المغلقة، والهواتف التي ترن في ساعات متأخرة من الليل، والملفات التي تتحرك في صمت، والقرارات التي تصدر قبل أن يعرف أصحابها أسبابها. هناك، تصبح اللعبة مختلفة تماما. تصبح الكرة أصغر من المصالح، ويصبح اللاعب أو الحكم أو المدرب مجرد اسم داخل معركة لا يرى الجمهور منها سوى النتيجة الأخيرة.
إعلان الاتحاد الهولندي وفاة الحكم ديرك يان دبرينك، بعد فترة عصيبة أعقبت اتهامات غير مثبتة بالاعتداء الجنسي واستبعاده من المشاركة في كأس العالم، أعاد إلى الواجهة سؤالا قديما عن الثمن النفسي الذي يدفعه العاملون داخل كرة القدم. قد تنتهي حياة كاملة بسبب اتهام لم تثبت صحته، وقد ينهار إنسان تحت ضغط الشكوك قبل أن يقول القضاء كلمته. الإنسان لا يعيش داخل ملفات المحاكم وحدها، هو يعيش أيضا داخل نظرات الناس، وعناوين الصحف، وأحكام مواقع التواصل، وهمسات المقربين، ونظرات أطفاله، وصورته التي تتحطم أمام أسرته. أحيانا يكون الحكم الاجتماعي أسرع من أي حكم قضائي، وأشد قسوة منه.
الناس يتابعون المباريات تسعين دقيقة، ثم يغادرون الشاشات. أصحاب اللعبة يعيشون داخلها أربعا وعشرين ساعة كل يوم. هناك من يستيقظ على آلاف الرسائل التي تتهمه، وهناك من يقرأ اسمه في العناوين مقرونا بكلمة واحدة كافية لتحويل سنوات طويلة من العمل إلى ركام. السمعة تحتاج عمرا كاملا حتى تبنى، وتحتاج دقيقة واحدة حتى تتصدع....
لهذا السبب تبدو التهم الملفقة، حين توجد، من أخطر الأسلحة التي يمكن استعمالها ضد أي شخصية ناجحة. النجاح يصنع الأضواء، والأضواء تجذب المنافسة، والمنافسة تفتح أبواب الحسد، ثم تتحول عند بعض النفوس إلى رغبة في الإقصاء بأي وسيلة ممكنة. التاريخ الرياضي مليء بمحاولات إسقاط أسماء كبيرة عبر الشائعات، أو عبر حملات إعلامية منظمة، أو عبر تسريبات مجهولة المصدر، أو عبر قضايا تتحول إلى محاكمات شعبية قبل ظهور أي حقيقة.
الضغط النفسي داخل كرة القدم لا يقتصر على خسارة مباراة أو ضياع بطولة. هناك ضغط آخر أكثر خطورة، ضغط يشعر فيه الإنسان أن حياته كلها أصبحت موضوعا للنقاش اليومي، وأن كل خطوة محسوبة، وكل كلمة مراقبة، وكل صورة قابلة للتأويل، وكل صمت قد يتحول إلى اعتراف في نظر البعض. عند تلك المرحلة يبدأ العقل في استنزاف نفسه، ويصبح النوم رفاهية، وتتحول العائلة إلى ضحية ثانية، ويصبح الخوف رفيقا دائما.
هناك من يمتلك قدرة استثنائية على المقاومة، فيواصل السير رغم كل شيء، وهناك من تنهار دفاعاته النفسية بسرعة، لأن البشر لا يملكون البنية نفسها، ولا يحتملون الألم بالطريقة نفسها. بعضهم يبتلع الإهانة ويواصل العمل، وبعضهم يعيشها كل ليلة حتى تتحول إلى سجن داخلي لا يرى أحد جدرانه. لهذا السبب تختلف النهايات، فهناك من يخرج منتصرا، وهناك من يختفي، وهناك من تنتهي حياته بطريقة مأساوية....
هذه الصورة أعادت إلى الأذهان ما عاشه اللاعب المغربي أشرف حكيمي خلال السنوات الماضية. التهمة نفسها حضرت في المشهد، والضجيج الإعلامي كان هائلا، وصدرت آلاف الأحكام عبر الشاشات ومنصات التواصل، بينما المسار القضائي ظل يسير وفق إجراءاته. مهما اختلفت الآراء حول أي قضية، فإن التجربة أظهرت حجم الضغط الذي يمكن أن يتعرض له لاعب عالمي حين يتحول اسمه إلى مادة يومية للإعلام والرأي العام. استمرار حكيمي في اللعب بأعلى مستوى يكشف عن صلابة نفسية كبيرة، لأن الحفاظ على التركيز وسط تلك العاصفة يحتاج إلى قوة ذهنية هائلة...
لهذا تحمل كرة القدم تضادا يصعب تجاهله. فوق العشب الأخضر تولد الأحلام، وخلف الأبواب المغلقة تدور صراعات النفوذ والمصالح. في المدرجات تنطلق الأغاني، وفي المكاتب تعقد الصفقات، وعلى الشاشات يظهر المجد، بينما يعيش بعض أبطاله معارك نفسية لا يراها أحد. تلك المفارقة هي التي تجعل كرة القدم أكبر من لعبة، وأخطر من لعبة في الوقت نفسه. تمنح الملايين سببا للفرح، وقد تتحول بالنسبة إلى بعض من يعيشون داخلها إلى عالم بالغ القسوة، عالم يرفع الإنسان إلى القمة وسط التصفيق، ثم يتركه وحيدا عندما يبدأ السقوط.
www.facebook.com
إعلان الاتحاد الهولندي وفاة الحكم ديرك يان دبرينك، بعد فترة عصيبة أعقبت اتهامات غير مثبتة بالاعتداء الجنسي واستبعاده من المشاركة في كأس العالم، أعاد إلى الواجهة سؤالا قديما عن الثمن النفسي الذي يدفعه العاملون داخل كرة القدم. قد تنتهي حياة كاملة بسبب اتهام لم تثبت صحته، وقد ينهار إنسان تحت ضغط الشكوك قبل أن يقول القضاء كلمته. الإنسان لا يعيش داخل ملفات المحاكم وحدها، هو يعيش أيضا داخل نظرات الناس، وعناوين الصحف، وأحكام مواقع التواصل، وهمسات المقربين، ونظرات أطفاله، وصورته التي تتحطم أمام أسرته. أحيانا يكون الحكم الاجتماعي أسرع من أي حكم قضائي، وأشد قسوة منه.
الناس يتابعون المباريات تسعين دقيقة، ثم يغادرون الشاشات. أصحاب اللعبة يعيشون داخلها أربعا وعشرين ساعة كل يوم. هناك من يستيقظ على آلاف الرسائل التي تتهمه، وهناك من يقرأ اسمه في العناوين مقرونا بكلمة واحدة كافية لتحويل سنوات طويلة من العمل إلى ركام. السمعة تحتاج عمرا كاملا حتى تبنى، وتحتاج دقيقة واحدة حتى تتصدع....
لهذا السبب تبدو التهم الملفقة، حين توجد، من أخطر الأسلحة التي يمكن استعمالها ضد أي شخصية ناجحة. النجاح يصنع الأضواء، والأضواء تجذب المنافسة، والمنافسة تفتح أبواب الحسد، ثم تتحول عند بعض النفوس إلى رغبة في الإقصاء بأي وسيلة ممكنة. التاريخ الرياضي مليء بمحاولات إسقاط أسماء كبيرة عبر الشائعات، أو عبر حملات إعلامية منظمة، أو عبر تسريبات مجهولة المصدر، أو عبر قضايا تتحول إلى محاكمات شعبية قبل ظهور أي حقيقة.
الضغط النفسي داخل كرة القدم لا يقتصر على خسارة مباراة أو ضياع بطولة. هناك ضغط آخر أكثر خطورة، ضغط يشعر فيه الإنسان أن حياته كلها أصبحت موضوعا للنقاش اليومي، وأن كل خطوة محسوبة، وكل كلمة مراقبة، وكل صورة قابلة للتأويل، وكل صمت قد يتحول إلى اعتراف في نظر البعض. عند تلك المرحلة يبدأ العقل في استنزاف نفسه، ويصبح النوم رفاهية، وتتحول العائلة إلى ضحية ثانية، ويصبح الخوف رفيقا دائما.
هناك من يمتلك قدرة استثنائية على المقاومة، فيواصل السير رغم كل شيء، وهناك من تنهار دفاعاته النفسية بسرعة، لأن البشر لا يملكون البنية نفسها، ولا يحتملون الألم بالطريقة نفسها. بعضهم يبتلع الإهانة ويواصل العمل، وبعضهم يعيشها كل ليلة حتى تتحول إلى سجن داخلي لا يرى أحد جدرانه. لهذا السبب تختلف النهايات، فهناك من يخرج منتصرا، وهناك من يختفي، وهناك من تنتهي حياته بطريقة مأساوية....
هذه الصورة أعادت إلى الأذهان ما عاشه اللاعب المغربي أشرف حكيمي خلال السنوات الماضية. التهمة نفسها حضرت في المشهد، والضجيج الإعلامي كان هائلا، وصدرت آلاف الأحكام عبر الشاشات ومنصات التواصل، بينما المسار القضائي ظل يسير وفق إجراءاته. مهما اختلفت الآراء حول أي قضية، فإن التجربة أظهرت حجم الضغط الذي يمكن أن يتعرض له لاعب عالمي حين يتحول اسمه إلى مادة يومية للإعلام والرأي العام. استمرار حكيمي في اللعب بأعلى مستوى يكشف عن صلابة نفسية كبيرة، لأن الحفاظ على التركيز وسط تلك العاصفة يحتاج إلى قوة ذهنية هائلة...
لهذا تحمل كرة القدم تضادا يصعب تجاهله. فوق العشب الأخضر تولد الأحلام، وخلف الأبواب المغلقة تدور صراعات النفوذ والمصالح. في المدرجات تنطلق الأغاني، وفي المكاتب تعقد الصفقات، وعلى الشاشات يظهر المجد، بينما يعيش بعض أبطاله معارك نفسية لا يراها أحد. تلك المفارقة هي التي تجعل كرة القدم أكبر من لعبة، وأخطر من لعبة في الوقت نفسه. تمنح الملايين سببا للفرح، وقد تتحول بالنسبة إلى بعض من يعيشون داخلها إلى عالم بالغ القسوة، عالم يرفع الإنسان إلى القمة وسط التصفيق، ثم يتركه وحيدا عندما يبدأ السقوط.
Said Hajji
#الوجه البشع لكرة القدم يبدأ في اللحظة التي تغادر فيها المستطيل الأخضر، وتدخل إلى الممرات الضيقة، والغرف المغلقة، والهواتف التي ترن في ساعات متأخرة من الليل، والملفات التي تتحرك في صمت، والقرارات...