تستحق الدعوات التي تضع المجتمع الفلسطيني في قلب المشروع الوطني كل اهتمام، لأنها تمثل انتقالًا مهمًا من الاكتفاء بتشخيص الأزمة إلى محاولة التفكير في مسارات الخروج منها. فمن الواضح أن المجتمع الفلسطيني ما زال يحتفظ بقدر كبير من الحيوية؛ في جامعاته، ونقاباته، ومؤسساته، ومبادراته، ونخبه، وقدرته المستمرة على إنتاج المعرفة رغم كل ما تعرض له من تفكيك وضغوط.
لكن، كلما تقدمت في التفكير في هذه الفكرة، ظل سؤال واحد يرافقني بإلحاح:
هل نملك اليوم المجال السياسي الذي يسمح للمجتمع بأن يستعيد دوره أصلًا؟
أخشى أحيانًا أن ننشغل جميعًا ببناء أجوبة صحيحة داخل فضاء سياسي لم نعد نملك شروطه.
فالمسألة ليست أن المجتمع الفلسطيني عاجز، ولا أنه فقد قدرته على المبادرة، بل إن البنية التي تحكم المجال السياسي الفلسطيني لم تعد هي نفسها التي عرفناها قبل ثلاثة أو أربعة عقود.
لقد تغيرت وظيفة السلطة الفلسطينية، وتبدلت طبيعة العلاقة مع الاحتلال، وتغيرت آليات إنتاج القرار، وأصبح المجال السياسي نفسه محكومًا بشبكة معقدة من القيود المحلية والإقليمية والدولية، بحيث لم يعد المجتمع يتحرك في فضاء مفتوح، بل داخل حدود مرسومة سلفًا.
من هنا، لم يعد السؤال بالنسبة لي:
كيف يستعيد المجتمع دوره؟
بل أصبح:
كيف نستعيد المجال السياسي الذي يسمح للمجتمع بأن يمارس هذا الدور؟
فالمجتمع لا يتحرك في الفراغ.
وإذا كانت قواعد الفعل السياسي تُصاغ خارج الإرادة الفلسطينية، وإذا كانت حدود الممكن تُرسم بفعل الاحتلال وشبكات الهيمنة التي نشأت بعد أوسلو، وإذا أصبحت وظيفة النظام السياسي أقرب إلى إدارة الواقع منها إلى تغييره، فإن أي مشروع مجتمعي سيظل يصطدم بالسقف ذاته، مهما بلغت جديته.
لهذا لا يكفي أن نعيد المجتمع إلى مركز التفكير إذا لم نُعد السياسة نفسها إلى مركز التحليل.
فالأزمة الفلسطينية ليست، في جوهرها، أزمة مجتمع يفتقر إلى المبادرات أو الكفاءات أو الأفكار. المجتمع ما زال ينتج المعرفة، ويملك الجامعات، والنقابات، والمثقفين، والحركات الشبابية، والمبادرات المدنية.
لكن الأزمة تكمن في أن المجال السياسي الذي يفترض أن يحول هذه الطاقة إلى قرار وطني مستقل أصبح مجالًا مشروطًا، تتحكم فيه بنية استعمارية ووظيفية تحدد مسبقًا قواعد الفعل وحدوده.
ولعل المشكلة الأعمق لا تكمن في حدود هذا المجال السياسي فحسب، بل في موقعه داخل نظام هيمنة أوسع. فالمجال السياسي الفلسطيني لم يعد مجرد فضاء يتعرض لضغوط خارجية، بل أصبح جزءًا من منظومة استعمارية تعيد إنتاج شروط عمله بصورة مستمرة. وفي مثل هذه المنظومات لا تُمارس الهيمنة فقط عبر القوة العسكرية أو القيود القانونية، وإنما عبر إعادة تعريف الممكن السياسي نفسه، بحيث يصبح ما يُعدّ واقعيًا أو قابلًا للتحقق محددًا سلفًا داخل أفق رسمته علاقات القوة القائمة. وهكذا لا يقتصر أثر الاحتلال على التحكم بالأرض والسكان والاقتصاد، بل يمتد إلى تشكيل المجال الذي تُنتج فيه السياسة، وتُصاغ فيه الخيارات، ويُعاد من خلاله تعريف ما يبدو ممكنًا أو مستحيلًا.
وربما لهذا السبب لا يعود تأثير الاحتلال مقتصرًا على فرض القيود من الخارج، بل يمتد إلى تشكيل أفق التفكير السياسي نفسه، بحيث تصبح حدود الممكن جزءًا من وعي المؤسسة قبل أن تكون أوامر تُفرض عليها. وهذا هو الوجه الأكثر عمقًا للهيمنة؛ أن تتحول إلى بنية داخلية تنظّم التفكير قبل أن تنظّم السلوك
ولهذا فإن أي دعوة إلى إعادة بناء المجتمع، مهما بلغت أهميتها، ستبقى ناقصة إذا لم تترافق مع رؤية لكيفية تفكيك البنية التي تعيق تحوله إلى قوة سياسية فاعلة.
فتنظيم المجتمع لا يجيب وحده عن السؤال الأصعب:
كيف ينتقل المجتمع من كونه قوة أخلاقية وثقافية إلى قوة قادرة على إنتاج القرار الوطني؟
فالسياسة ليست مجرد تراكم للمبادرات، بل هي أيضًا صراع على المجال الذي يسمح لهذه المبادرات بأن تتحول إلى فعل مؤثر.
وهنا تبرز أسئلة لا يمكن القفز فوقها:
كيف يمكن لأي إطار وطني جديد أن يعمل داخل بنية صُممت أصلًا لمنع تشكل فاعل سياسي مستقل؟
وكيف يمكن ألا يُحتوى أو يُعاد إنتاجه داخل النظام القائم؟
وما الأدوات التي يمتلكها إذا اصطدم ببنية الاحتلال، أو بالبنية الوظيفية للنظام السياسي الفلسطيني، أو بمنظومة التوازنات الإقليمية والدولية التي أصبحت جزءًا من إنتاج المشهد الفلسطيني نفسه؟
هذه الأسئلة لا تهدف إلى التقليل من قيمة أي مبادرة مجتمعية، بل إلى حمايتها من أن تتحول، دون قصد، إلى محاولة للإصلاح داخل البنية نفسها التي تنتج الأزمة.
ولهذا أعتقد أن المهمة المطروحة أمام الفكر الفلسطيني اليوم لم تعد تقتصر على هندسة المجتمع، بل أصبحت تتطلب هندسة الانتقال الوطني نفسه.
أي التفكير في الكيفية التي يمكن من خلالها إعادة تأسيس المجال السياسي الفلسطيني، بحيث يصبح المجتمع قادرًا على إنتاج قيادة وطنية ومشروع وطني مستقل، لا مجرد إعادة إنتاج الفاعلين داخل القواعد ذاتها.
فاستعادة المجال السياسي لا تبدأ بالاستيلاء على المؤسسات، ولا بمجرد إعادة ترتيبها، بل بإعادة بناء الحامل الوطني القادر على إنتاج شرعية مستقلة عن شروط الهيمنة، بحيث تصبح المؤسسات تعبيرًا عن هذا الحامل، لا بديلًا عنه ولا مصدرًا لشرعيته.
إن المسألة ليست أن المجتمع غائب، بل إن المجال الذي يعمل فيه قد أُعيد تشكيله بفعل الاحتلال، وبنية النظام السياسي، وشبكة التوازنات الإقليمية والدولية.
ومن دون معالجة هذه المستويات مجتمعة، سيبقى الحديث عن استعادة المجتمع ضروريًا، لكنه لن يكون كافيًا.
فالتحدي الحقيقي اليوم ليس فقط في استعادة المجتمع، بل في استعادة السياسة نفسها بوصفها أداة للتحرر، لا مجرد آلية لإدارة واقع صُممت قواعده خارج الإرادة الوطنية الفلسطينية.
وربما لهذا السبب لا يكفي اليوم أن نسأل: كيف نستعيد المجتمع؟ ولا حتى: كيف نصلح المؤسسات؟ بل ينبغي أن نسبق ذلك بسؤال أكثر تأسيسًا: كيف نحرر المجال السياسي نفسه من شروط الهيمنة التي تعيد إنتاج الأزمة كلما حاولنا إصلاحها؟ فقبل أن يصبح المجتمع قادرًا على قيادة المشروع الوطني، لا بد أن يصبح قادرًا على امتلاك السياسة ذاتها. ولعل هذه هي المهمة الفكرية الكبرى التي تفرضها اللحظة الفلسطينية الراهنة.
ولعل هذا هو السؤال الذي ينبغي أن يسبق كل حديث عن الانتخابات، أو الائتلافات، أو إعادة ترتيب المؤسسات؛ لأنه السؤال الذي يحدد إمكان الانتقال من إدارة الأزمة إلى إعادة تأسيس المشروع الوطني الفلسطيني. فربما لم يعد السؤال الأكبر: كيف ننظم المجتمع؟ بل: كيف نعيد بناء المجال السياسي الذي يجعل تنظيم المجتمع قادرًا على إنتاج فعل تحرري حقيقي؟ وهذا، في تقديري، هو السؤال الذي ينبغي أن يشغل الفكر الفلسطيني اليوم؛ لأنه يتجاوز إصلاح الأدوات إلى مساءلة الشروط التي تنتجها، وينتقل من إدارة الواقع إلى التفكير في كيفية تغييره.
لكن، كلما تقدمت في التفكير في هذه الفكرة، ظل سؤال واحد يرافقني بإلحاح:
هل نملك اليوم المجال السياسي الذي يسمح للمجتمع بأن يستعيد دوره أصلًا؟
أخشى أحيانًا أن ننشغل جميعًا ببناء أجوبة صحيحة داخل فضاء سياسي لم نعد نملك شروطه.
فالمسألة ليست أن المجتمع الفلسطيني عاجز، ولا أنه فقد قدرته على المبادرة، بل إن البنية التي تحكم المجال السياسي الفلسطيني لم تعد هي نفسها التي عرفناها قبل ثلاثة أو أربعة عقود.
لقد تغيرت وظيفة السلطة الفلسطينية، وتبدلت طبيعة العلاقة مع الاحتلال، وتغيرت آليات إنتاج القرار، وأصبح المجال السياسي نفسه محكومًا بشبكة معقدة من القيود المحلية والإقليمية والدولية، بحيث لم يعد المجتمع يتحرك في فضاء مفتوح، بل داخل حدود مرسومة سلفًا.
من هنا، لم يعد السؤال بالنسبة لي:
كيف يستعيد المجتمع دوره؟
بل أصبح:
كيف نستعيد المجال السياسي الذي يسمح للمجتمع بأن يمارس هذا الدور؟
فالمجتمع لا يتحرك في الفراغ.
وإذا كانت قواعد الفعل السياسي تُصاغ خارج الإرادة الفلسطينية، وإذا كانت حدود الممكن تُرسم بفعل الاحتلال وشبكات الهيمنة التي نشأت بعد أوسلو، وإذا أصبحت وظيفة النظام السياسي أقرب إلى إدارة الواقع منها إلى تغييره، فإن أي مشروع مجتمعي سيظل يصطدم بالسقف ذاته، مهما بلغت جديته.
لهذا لا يكفي أن نعيد المجتمع إلى مركز التفكير إذا لم نُعد السياسة نفسها إلى مركز التحليل.
فالأزمة الفلسطينية ليست، في جوهرها، أزمة مجتمع يفتقر إلى المبادرات أو الكفاءات أو الأفكار. المجتمع ما زال ينتج المعرفة، ويملك الجامعات، والنقابات، والمثقفين، والحركات الشبابية، والمبادرات المدنية.
لكن الأزمة تكمن في أن المجال السياسي الذي يفترض أن يحول هذه الطاقة إلى قرار وطني مستقل أصبح مجالًا مشروطًا، تتحكم فيه بنية استعمارية ووظيفية تحدد مسبقًا قواعد الفعل وحدوده.
ولعل المشكلة الأعمق لا تكمن في حدود هذا المجال السياسي فحسب، بل في موقعه داخل نظام هيمنة أوسع. فالمجال السياسي الفلسطيني لم يعد مجرد فضاء يتعرض لضغوط خارجية، بل أصبح جزءًا من منظومة استعمارية تعيد إنتاج شروط عمله بصورة مستمرة. وفي مثل هذه المنظومات لا تُمارس الهيمنة فقط عبر القوة العسكرية أو القيود القانونية، وإنما عبر إعادة تعريف الممكن السياسي نفسه، بحيث يصبح ما يُعدّ واقعيًا أو قابلًا للتحقق محددًا سلفًا داخل أفق رسمته علاقات القوة القائمة. وهكذا لا يقتصر أثر الاحتلال على التحكم بالأرض والسكان والاقتصاد، بل يمتد إلى تشكيل المجال الذي تُنتج فيه السياسة، وتُصاغ فيه الخيارات، ويُعاد من خلاله تعريف ما يبدو ممكنًا أو مستحيلًا.
وربما لهذا السبب لا يعود تأثير الاحتلال مقتصرًا على فرض القيود من الخارج، بل يمتد إلى تشكيل أفق التفكير السياسي نفسه، بحيث تصبح حدود الممكن جزءًا من وعي المؤسسة قبل أن تكون أوامر تُفرض عليها. وهذا هو الوجه الأكثر عمقًا للهيمنة؛ أن تتحول إلى بنية داخلية تنظّم التفكير قبل أن تنظّم السلوك
ولهذا فإن أي دعوة إلى إعادة بناء المجتمع، مهما بلغت أهميتها، ستبقى ناقصة إذا لم تترافق مع رؤية لكيفية تفكيك البنية التي تعيق تحوله إلى قوة سياسية فاعلة.
فتنظيم المجتمع لا يجيب وحده عن السؤال الأصعب:
كيف ينتقل المجتمع من كونه قوة أخلاقية وثقافية إلى قوة قادرة على إنتاج القرار الوطني؟
فالسياسة ليست مجرد تراكم للمبادرات، بل هي أيضًا صراع على المجال الذي يسمح لهذه المبادرات بأن تتحول إلى فعل مؤثر.
وهنا تبرز أسئلة لا يمكن القفز فوقها:
كيف يمكن لأي إطار وطني جديد أن يعمل داخل بنية صُممت أصلًا لمنع تشكل فاعل سياسي مستقل؟
وكيف يمكن ألا يُحتوى أو يُعاد إنتاجه داخل النظام القائم؟
وما الأدوات التي يمتلكها إذا اصطدم ببنية الاحتلال، أو بالبنية الوظيفية للنظام السياسي الفلسطيني، أو بمنظومة التوازنات الإقليمية والدولية التي أصبحت جزءًا من إنتاج المشهد الفلسطيني نفسه؟
هذه الأسئلة لا تهدف إلى التقليل من قيمة أي مبادرة مجتمعية، بل إلى حمايتها من أن تتحول، دون قصد، إلى محاولة للإصلاح داخل البنية نفسها التي تنتج الأزمة.
ولهذا أعتقد أن المهمة المطروحة أمام الفكر الفلسطيني اليوم لم تعد تقتصر على هندسة المجتمع، بل أصبحت تتطلب هندسة الانتقال الوطني نفسه.
أي التفكير في الكيفية التي يمكن من خلالها إعادة تأسيس المجال السياسي الفلسطيني، بحيث يصبح المجتمع قادرًا على إنتاج قيادة وطنية ومشروع وطني مستقل، لا مجرد إعادة إنتاج الفاعلين داخل القواعد ذاتها.
فاستعادة المجال السياسي لا تبدأ بالاستيلاء على المؤسسات، ولا بمجرد إعادة ترتيبها، بل بإعادة بناء الحامل الوطني القادر على إنتاج شرعية مستقلة عن شروط الهيمنة، بحيث تصبح المؤسسات تعبيرًا عن هذا الحامل، لا بديلًا عنه ولا مصدرًا لشرعيته.
إن المسألة ليست أن المجتمع غائب، بل إن المجال الذي يعمل فيه قد أُعيد تشكيله بفعل الاحتلال، وبنية النظام السياسي، وشبكة التوازنات الإقليمية والدولية.
ومن دون معالجة هذه المستويات مجتمعة، سيبقى الحديث عن استعادة المجتمع ضروريًا، لكنه لن يكون كافيًا.
فالتحدي الحقيقي اليوم ليس فقط في استعادة المجتمع، بل في استعادة السياسة نفسها بوصفها أداة للتحرر، لا مجرد آلية لإدارة واقع صُممت قواعده خارج الإرادة الوطنية الفلسطينية.
وربما لهذا السبب لا يكفي اليوم أن نسأل: كيف نستعيد المجتمع؟ ولا حتى: كيف نصلح المؤسسات؟ بل ينبغي أن نسبق ذلك بسؤال أكثر تأسيسًا: كيف نحرر المجال السياسي نفسه من شروط الهيمنة التي تعيد إنتاج الأزمة كلما حاولنا إصلاحها؟ فقبل أن يصبح المجتمع قادرًا على قيادة المشروع الوطني، لا بد أن يصبح قادرًا على امتلاك السياسة ذاتها. ولعل هذه هي المهمة الفكرية الكبرى التي تفرضها اللحظة الفلسطينية الراهنة.
ولعل هذا هو السؤال الذي ينبغي أن يسبق كل حديث عن الانتخابات، أو الائتلافات، أو إعادة ترتيب المؤسسات؛ لأنه السؤال الذي يحدد إمكان الانتقال من إدارة الأزمة إلى إعادة تأسيس المشروع الوطني الفلسطيني. فربما لم يعد السؤال الأكبر: كيف ننظم المجتمع؟ بل: كيف نعيد بناء المجال السياسي الذي يجعل تنظيم المجتمع قادرًا على إنتاج فعل تحرري حقيقي؟ وهذا، في تقديري، هو السؤال الذي ينبغي أن يشغل الفكر الفلسطيني اليوم؛ لأنه يتجاوز إصلاح الأدوات إلى مساءلة الشروط التي تنتجها، وينتقل من إدارة الواقع إلى التفكير في كيفية تغييره.