أمننا الثقافي في مهب الارتجال: مشروع "الأنطولوجيا" وإشكالية التوثيق العلمي في ديوان الملحون المغربي
التراث اللامادي والمواطنة العضوية
لا تستقيم مقاربة "المواطنة الحقة" بمعزل عن صون الذاكرة الثقافية والأدبية كركيزة بنيوية للوجدان المشترك. فالإرث الرمزي للأمم ليس منتجاً استهلاكياً للمناسبات الإدارية، بل هو الحاضنة الأساسية للهوية والسيادة الروحية. بناءً عليه، فإن أي تراخٍ أو مساس بهذا التراث يتجاوز حدود التقصير الفني ليصبح تهديداً مباشراً لـ "الأمن الثقافي القومي"، وإخلالاً صريحاً بالمسؤولية التاريخية المعنية بحماية الهوية الوطنية.
إن إدراج منظمة "اليونسكو" لشعر الملحون ضمن القائمة التمثيلية للتراث الثقافي اللامادي للإنسانية لم يكن مجرد اعتراف بروتوكولي، بل مثّل انتصاراً علمياً وتاريخياً لجيل من الشيوخ، والرواة، والباحثين العضويين. وكان حرياً بهذا الاعتراف الدولي أن يؤسس لطفرة مؤسساتية رصينة تنقل شعر الملحون من حيز "الفلكلور" الضيق إلى فضاء مأسسة البحث العلمي والتوثيق الأكاديمي الصارم.
لكن، وفي مقابل هذا الاستحقاق، يشهد المشهد الثقافي قفزاً لبعض "الفاعلين الطفيليين" الذين لا تربطهم بالمتن التراثي سوى وشائج النفوذ الإداري داخل كواليس المؤسسات والأكاديميات. ومن رحم هذا الخلل الهيكلي، يبرز اليوم مشروع "أنطولوجيا الملحون"، ليعيد إنتاج ذات التخبط الذي شاب "موسوعة الملحون" السابقة الصادرة عن أكاديمية المملكة المغربية، مما يفرض طرح تساؤلات حاسمة حول معايير إقصاء أهل الاختصاص المعرفي.
البيروقراطية الإدارية وسياسة استهلاك الزمن
تواجه الجهات المشرفة على مشروع "الأنطولوجيا" الجديد المساءلة النقدية بخطاب إداري مسطح، يدعي التوافق مع المساطر التنظيمية، معللاً إرجاء الإصدار الرسمي ليتزامن مع اليوبيل الذهبي لتأسيس الأكاديمية (بداية 2027).
إلا أن التحليل الموضوعي لملف المشروع يكشف أن هذا التبرير ليس سوى غطاء لمداراة إخفاقات بنيوية متتالية؛ فوفقاً لمعطيات دقيقة من كواليس التدبير، كان من المقرّر تسليم العمل وإخراجه للوجود في دجنبر 2024، ليتأجل بفعل الارتجالية إلى دجنبر 2025، ثم دُفع به مجدداً إلى دجنبر 2026، وصولاً إلى الموعد الحالي (2027). إن هذا الهدر الزمني لا يعكس تخطيطاً استراتيجياً، بل يبرهن على حالة من الارتباك البنيوي والهروب إلى الأمام خوفاً من انكشاف ضآلة المنجز العلمي.
وتتضح الفجوة العميقة عند إجراء مقارنة تاريخية بسيطة:
المشروع الحالي: يستهلك ثلاث سنوات كاملة (من أواخر 2024 إلى دجنبر 2026) لإنتاج وتسجيل قرابة 60 قصيدة فقط من عيون الملحون، رغم توفر الميزانيات الضخمة والآليات الحديثة.
بينما الراحل الأستاذ محمد الفاسي، نجح في إطار مشروع "معلمة الملحون"، في إحصاء وجمع مئات الدواوين وما يتجاوز 5000 قصيدة بإمكانيات بدائية وجهد فردي.
إن هذا العجز المعاصر يجد تفسيره المباشر في غياب الرؤية الأكاديمية المنهجية، وهيمنة منطق "الريع الثقافي"، حيث أُسندت إدارة المشروع لأفراد يمتلكون الرأسمال الاجتماعي (شبكات العلاقات) ويفتقرون للرأسمال المعرفي التخصصي في علوم شعر الملحونو بنيته العروضية، "المرامة"، و"القياس".
الخروقات العلمية والتوثيقية في الموسوعة السابقة
إن التخبط الراهن ليس وليد اليوم، بل هو امتداد لـ "ممارسات توثيقية مشوهة" رصدها باحثون متخصصون في بيان اعتراضي سابق وجه للأكاديمية (ماي 2024)، بعد صدور "موسوعة الملحون" بسعر باهظ (1650 درهماً)؛ إذ تضمنت انزلاقات علمية تمس بميثاق الأمانة العلمية و المعرفية، ومنها على سبيل المثال لا الحصر:
ديوان الشيخ إدريس بن علي (ص 396): نُسبت له قصيدة "ليلة القدر"، في حين أنها توثيقياً من روائع الشاعر الحاج أحمد سهوم ومثبتة في ديوانه (ص 327)، ومسجلة صوتياً بصوت الحاج بن غانم في الإذاعة الوطنية سنة 1980.
ديوان سيدي قدور العلمي: إقحام 12 قصيدة غريبة عن متنه الشعري ونسبتها إليه دون فحص نقدي.
ديوان السلطان مولاي عبد الحفيظ: إدراج قصائد تعود لشعراء آخرين كـ "الفقيه العميري" ونسبتها للسلطان، متغافلين عن حقيقة تاريخية مفادها أن السلطان كان راعياً ومحتضناً للشعراء وليس ناظماً لتلك القصائد.
هذا إلى جانب الاختلال الكامل في الضبط العروضي، والتلاعب الهيكلي بتوزيع أشطر القصائد، والغياب التام للمتخصصين الفعليين عن لجان التحرير والمراجعة، مما أحال الموسوعة من مرجع علمي مفترض إلى سرد أدبي مشوه. وبدلاً من مراجعة هذه الأخطاء، تواصل المؤسسة تبني ذات النهج الإقصائي في مشروع "الأنطولوجيا" الجديد.
الأخطبوطية الثقافية وآليات الإقصاء
إن المفارقة الأكثر فجاجة في المشهد الثقافي تكمن في ظاهرة "الفاعل العابر للتخصصات"؛ حيث يقفز شخص مصنف في حقل " الاغنية العصرية او الشبابية او المسرح" - بفضل علاقاته النافذة - ليتمدد كأخطبوط في لجان الملحون والمهرجانات التراثية، وهو يفتقر لأدنى أدوات التفكيك العروضي والنقدي لهذا الفن.
يمارس هؤلاء "الدخلاء" سلوكاً مزدوجاً؛ يتجلى في التودد الظاهري للشيوخ والباحثين الحقيقيين عبر الفضاء الرقمي، وممارسة إقصاء ممنهج وضار ضد حضورهم في المحافل الرسمية والمشاريع العلمية. والدافع وراء هذا التغييب واضح: إن حضور التخصص الفعلي والتحقيق الصارم يشكل تهديداً مباشراً للمصالح المالية والإدارية التي تُطحن في الغرف المغلقة، ويفضح بشكل حتمي الهشاشة المعرفية للقائمين على الملف.
مآلات المشهد واستنتاجات ختامية
تأسيساً على ما سبق، يقف المشهد التراثي المغربي أمام سيناريوهين كلاهما مرير:
السيناريو الأول: إخراج هذه الأنطولوجيا في الموعد المؤجل (2027) محملة بعللها التوثيقية وأخطائها العلمية، لتكرر فاجعة الموسوعة السابقة نتيجة لتغييب الكفاءات العلمية الحقيقية.
السيناريو الثاني: استمرار دوامة التأجيلات والتعثر البيروقراطي لما بعد 2026، مما يعني هدر الميزانيات المرصودة والجهود الطاقات دون أي طائل معرفي يُذكر.
إن الكلمة العلمية الصادقة تستمد شرعيتها من حُجيتها لا من النفوذ الإداري. والدفاع هنا ليس عن مجرد نصوص مغلوطة أو تسجيلات متعثرة، بل هو دفاع عن قيم الهوية التاريخية. فالملحون هو السجل اللغوي والحضاري للأمة المغربية، والتفريط في حمايته وتركه لقمة سائغة لـ "سماسرة العمل الثقافي" يعد إخلالاً وطنياً جسيماً. قد تملك السلطة الإدارية القدرة على إقصاء الشيوخ، لكنها لا تملك سلطة دحض الحجة العلميّة.. والتاريخ لا يخلد منابر الحظوة، بل يخلد ما يثبته التحقيق الرصين ويميّزه الزمن.
التراث اللامادي والمواطنة العضوية
لا تستقيم مقاربة "المواطنة الحقة" بمعزل عن صون الذاكرة الثقافية والأدبية كركيزة بنيوية للوجدان المشترك. فالإرث الرمزي للأمم ليس منتجاً استهلاكياً للمناسبات الإدارية، بل هو الحاضنة الأساسية للهوية والسيادة الروحية. بناءً عليه، فإن أي تراخٍ أو مساس بهذا التراث يتجاوز حدود التقصير الفني ليصبح تهديداً مباشراً لـ "الأمن الثقافي القومي"، وإخلالاً صريحاً بالمسؤولية التاريخية المعنية بحماية الهوية الوطنية.
إن إدراج منظمة "اليونسكو" لشعر الملحون ضمن القائمة التمثيلية للتراث الثقافي اللامادي للإنسانية لم يكن مجرد اعتراف بروتوكولي، بل مثّل انتصاراً علمياً وتاريخياً لجيل من الشيوخ، والرواة، والباحثين العضويين. وكان حرياً بهذا الاعتراف الدولي أن يؤسس لطفرة مؤسساتية رصينة تنقل شعر الملحون من حيز "الفلكلور" الضيق إلى فضاء مأسسة البحث العلمي والتوثيق الأكاديمي الصارم.
لكن، وفي مقابل هذا الاستحقاق، يشهد المشهد الثقافي قفزاً لبعض "الفاعلين الطفيليين" الذين لا تربطهم بالمتن التراثي سوى وشائج النفوذ الإداري داخل كواليس المؤسسات والأكاديميات. ومن رحم هذا الخلل الهيكلي، يبرز اليوم مشروع "أنطولوجيا الملحون"، ليعيد إنتاج ذات التخبط الذي شاب "موسوعة الملحون" السابقة الصادرة عن أكاديمية المملكة المغربية، مما يفرض طرح تساؤلات حاسمة حول معايير إقصاء أهل الاختصاص المعرفي.
البيروقراطية الإدارية وسياسة استهلاك الزمن
تواجه الجهات المشرفة على مشروع "الأنطولوجيا" الجديد المساءلة النقدية بخطاب إداري مسطح، يدعي التوافق مع المساطر التنظيمية، معللاً إرجاء الإصدار الرسمي ليتزامن مع اليوبيل الذهبي لتأسيس الأكاديمية (بداية 2027).
إلا أن التحليل الموضوعي لملف المشروع يكشف أن هذا التبرير ليس سوى غطاء لمداراة إخفاقات بنيوية متتالية؛ فوفقاً لمعطيات دقيقة من كواليس التدبير، كان من المقرّر تسليم العمل وإخراجه للوجود في دجنبر 2024، ليتأجل بفعل الارتجالية إلى دجنبر 2025، ثم دُفع به مجدداً إلى دجنبر 2026، وصولاً إلى الموعد الحالي (2027). إن هذا الهدر الزمني لا يعكس تخطيطاً استراتيجياً، بل يبرهن على حالة من الارتباك البنيوي والهروب إلى الأمام خوفاً من انكشاف ضآلة المنجز العلمي.
وتتضح الفجوة العميقة عند إجراء مقارنة تاريخية بسيطة:
المشروع الحالي: يستهلك ثلاث سنوات كاملة (من أواخر 2024 إلى دجنبر 2026) لإنتاج وتسجيل قرابة 60 قصيدة فقط من عيون الملحون، رغم توفر الميزانيات الضخمة والآليات الحديثة.
بينما الراحل الأستاذ محمد الفاسي، نجح في إطار مشروع "معلمة الملحون"، في إحصاء وجمع مئات الدواوين وما يتجاوز 5000 قصيدة بإمكانيات بدائية وجهد فردي.
إن هذا العجز المعاصر يجد تفسيره المباشر في غياب الرؤية الأكاديمية المنهجية، وهيمنة منطق "الريع الثقافي"، حيث أُسندت إدارة المشروع لأفراد يمتلكون الرأسمال الاجتماعي (شبكات العلاقات) ويفتقرون للرأسمال المعرفي التخصصي في علوم شعر الملحونو بنيته العروضية، "المرامة"، و"القياس".
الخروقات العلمية والتوثيقية في الموسوعة السابقة
إن التخبط الراهن ليس وليد اليوم، بل هو امتداد لـ "ممارسات توثيقية مشوهة" رصدها باحثون متخصصون في بيان اعتراضي سابق وجه للأكاديمية (ماي 2024)، بعد صدور "موسوعة الملحون" بسعر باهظ (1650 درهماً)؛ إذ تضمنت انزلاقات علمية تمس بميثاق الأمانة العلمية و المعرفية، ومنها على سبيل المثال لا الحصر:
ديوان الشيخ إدريس بن علي (ص 396): نُسبت له قصيدة "ليلة القدر"، في حين أنها توثيقياً من روائع الشاعر الحاج أحمد سهوم ومثبتة في ديوانه (ص 327)، ومسجلة صوتياً بصوت الحاج بن غانم في الإذاعة الوطنية سنة 1980.
ديوان سيدي قدور العلمي: إقحام 12 قصيدة غريبة عن متنه الشعري ونسبتها إليه دون فحص نقدي.
ديوان السلطان مولاي عبد الحفيظ: إدراج قصائد تعود لشعراء آخرين كـ "الفقيه العميري" ونسبتها للسلطان، متغافلين عن حقيقة تاريخية مفادها أن السلطان كان راعياً ومحتضناً للشعراء وليس ناظماً لتلك القصائد.
هذا إلى جانب الاختلال الكامل في الضبط العروضي، والتلاعب الهيكلي بتوزيع أشطر القصائد، والغياب التام للمتخصصين الفعليين عن لجان التحرير والمراجعة، مما أحال الموسوعة من مرجع علمي مفترض إلى سرد أدبي مشوه. وبدلاً من مراجعة هذه الأخطاء، تواصل المؤسسة تبني ذات النهج الإقصائي في مشروع "الأنطولوجيا" الجديد.
الأخطبوطية الثقافية وآليات الإقصاء
إن المفارقة الأكثر فجاجة في المشهد الثقافي تكمن في ظاهرة "الفاعل العابر للتخصصات"؛ حيث يقفز شخص مصنف في حقل " الاغنية العصرية او الشبابية او المسرح" - بفضل علاقاته النافذة - ليتمدد كأخطبوط في لجان الملحون والمهرجانات التراثية، وهو يفتقر لأدنى أدوات التفكيك العروضي والنقدي لهذا الفن.
يمارس هؤلاء "الدخلاء" سلوكاً مزدوجاً؛ يتجلى في التودد الظاهري للشيوخ والباحثين الحقيقيين عبر الفضاء الرقمي، وممارسة إقصاء ممنهج وضار ضد حضورهم في المحافل الرسمية والمشاريع العلمية. والدافع وراء هذا التغييب واضح: إن حضور التخصص الفعلي والتحقيق الصارم يشكل تهديداً مباشراً للمصالح المالية والإدارية التي تُطحن في الغرف المغلقة، ويفضح بشكل حتمي الهشاشة المعرفية للقائمين على الملف.
مآلات المشهد واستنتاجات ختامية
تأسيساً على ما سبق، يقف المشهد التراثي المغربي أمام سيناريوهين كلاهما مرير:
السيناريو الأول: إخراج هذه الأنطولوجيا في الموعد المؤجل (2027) محملة بعللها التوثيقية وأخطائها العلمية، لتكرر فاجعة الموسوعة السابقة نتيجة لتغييب الكفاءات العلمية الحقيقية.
السيناريو الثاني: استمرار دوامة التأجيلات والتعثر البيروقراطي لما بعد 2026، مما يعني هدر الميزانيات المرصودة والجهود الطاقات دون أي طائل معرفي يُذكر.
إن الكلمة العلمية الصادقة تستمد شرعيتها من حُجيتها لا من النفوذ الإداري. والدفاع هنا ليس عن مجرد نصوص مغلوطة أو تسجيلات متعثرة، بل هو دفاع عن قيم الهوية التاريخية. فالملحون هو السجل اللغوي والحضاري للأمة المغربية، والتفريط في حمايته وتركه لقمة سائغة لـ "سماسرة العمل الثقافي" يعد إخلالاً وطنياً جسيماً. قد تملك السلطة الإدارية القدرة على إقصاء الشيوخ، لكنها لا تملك سلطة دحض الحجة العلميّة.. والتاريخ لا يخلد منابر الحظوة، بل يخلد ما يثبته التحقيق الرصين ويميّزه الزمن.