خالد صالح عطية - بعد سقوط النظام: تحديات الانتقال من شرعية الثورة إلى شرعية الدولة

ليست المعضلة السورية اليوم في أن الثورة انتصرت أو لم تنتصر، ولا في أن النظام سقط أو بقيت بعض آثاره، بل في أن كثيرين ما زالوا يخلطون بين نهاية السلطة القديمة وبداية الدولة الجديدة.

ولعلني أكتب هذا، وأنا أحمل علاقة خاصة بسورية؛ فهي ليست بالنسبة لي مجرد موضوع للتحليل السياسي، بل البلد الذي وُلدت فيه وترعرعت على أرضه، وعرفت فيه معنى المجتمع والدولة معًا. وربما لهذا السبب أحاول أن أنظر إلى ما يجري اليوم بعينٍ تتجاوز الانفعال، لأن ما تحتاجه سورية في هذه اللحظة ليس مزيدًا من الأحكام المسبقة، بل فهمًا أعمق لطبيعة المرحلة التي تعيشها.

فالأنظمة يمكن أن تسقط في أيام، أما الدول فلا تُبنى إلا عبر سنوات طويلة من إعادة تشكيل السياسة والاقتصاد والمؤسسات والعلاقات الاجتماعية. ولهذا، فإن السؤال الحقيقي، بعد أكثر من عام ونصف على سقوط النظام، لم يعد: لماذا لم تتحسن الأوضاع الاقتصادية؟ ولا: لماذا ما زال الأمن هشًا؟ بل سؤالٌ آخر أكثر تأسيسًا:
هل انتقلت سورية فعلًا من مرحلة الثورة إلى مرحلة بناء الدولة؟
هذا هو السؤال الذي يحدد طبيعة المرحلة كلها.
لقد اعتقد كثيرون أن سقوط النظام سيؤدي تلقائيًا إلى تحسن الاقتصاد، وعودة الأمن، وانفتاح العالم على سورية الجديدة. وربما كان هذا الاعتقاد مفهومًا من الناحية النفسية، لكنه لم يكن دقيقًا من الناحية التاريخية.
فالثورات لا ترث دولًا مستقرة، وإنما ترث ما تركته الأنظمة المنهارة.
وسورية لم ترث جهازًا إداريًا طبيعيًا، ولا اقتصادًا منتجًا، ولا مؤسسات حيادية، ولا مجتمعًا خرج من حرب قصيرة، بل ورثت دولة استنزفتها أربعة عشر عامًا من الحرب، وعقودًا من الحكم الأمني الذي جعل الدولة نفسها جزءًا من السلطة، لا إطارًا فوقها.

ولهذا فإن الثورة لم تبدأ من الصفر، بل بدأت من تحت الصفر.
ولهذا أيضًا، فإن اختزال المشهد السوري في سعر صرف الليرة، أو ساعات الكهرباء، أو عدد الحوادث الأمنية، لا يكفي لفهم ما يجري.
فالاقتصاد ليس نقطة البداية، بل نتيجة لبنية سياسية كاملة، والأمن ليس مجرد انتشار للقوات، بل تعبير عن قدرة الدولة على احتكار القوة وفق القانون.
أما الدولة نفسها، فهي ليست الحكومة.
وهنا تكمن أولى الإشكاليات.
لقد نجحت الثورة في إسقاط النظام، لكنها لم تُنجز بعد المهمة الأصعب، وهي بناء الدولة.
فالدولة لا تُقاس فقط بمن يجلس في القصر الرئاسي، وإنما بطبيعة المؤسسات التي تنتج القرار، وبالعقد السياسي الذي يمنحها الشرعية، وبقدرتها على إدارة التنوع الاجتماعي خارج منطق الغلبة.

وهذا ما يجعل مرحلة ما بعد الثورة أكثر تعقيدًا من الثورة نفسها.
فالمرحلة الحالية ليست مرحلة تغيير سلطة، بل مرحلة تأسيس نظام سياسي جديد. غير أن هذه العملية لا تجري في فراغ.
فسورية الجديدة لا تولد في لحظة استقرار إقليمي، بل في واحدة من أكثر اللحظات الدولية تعقيدًا منذ عقود.
ففي الداخل، ورغم أن الدولة استطاعت خلال العام والنصف الماضيين استعادة قدر من الاستقرار المؤسسي، وإعادة تشغيل أجزاء واسعة من الإدارة العامة، وفتح قنوات انفتاح عربية ودولية، فإنها ما تزال تواجه ملفات تأسيسية لم تُحسم بعد. فما يزال توحيد الفصائل المسلحة ضمن مؤسسة عسكرية وطنية واحدة مشروعًا غير مكتمل، وإعادة بناء الجيش والأجهزة الأمنية على أسس احترافية ما تزال في بداياتها، كما أن إصلاح القضاء، وإطلاق مسار متماسك للعدالة الانتقالية، وإعادة هيكلة الإدارة المحلية، وتهيئة الظروف لعودة ملايين اللاجئين والنازحين، وإعادة بناء اقتصاد أنهكته الحرب والعقوبات وتدمير البنية التحتية وهجرة الكفاءات، كلها تحديات لم تبلغ بعد مرحلة الاستقرار.
والأهم من ذلك أن العلاقة بين الدولة ومكوناتها الاجتماعية لم تصل بعد إلى صيغة وطنية مستقرة. فالحوار مع القوى الكردية لم يفضِ حتى الآن إلى تسوية نهائية تنظم العلاقة بين المركز وشمال شرق البلاد، كما شهد الجنوب توترات متكررة عكست استمرار هواجس قطاع من أبناء السويداء، بينما تركت أحداث الساحل آثارًا عميقة داخل البيئة العلوية، وأعادت إلى الواجهة أسئلة الثقة والأمان والمواطنة. وفي المقابل، لا يمكن تجاهل أن البلاد تجنبت حتى الآن الانزلاق إلى حرب أهلية شاملة أو تفكك كامل لمؤسسات الدولة، وهو إنجاز مهم، لكنه لا يغني عن الحاجة إلى عقد وطني جديد يطمئن جميع السوريين.

ومن ثم، فإن هذه الملفات ليست قضايا متفرقة، بل تعبيرات مختلفة عن سؤال واحد: هل تستطيع الدولة السورية أن تتحول من سلطة تدير مرحلة انتقالية إلى دولة وطنية تستوعب جميع مكوناتها على قاعدة المواطنة وسيادة القانون؟

أما خارجيًا، فإن سورية تتحرك داخل شبكة شديدة التعقيد من التوازنات الإقليمية والدولية.
فالحضور العسكري الأجنبي، واستمرار الاعتداءات الإسرائيلية، والمصالح التركية، والنفوذ الروسي، والسياسات الأمريكية، والانفتاح العربي المشروط، كلها تجعل هامش القرار السوري أكثر ضيقًا مما يبدو في الخطاب السياسي اليومي.

ولهذا فإن الدولة السورية الجديدة لا تواجه فقط تحدي إعادة الإعمار، بل تواجه أيضًا سؤال السيادة. فما معنى أن تكون الدولة مستقلة إذا كانت حدود حركتها السياسية والاقتصادية والأمنية تتحدد، بدرجات متفاوتة، بفعل توازنات لا تملك السيطرة عليها؟ وهنا تظهر المعضلة الحقيقية؛ فالهيمنة الحديثة لا تعمل فقط عبر الاحتلال أو العقوبات، بل أيضًا عبر إعادة تشكيل المجال السياسي نفسه، أي عبر رسم حدود الممكن والمستحيل، وتحديد ما تستطيع الدولة أن تفعله وما يُراد لها ألا تفعله. وعندئذٍ تصبح القيود جزءًا من بنية البيئة السياسية التي تتحرك فيها الدولة، لا مجرد ضغوط خارجية عابرة. ذلك أن الانتقال من الثورة إلى الدولة لا يعني مجرد تبدل النخب الحاكمة، بل انتقال السياسة نفسها من منطق التعبئة الثورية إلى منطق بناء المؤسسات.
فالسلطة الجديدة لا تتحرك في فراغ، بل داخل منظومة تجعل الانتقال من الثورة إلى الدولة عملية تفاوض مستمرة مع الداخل والخارج في آنٍ واحد. فالثورة تتحرك بمنطق الإنجاز السريع وحشد الطاقات، أما الدولة فتتحرك بمنطق القانون والإدارة وتراكم المؤسسات، وهو انتقال يفرض إيقاعًا أبطأ وأكثر تعقيدًا. ولذلك فإن بطء بعض القرارات لا يُفسَّر بالقيود الخارجية وحدها، بل أيضًا بطبيعة عملية بناء الدولة نفسها، التي تختلف جوهريًا عن عملية إسقاط النظام. غير أن إدراك هذه القيود لا يعفي الدولة من مسؤولية تجاوزها؛ فهناك فرق بين قراءة الواقع كما هو، وبين التسليم له بوصفه قدرًا لا يمكن تغييره.

وفي هذا السياق، يبرز نقاش واسع حول الإرث الفكري والسياسي لبعض القيادات التي تقود المرحلة الجديدة، حتى بات هذا الإرث عند البعض هو المعيار الوحيد للحكم على مستقبل سورية.
غير أن اختزال مستقبل الدولة في السيرة الأيديولوجية للأشخاص لا يساعد على فهم طبيعة اللحظة التاريخية.
فالإرث السياسي لأي قيادة يظل عنصرًا مهمًا في التحليل، لكنه لا يكفي وحده للحكم على طبيعة الدولة التي يجري بناؤها.
فالدول لا تُقاس بماضي قادتها فقط، وإنما بالمؤسسات التي تؤسسها، وبالعقد السياسي الذي تنشئه، وبقدرتها على إنتاج شرعية تقوم على المواطنة وسيادة القانون، لا على الانتماءات العقائدية أو التنظيمية.
إن نجاح أي تجربة انتقالية لا يقاس فقط بقدرتها على إسقاط النظام السابق، بل أيضًا بقدرتها على التحرر من منطقه.
فإذا بقيت الدولة الجديدة أسيرة الشرعية الثورية وحدها، أو أعادت إنتاج السلطة من خلال الولاءات الشخصية أو المرجعيات الأيديولوجية، فإنها قد تعيد إنتاج الهيمنة بأدوات مختلفة.
أما إذا استطاعت تحويل شرعية الثورة إلى شرعية دستورية ومؤسساتية، فإنها تكون قد بدأت فعلًا الانتقال من الثورة إلى الدولة.
غير أن هذا الانتقال لا يحدث تلقائيًا بمجرد سقوط النظام أو تشكيل حكومة جديدة.
إنه يحتاج إلى حامل وطني جديد، أي إلى كتلة سياسية ومجتمعية قادرة على تحويل شرعية الثورة إلى مشروع وطني جامع، يؤسس لشرعية الدولة.

فالدساتير لا تكتب نفسها، والمؤسسات لا تنشأ في الفراغ، والدولة لا تبنيها السلطة وحدها، وإنما تبنيها جماعة سياسية تتوافق على قواعد العيش المشترك، وعلى شكل الدولة، وحدود السلطة، ومصدر الشرعية.
ولا يمكن لهذا العقد الجديد أن ينجح إذا بقي جزء من السوريين يشعر أنه مجرد متلقٍ للدولة الجديدة، لا شريك في تأسيسها.
فالدولة الحديثة لا تقوم على الغلبة، مهما كان مصدرها، بل على تحويل التنوع السوري إلى مصدر للشرعية والاستقرار.
ومن هنا فإن السؤال الذي ينبغي أن يسبق كل الأحكام المسبقة ليس:
ماذا كان قادة المرحلة في الماضي؟
بل: أي دولة يبنون اليوم؟
لأن التاريخ الشخصي قد يفسر البدايات، لكنه لا يفسر وحده شكل الدولة التي تستقر في النهاية.
ولهذا فإن نجاح المرحلة الانتقالية لن يقاس فقط بقدرتها على إدارة التوازنات الدولية، بل بقدرتها على بناء مؤسسات مستقلة، وقضاء نزيه، وجيش وطني، واقتصاد منتج، وإدارة عامة تتجاوز الولاءات الضيقة، ودستور يحول شرعية الثورة إلى شرعية الدولة.
فالشرعية الثورية كانت كافية لإسقاط النظام.
أما بناء الدولة، فلا يكفيه النصر وحده.
ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يشغل السوريين اليوم لم يعد:
هل نجحت الثورة؟ فالجواب التاريخي أنها أسقطت النظام.
أما السؤال الحقيقي فهو:
هل تستطيع سورية أن تبني دولة تتجاوز الثورة، دون أن تتخلى عن قيمها، وتتحرر من منطق النظام الذي ثارت عليه؟
لأن التاريخ يعلمنا أن إسقاط الأنظمة ليس أصعب ما تواجهه الشعوب، بل إن المهمة الأصعب تبدأ في اليوم التالي للانتصار، حين يصبح المطلوب ليس هدم الماضي، بل بناء المستقبل. فالثورات تُقاس بلحظة الانتصار، أما الدول فتُقاس بما يبقى بعد أن ينتهي وهج الانتصار. ولذلك فإن مستقبل سورية لن تحدده لحظة سقوط النظام، بل الكيفية التي ستبنى بها الدولة بعده.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى