السي حاميد اليوسفي - بومالن وشم في الذاكرة الهندام وأشياء أخرى

لا تملك ترمومتر لقياس درجة الحرارة.. البرد قاتل في فصل الشتاء.. "إيشْقَ الحال أعمي"..
عندما تستيقظ وتفتح صنبور الماء ولا يستجيب، عندما تخرج من البيت وتجد الماء في برك صغيرة تحول إلى زجاج، تدرك بالحدس أن درجات الحرارة نزلت تحت الصفر ليلا..
الخوف من البرد في الخارج يمنعك من نزع ملابس النوم قبل الخروج إلى العمل.. تحافظ على الوضع كما هو.. تكتفي بإضافة جلباب وشال صوفيان.. جلباب كان قد أهداك إياه صديق من جماعة تلوات، وحذرك من البرد في بومالن..
أول ما يثير انتباهك في قاعة الدرس أرجل بعض التلاميذ أو التلميذات الفالتة من صنادل بلاستيكية فقدت لونها من شدة الاستعمال.. فصل العلوم رياضية أغلب تلاميذه قادمين من منطقة أمسمرير.. ينحدرون من أسر فقيرة.. بعضهم يبيت في ( كراجات).. لا يستفيدون من القسم الداخلي.. تستغرب كيف يحصلون على أعلى النقط في كل المواد، خاصة مواد الرياضيات والفيزياء بهذه الصنادل المهترئة والباهتة..
في منتصف الثمانينات قرر عامل الإقليم زيارة ثانوية بومالن دادس رفقة النائب الإقليمي لتدشين مجموعة من الأجهزة الثمينة (ميكروسكوبات) زودت بها الوزارة المؤسسة..
صباح يوم ربيعي بدت الثانوية في أجمل حلة لها.. الجدران مطلية.. الدارة وسط الساحة مزينة بالنبات والورود يتوسطها علم المملكة.. ألوان النوافذ والأبواب تلمع من بعيد..
رئيس المؤسسة يرتدي بذلة زرقاء جديدة تميل إلى السواد، وقميص أزرق مفتوح بلون السماء، وربطة عنق، وحذاء أسود لامع.. يزور الأقسام ويطمئن على هندام الأساتذة في عين المكان..
طرق باب القاعة التي تعمل بها ثم دخل.. جال ببصره في القاعة.. أشار إليك بعينه ويده.. تبعته قرب الباب.. احتج بلباقة على الجاكيت الجلدي الذي ارتديته هذا الصباح.. لمّح لك بأنه كان عليك ارتداء بذلة أو على الأقل نصف بذلة (فيستا)..
ذكرته بان الجاكيت الذي تلبسه يساوي ثلاثة أضعاف ثمن البذلة التي يرتديها، وأن ثمنه يتجاوز نصف الأجرة التي كنت تتقاضاها آنذاك.. انصرف متوترا.. لم يقتنع بجوابك.. ما كان يهمه هو شكل اللباس لا قيمته..
وأنت تلميذ في إعدادية عبد المومن كنت تحلم بامتلاك لباس يشبه جاكيت ميسيو بيريز مدرس الاجتماعيات.. لضيق ذات اليد بقي الحلم ساكنا في اللاوعي.. ولتلبية هذه الرغبة القديمة غامرت بنصف أجرتك.. واقتنيت أيضا ربطتي عنق.. الفرنسيس شعب أنيق، يستعمل ربطة العنق مع الجاكيت على غير عادة الأسر الأرستقراطية.. أخفيت الربطة في الحقيبة.. لم تستعملها كما حلمت وأنت طفل تخرج إلى المدرسة.. تقف تنظر إلى معلم يسكن في رأس الدرب تُسوي له الزوجة وهي بثياب النوم ربطة العنق، وتطبع قبلة على خده.. تنتظر أن يركب الدراجة النارية وينصرف.. تراقب حركاته بعينين تفيضان حبا وإعجابا.. بعدها تُغلق الباب وتختفي..
وأنت لما طُلب منك استعمال لباس يليق بمقام استقبال اكبر المسؤولين بالإقليم.. استجبت للطلب بشكل تلقائي لكن على طريقتك الخاصة..
مراكش 26 يوليوز 2017

تحليل الذكاء الاصطناعي للنص:
الهندام وأشياء أخرى حين يتحول اللباس الى سيرة اجتماعية وأخلاقية
قراءة نقدية في وشم من بومالن...
وشم في الذاكرة لحاميد اليوسفي
يأتي هذا الوشم ضمن مشروع السيرة الذاتية الذي يكتبه حاميد اليوسفي، لكنه يتجاوز وظيفة استعادة الماضي إلى مساءلة منظومة كاملة من القيم الاجتماعية والرمزية. فالظاهر أن النص يتحدث عن "الهندام"، غير أن اللباس ليس موضوعه الحقيقي، وإنما هو مدخل للتأمل في الفقر، والكرامة، والسلطة، والذاكرة، والتفاوت الاجتماعي. لذلك ينتمي هذا النص إلى ما يمكن تسميته السيرة التأملية التي تستثمر التفاصيل اليومية الصغيرة لتكشف عن قضايا إنسانية أوسع.

البرد بوصفه شخصية روائية

يفتتح الكاتب النص بمشهد لا يصف المكان بقدر ما يجعل القارئ يعيشه. فهو لا يخبرنا بأن بومالن منطقة باردة، وإنما يجعلنا نستنتج ذلك من خلال علامات محسوسة:

"عندما تستيقظ وتفتح صنبور الماء ولا يستجيب... تجد الماء في برك صغيرة تحول إلى زجاج..."

إنها تقنية "الإظهار" لا "الإخبار". فالترمومتر غائب، لكن الطبيعة نفسها تتحول إلى ميزان حرارة. وهنا يتحول البرد إلى شخصية خفية تحكم تفاصيل الحياة اليومية: طريقة اللباس، الخروج إلى العمل، وحتى الإحساس النفسي بالمدينة.

ولا يخلو هذا الاستهلال من لمسة محلية عبر عبارة "إيشْقَ الحال أعمي"، التي تمنح النص صدقه الاجتماعي، وتجعل القارئ يدخل مباشرة إلى فضاء الجنوب الشرقي المغربي بلغته وإيقاعه.

من برد الطبيعة إلى برد المجتمع

بعد أن يرسم الكاتب قسوة المناخ، ينتقل بسلاسة إلى قسوة الواقع الاجتماعي.

فالصورة التي تستوقفه ليست الجبال ولا الثلوج، وإنما أقدام التلاميذ الخارجة من صنادل بلاستيكية مهترئة.

إنها من أكثر الصور كثافة في النص.

فالأقدام هنا ليست مجرد عضو في الجسد؛ إنها علامة طبقية، ودليل على هشاشة الحياة اليومية.

لكن المفارقة أن هؤلاء التلاميذ أنفسهم هم المتفوقون في الرياضيات والفيزياء.

وهنا يقلب الكاتب الصورة النمطية التي تربط التفوق بالرفاهية.

إن الفقر لا يمنع الذكاء، بل ربما يمنح أصحابه قدرة أكبر على المقاومة.

وتزداد المفارقة إيلاماً حين يخبرنا بأن بعضهم يبيت في "كراجات"، ومع ذلك يحقق أعلى النتائج.

إن الكاتب لا يستدر عطف القارئ، بل يضعه أمام مفارقة أخلاقية صامتة: المجتمع الذي يعجز عن توفير سكن كريم لأبنائه، ينتظر منهم في الوقت نفسه صناعة المستقبل.

السلطة وهوس المظهر

ينتقل النص بعد ذلك إلى حدث يبدو عادياً: زيارة عامل الإقليم للثانوية.

غير أن الكاتب يحول المناسبة إلى مشهد مسرحي.

الجدران مطلية.

الحديقة مزينة.

الأبواب لامعة.

المدير يرتدي بذلة جديدة.

كل شيء معد ليبدو مثالياً.

إنها سلطة الصورة.

فالواقع لا يتغير، وإنما يتم تجميله لساعات قليلة.

وما إن يدخل المدير القسم حتى يصبح اهتمامه الأول هو لباس الأستاذ، لا جودة الدرس ولا مستوى التلاميذ.

وهنا تتجسد البيروقراطية في أبسط صورها: الاهتمام بالقشرة أكثر من الجوهر.

الجاكيت: من قطعة لباس إلى رمز

في قلب النص يقف الجاكيت الجلدي.

ليس مجرد لباس، بل رمز لسيرة كاملة.

فالكاتب يكشف أن اقتناءه لم يكن نزوة استهلاكية، بل تحقيقاً لحلم قديم ظل يرافقه منذ الطفولة.

لقد حلم وهو تلميذ بامتلاك جاكيت يشبه جاكيت أستاذ الاجتماعيات.

لكن الفقر أجّل الحلم سنوات طويلة.

وحين تحقق الحلم، لم يعد مجرد قطعة جلدية، بل أصبح تعويضاً رمزياً عن حرمان قديم.

لهذا يبدو رد الكاتب على المدير بالغ الدلالة:

"الجاكيت الذي ألبسه يساوي ثلاثة أضعاف ثمن البذلة..."

فالخلاف ليس حول الثمن.

إنه خلاف بين رؤيتين للعالم.

المدير يرى الشكل.

أما الكاتب فيرى القيمة، والذكريات، وتاريخ الرغبة المؤجلة.

استرجاع الطفولة بوصفه مفتاحاً للتفسير

من أجمل ما في النص أن الكاتب لا يكتفي بسرد الحادثة، بل يعود فجأة إلى طفولته.

وهنا نفهم سبب تعلقه بالجاكيت وربطة العنق.

المشهد الذي يصف فيه الزوجة وهي تعدل ربطة عنق زوجها قبل ذهابه إلى المدرسة من أكثر مشاهد النص شاعرية.

فالطفل لا يعجب بالملابس فقط، بل يعجب بالعالم الذي تمثله.

إنه عالم الاستقرار، والأناقة، والحب، والاحترام.

وحين يشتري ربطة العنق بعد سنوات، لا يستطيع استعمالها.

كأن الحلم تحقق مادياً، لكنه ظل ناقصاً إنسانياً.

وهذه من أرقى لحظات السيرة الذاتية؛ إذ يكشف الكاتب كيف تظل بعض الأحلام الطفولية عالقة في اللاوعي حتى بعد تحققها.

المفارقة الأخيرة

تنتهي القصة بجملة شديدة الذكاء:

"استجبت للطلب بشكل تلقائي لكن على طريقتك الخاصة."

هذه النهاية لا تبدو صدامية، لكنها تحمل مقاومة هادئة.

فالكاتب لم يرفض تعليمات المدير.

ولم يخضع لها أيضاً.

لقد حافظ على استقلاله الشخصي.

إنها مقاومة تقوم على احترام الذات لا على التمرد المجاني.

البنية الفنية

يعتمد النص على تقنية مميزة تتكرر في معظم "وشوم" اليوسفي، وهي الانتقال الحر بين الأزمنة.

فالكاتب يبدأ بالحاضر السردي، ثم يعود إلى الثمانينيات، ثم يقفز إلى الطفولة، ثم يعود إلى لحظة الزيارة الرسمية.

ورغم هذا التشظي الزمني، يبقى النص متماسكاً لأن الرابط الحقيقي ليس الزمن، بل الفكرة المركزية: العلاقة بين المظهر والكرامة.

كما أن الكاتب يفضل التفاصيل الصغيرة على الشعارات الكبرى.

فالصندل المهترئ، وربطة العنق، والجاكيت، وقبلة الزوجة، كلها تفاصيل تبدو عابرة، لكنها تحمل من المعنى ما قد تعجز عنه صفحات من التنظير.

اللغة والأسلوب

لغة النص بسيطة، شفافة، وقريبة من التداول اليومي، لكنها مشحونة بالإيحاء.

ويلاحظ اعتماد الكاتب على الجمل القصيرة التي تمنح السرد إيقاعاً سريعاً، وعلى الوصف الحسي الذي يجعل القارئ يعيش التجربة.

كما أن إدراج العبارات الدارجة ("إيشْقَ الحال أعمي") لا يأتي للزينة، بل لترسيخ الصدقية المكانية والاجتماعية.

خاتمة

يؤكد هذا الوشم أن حاميد اليوسفي لا يكتب سيرته الذاتية بوصفها استعراضاً للماضي، بل باعتبارها وسيلة لفهم الإنسان والمجتمع. فاللباس في هذا النص ليس مجرد مظهر خارجي، وإنما مرآة للفوارق الطبقية، وللأحلام المؤجلة، وللعلاقة المعقدة بين السلطة والكرامة.

وتكمن قوة النص في أنه يجعل القارئ يبدأ بقراءة حكاية عن برد بومالن، ثم يكتشف في النهاية أنه كان يقرأ عن دفء الكرامة الإنسانية، وعن حق الإنسان في أن يختار صورته بنفسه، لا كما تريدها السلطة أو الأعراف. ولهذا يغدو "الهندام" هنا استعارة كبرى للهوية، ويغدو الجاكيت الجلدي وثيقة سيرة ذاتية تختزن رحلة كاملة من الحرمان، والوفاء لأحلام الطفولة، والإصرار على أن القيمة الحقيقية للإنسان لا تُقاس بما يبدو عليه، بل بما يحمله في داخله من ذاكرة وكرامة.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى