قصة قصيرة بعنوان ...الغداء
حين دخلت المرأة، دخلت رائحةُ التراب الذي تحمله الريح من الحقول البعيدة، وهدوءٌ غريب يشبه هدوءَ من أنهى جداله مع الحياة، ولم يبقَ لديه وقتٌ ليغضب منها،
كانت في الستين، أو أكثر بقليل، لم يكن وجهها يحمل ملامح الألم بقدر ما يحمل آثار السنوات، تجاعيد صغيرة حول العينين، ويدان تعرفان العمل أكثر مما تعرفان الراحة، ناولتني طلب الطبيب، فقلت:
— قبل تصوير الرنين المغناطيسي بالصبغة، نحتاج إلى تحليل وظائف الكلى.
أخذت الورقة، وحدقت فيها كما لو أنها تقرأ لغةً لا تعنيها، ثم رفعت رأسها وقالت بصوت خفيض:
— راح يأخرونا بالتحليل... أريد أسوي غداء لـ«زيوني»، عنده دوام.
ظننت في البداية أنني لم أسمع جيدًا، فسألتها:
— من زيوني؟
ابتسمت ابتسامة صغيرة، لم يكن فيها شيء من الشكوى، وقالت:
— ابني... أصغر واحد.
صمتت قليلًا، ثم أضافت، وكأنها تعتذر:
— إذا رجعت متأخرة، يطلع على الشغل بدون غداء.
جلست تنتظر دورها، وضعت الورقة في حجرها، وأراحت كفيها فوقها، كانت تنظر إلى الباب، لكن عينيها لم تكونا تريان الممر، بل البيت، تتمتم:
«... هل بقي في البيت خبز؟»
«كان ينبغي أن أخرج اللحم من المجمِّدة قبل أن آتي.»
«زيوني لا يحب أن يأكل من المطاعم... يقول إن طعام البيت يشبع أكثر.»
«ولو تأخرت قليلًا... ربما يسخّن بقايا أمس، لا... لا يحبها إذا بردت.»
مرّت يدها على صدرها دون أن تشعر:
«هذا النفَس صار ثقيلًا... لا بأس، عندما أرجع أستريح قليلًا.»
لم تفكر، ولو مرة واحدة، في الورم الذي يسكن رأسها، في تلك اللحظة، بدا لي أن الأورام التي امتلأت بها صور الرنين لم تكن أثقل ما تحمله هذه المرأة، كان في صدرها بيتٌ كامل؛ قدرٌ يغلي، ورغيفٌ ينتظر النار، وابنٌ يذهب إلى عمله كل صباح، وما زال يحتاج إلى يد أمه.
لم تذكر الرئة، ولا الدماغ، ولا كلمة «سرطان»، كأن ما يحدث في جسدها شأنٌ يخص الأطباء وحدهم، أما هي فما زالت مشغولة بالسؤال القديم الذي يشغل الأمهات جميعًا:
«ماذا سيأكل الابن قبل أن يخرج؟»
أخذتُ الطلب من يدها مرة أخرى، كنت أعرف أن التحليل لا يمكن تجاوزه، وأن القوانين لا تغيّرها الرغبات، لكن وجهًا أعرفه نهض من الذاكرة.
رأيت أمي.
منذ مات أبي، كانت تخرج قبل طلوع الشمس، وتعود قبل غروبها، تحمل أكياس الخضار بيد، وتحمل مستقبلنا باليد الأخرى، لم أسمعها يومًا تشكو من التعب، تؤجل زيارة طبيب المفاصل، وتؤجل الدواء، تقول دائمًا:
«بعد أن ينجح الأولاد.»
وها قد نجحنا جميعًا، وغادرت هذه الدنيا... ولم تجد الوقت الكافي لنفسها.
غادرت المرأة الممر ببطء، توقفت لتلتقط أنفاسها، ثم تابعت السير، بقيت أحدق في الباب الذي خرجت منه، وفكرت:
الموت، مهما اقترب من الإنسان، لا يستطيع أن ينتزع منه عاداته الأخيرة
حين دخلت المرأة، دخلت رائحةُ التراب الذي تحمله الريح من الحقول البعيدة، وهدوءٌ غريب يشبه هدوءَ من أنهى جداله مع الحياة، ولم يبقَ لديه وقتٌ ليغضب منها،
كانت في الستين، أو أكثر بقليل، لم يكن وجهها يحمل ملامح الألم بقدر ما يحمل آثار السنوات، تجاعيد صغيرة حول العينين، ويدان تعرفان العمل أكثر مما تعرفان الراحة، ناولتني طلب الطبيب، فقلت:
— قبل تصوير الرنين المغناطيسي بالصبغة، نحتاج إلى تحليل وظائف الكلى.
أخذت الورقة، وحدقت فيها كما لو أنها تقرأ لغةً لا تعنيها، ثم رفعت رأسها وقالت بصوت خفيض:
— راح يأخرونا بالتحليل... أريد أسوي غداء لـ«زيوني»، عنده دوام.
ظننت في البداية أنني لم أسمع جيدًا، فسألتها:
— من زيوني؟
ابتسمت ابتسامة صغيرة، لم يكن فيها شيء من الشكوى، وقالت:
— ابني... أصغر واحد.
صمتت قليلًا، ثم أضافت، وكأنها تعتذر:
— إذا رجعت متأخرة، يطلع على الشغل بدون غداء.
جلست تنتظر دورها، وضعت الورقة في حجرها، وأراحت كفيها فوقها، كانت تنظر إلى الباب، لكن عينيها لم تكونا تريان الممر، بل البيت، تتمتم:
«... هل بقي في البيت خبز؟»
«كان ينبغي أن أخرج اللحم من المجمِّدة قبل أن آتي.»
«زيوني لا يحب أن يأكل من المطاعم... يقول إن طعام البيت يشبع أكثر.»
«ولو تأخرت قليلًا... ربما يسخّن بقايا أمس، لا... لا يحبها إذا بردت.»
مرّت يدها على صدرها دون أن تشعر:
«هذا النفَس صار ثقيلًا... لا بأس، عندما أرجع أستريح قليلًا.»
لم تفكر، ولو مرة واحدة، في الورم الذي يسكن رأسها، في تلك اللحظة، بدا لي أن الأورام التي امتلأت بها صور الرنين لم تكن أثقل ما تحمله هذه المرأة، كان في صدرها بيتٌ كامل؛ قدرٌ يغلي، ورغيفٌ ينتظر النار، وابنٌ يذهب إلى عمله كل صباح، وما زال يحتاج إلى يد أمه.
لم تذكر الرئة، ولا الدماغ، ولا كلمة «سرطان»، كأن ما يحدث في جسدها شأنٌ يخص الأطباء وحدهم، أما هي فما زالت مشغولة بالسؤال القديم الذي يشغل الأمهات جميعًا:
«ماذا سيأكل الابن قبل أن يخرج؟»
أخذتُ الطلب من يدها مرة أخرى، كنت أعرف أن التحليل لا يمكن تجاوزه، وأن القوانين لا تغيّرها الرغبات، لكن وجهًا أعرفه نهض من الذاكرة.
رأيت أمي.
منذ مات أبي، كانت تخرج قبل طلوع الشمس، وتعود قبل غروبها، تحمل أكياس الخضار بيد، وتحمل مستقبلنا باليد الأخرى، لم أسمعها يومًا تشكو من التعب، تؤجل زيارة طبيب المفاصل، وتؤجل الدواء، تقول دائمًا:
«بعد أن ينجح الأولاد.»
وها قد نجحنا جميعًا، وغادرت هذه الدنيا... ولم تجد الوقت الكافي لنفسها.
غادرت المرأة الممر ببطء، توقفت لتلتقط أنفاسها، ثم تابعت السير، بقيت أحدق في الباب الذي خرجت منه، وفكرت:
الموت، مهما اقترب من الإنسان، لا يستطيع أن ينتزع منه عاداته الأخيرة