أ. د. ثناء محمود قاسم - استفتِ قلبك وإن أفتوك

كان في حجرتي - بصفتي رئيسة قسم اللغة العربية بإحدى كليات البنات في المملكة العربية السعودية - جهاز كمبيوتر و طابعة ، لزوم العمل . كنت أقوم بأغلب الأعمال الكتابية بنفسي طوال العام الدراسي ، وكانت كثيرة جدًا ، ربما لكثرة أعداد طالبات القسم التي كانت تتخطى الألف بكثير، وكنت أنجز بعض هذه الكتابات في البيت ، على الرغم من أنني كنت يوميًا أتجاوز أوقات العمل الرسمية عند الانصراف ، فلا أعود إلى بيتي إلا مع حلول المساء ؛ لكثرة الأعباء الإدارية ، هذا بالإضافة إلى العبء التدريسي في المحاضرات ، الذي يتخطي العشرين ساعة أسبوعيًا . فكنت أضطر إلى استخدام جهاز الكمبيوتر الخاص بي في البيت في كتابة بعض الأعمال، ثم أقوم بطباعة ما أكتب في الكلية في اليوم التالي ؛ لأنه لم تكن لدي طابعة في البيت . وكان هذا يعوقني في كثير من الأحايين . إلى أن زودتني إدارة الجامعة - وزودت غيري - بجهاز كبير متطور ، فيه طابعة وتصوير وإمكانات أخرى، فأصبح لديّ في المكتب طابعة زائدة . وجدتها فرصة جيدة لنقل الطابعة الصغيرة إلى البيت توفيرًا للوقت ، وكسبًا لإنجاز العمل بشكل أسرع . ولم أجد ما يمنع من فعل هذا ؛ لأنني ما كنت أستخدم هذه الطابعة إلا فيما يختص بأعمال الكلية ، وعلى كل حال سأقوم بتسليم كل ما في حوزتي من عهدة وأجهزة في نهاية تعاقدي . في يوم طلبوا منا ترك مفاتيح الحجرات مع الحارس ؛ لأن الجامعة ستقوم ببعض الأعمال بالداخل . في اليوم التالي عرفنا أنهم وضعوا أكوادًا على الأجهزة ، عبارة عن لاصق صغير مرقم . لم ألتفت إلى أبعاد الأمر تمامًا .
وظللتُ على هذا لسنوات ، إلى أن جاء وقت الرحيل والمغادرة النهائية ، وأثناء مهاتفتي مع الموظف المختص بالجامعة بشأن إجراء إخلاء الطرف - ومنه تسليم العهدة - سردت عليه عهدتي وهو في الجهة الأخرى يتمم معي ، ثم جاء ذكر الطابعة الصغيرة ، هنا توقف الموظف ، وسألني باهتمام عن تفاصيلها ، فأخبرني أنها ليست مدونة في عهدتي . قصصت عليه ما جرى وأنها كانت معي بالبيت ، فأخبرني أنهم قاموا سابقًا بجرد وحصر وتكويد كل أجهزة الكلية ، فأفلتت هذه الطابعة . فقلت له :
- ما العمل الآن ؟
- هذه الطابعة لا ذكر لها عندي ولن أتسلمها .
- هذه طابعة الكلية والجامعة ولابد أن أسلمها وأردها .
- وأنا لا يمكنني تسلم إلا ما هو موجود أمامي على الورق ، لن أتسلمها . ولستِ مطالبة بها ، وأوراقك سليمة .
- وأين أضع هذه الطابعة ؟ ولمن أسلمها ؟
- هذه الطابعة لكِ ، خذيها ولن يسألك أحد عنها أبدًا.
- كيف آخذها ، وأنا مغادرة ؟!
- خذيها معك فهي لكِ.
- كيف هذا ؟! لا يمكنني أخذها .
- والله والله عادي خذيها ، وأنا أقول لك : هي حلال لكِ .
لم يرد على خاطري لحظة أخذ الطابعة ، على الرغم من أنني سأحتاج بشكل أساسي إلى طابعة فور استقراري ببلدي ، وعلى الرغم من سهولة شحنها ونقلها مع باقي أمتعتي. وكان كل تفكيري منصبًا في شيء واحد : أين أترك هذا الجهاز قبل سفري؟ فلو تركته لأي أحد في الكلية سأكون بذلك قد وهبته له ، وهذا ليس من حقي ؛ لأنه ليس ملكًا لي من الأساس ، فضلًا عن أنه إجراء لا يختلف عما إذا أخذتها أنا لنفسي وقد وُهِبتْ لي فعلًا . كذلك لا يمكنني تركها بشكل عشوائي في مكتبي أو أي مكان آخر . في كل هذه الإجراءات سأكون مضيعة للأمانة . فليس الغرض هنا التخلص من الجهاز ، لكن إرجاعه وتسليمه إلى المؤسسة التي سلمتني إياه ، فالأمانات غاليات . وهي ليست في رقبتي أمام الجامعة التي أحلت لي أخذها لكن أمام الله . فما كان مني إلا أن اتصلت بزميل في قسمي أعرفه تمام المعرفة بطبيعة الحال الوظيفي ، مصري الجنسية ، ويعمل أيضًا منسقًا بين الكلية والجامعة ، ولا يزال على رأس العمل الإداري . حكيت له الموضوع ، وطلبت منه تسلمها مني ، وذممته أن تبقى في عهدته على سبيل الأمانة ، يستخدمها في الأغراض التي تخص العمل فحسب، وفي ذمته يسلمها بنفس الطريقة والأمانة إلى غيره بعد انتهاء تعاقده ، أو لو يستطيع إرجاعها إلى الجامعة بطريقة مناسبة . تفهم الأمر ثم وافق .
المسألة لم تكن في حاجة مني إلى تفكير أو فتوى ، فالأمر محسوم عندي . ولو أحلها لي علماء الأرض من أهل الذكر ما قبلت هذا الحِل . وهذه من الأمور التي يكون للقلب فيها الرأي الفصل . و لو افترضتُ وقتها أنها تحل لي ، فهناك تركٌ يأتي على محمل التعفف ، وهي فضيلةٌ أحمد الله عليها ، فربما تكون من أسباب سعة الرزق وانشراح الصدر وهناءة البال ، وأراها بركة تعاملي مع كل شيء حولي .


ثناء محمود قاسم
أستاذ البلاغة البلاغة والنقد الأدبي الحديث
كلية دار العلوم – جامعة الفيوم

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى