شريف محي الدين إبراهيم - إطلالة علي دراسة الأستاذ الدكتور : محمد شحاتة «جماليات الواقع والذكريات بين الاتصال والانفصال»

لا تقف دراسة الدكتور محمد شحاتة عند حدود قراءة رواية «شارع العزب»، وإنما تحاول أن تدخل إلى معملها الداخلي، حيث تتشكل العلاقات بين الزمن والذاكرة، وبين الواقع والخيال، وبين الوثيقة والإبداع، لتكشف أن الرواية ليست مجرد حكاية تُروى، وإنما بناء فني شديد التعقيد، تتداخل فيه العناصر السردية في شبكة دقيقة من العلاقات.

ومنذ الصفحات الأولى يتضح أن الباحث ينطلق من رؤية نقدية لا تجعل الحدث محورًا للدراسة، وإنما تجعل التقنية السردية هي المدخل الحقيقي لفهم النص. ولذلك جاءت الدراسة معنية بالبنية أكثر من عنايتها بالمضمون، وبكيفية تشكل النص أكثر من اهتمامها بما يحكيه.

ولعل أول ما يلفت النظر هو تناوله لقضية استدعاء الشخصيات الحقيقية داخل العمل الروائي، وهي قضية كثيرًا ما أثارت جدلًا بين الأدباء والنقاد. إلا أن الدكتور محمد شحاتة لا يقف عند حدود السؤال التقليدي: هل الشخصيات حقيقية أم متخيلة؟ وإنما يطرح رؤية أكثر عمقًا، فيرى أن الشخصية تمر بعدة دوائر من التحول، تبدأ بالواقع، ثم تدخل دائرة الإبداع، ثم تستقر في وعي القارئ بصورة جديدة تختلف عن أصلها الواقعي. وهنا تتحول الشخصية من إنسان عاش في الواقع إلى كائن فني مستقل، له قوانينه الخاصة داخل الرواية.

ومن الأفكار اللافتة في الدراسة حديثه عن اختلاف تلقي الشخصية بين القارئ الذي يعرفها في الواقع، والقارئ الذي يلتقي بها لأول مرة داخل الرواية. فالأول يستدعي صورته الذهنية السابقة ويقارن بينها وبين الصورة الروائية، بينما يتلقى الثاني الشخصية بوصفها مخلوقًا فنيًا لا مرجع له خارج النص. وهذه الملاحظة تكشف حسًا نقديًا دقيقًا، لأنها تضع المتلقي نفسه داخل العملية الإبداعية، ولا تكتفي بتحليل النص بمعزل عن قارئه.

كما تتوقف الدراسة طويلًا عند العلاقة بين الوثيقة والفن، وهي من أكثر القضايا أهمية في الرواية. فالكاتب يستند إلى وقائع وأشخاص حقيقيين، لكنه لا يكتب وثيقة تاريخية أو سيرة ذاتية، بل يعيد تشكيل المادة الواقعية وفق مقتضيات الفن. ولذلك يؤكد الباحث أن الإبداع لا يكرر الواقع، وإنما يعيد إنتاجه في صورة جمالية جديدة، بحيث يصبح الخيال امتدادًا للواقع، لا نقيضًا له.

ومن أهم محاور الدراسة أيضًا تحليلها لبنية الزمن. فالكاتب لا يلتزم بالتسلسل الزمني التقليدي، وإنما يعتمد على الاسترجاع المستمر، وهو ما يصفه الباحث باستخدام تقنية الفلاش باك. غير أن العودة إلى الماضي لا تأتي بوصفها زينة شكلية، بل لأنها ضرورة فنية؛ إذ إن الحاضر لا يُفهم إلا من خلال الماضي، والذكريات ليست مجرد استدعاء لما انتهى، بل قوة فاعلة في تشكيل اللحظة الراهنة.

ويشير الباحث كذلك إلى أن الرواية «تتكامل في أبعاد الصور والأزمنة»، وهي عبارة تكشف رؤيته لوحدة البناء السردي، فالأزمنة المختلفة لا تتجاور فقط، وإنما تتفاعل وتتكامل، حتى يصبح الانتقال بينها جزءًا من الإيقاع الطبيعي للرواية.

ولا يغفل الدكتور محمد شحاتة قضية التماسك السردي، فيتحدث عن الاتصال والانفصال القصصي، مبينًا أن الرواية تتكون من وحدات سردية تبدو مستقلة في ظاهرها، لكنها ترتبط فيما بينها بخيوط دقيقة تحفظ للنص وحدته الكلية. وهنا يلفت الانتباه إلى قدرة الكاتب على الانتقال بين الأحداث والشخصيات والحوارات دون أن يشعر القارئ بانقطاع أو تشظٍ، وهو ما يعد من أصعب التقنيات في الكتابة الروائية.

كما يناقش قضية الاحتباك والانفكاك الحدثي، موضحًا أن الرواية لا تقدم كل شيء بصورة مباشرة، وإنما توزع المعلومات بين مواضع مختلفة، فيغيب جزء من الحدث ليظهر لاحقًا في سياق آخر، أو يُفهم معنى موقف معين من خلال حدث يأتي بعده بصفحات. وهذه التقنية تجعل القارئ مشاركًا في بناء المعنى، لا مجرد متلقٍ سلبي للأحداث.

ومن الجوانب التي أولتها الدراسة اهتمامًا خاصًا اللغة الروائية، فهي ليست لغة زخرفية، ولا لغة تقريرية جافة، وإنما لغة تحقق التوازن بين الفصاحة واليسر، وبين الشعرية والوضوح. ولذلك يرى الباحث أن الكاتب يعتمد على الإيحاء أكثر من التصريح، ويمنح القارئ فرصة واسعة للمشاركة في اكتشاف الدلالات.

كما يصف الرواية بأنها «نموذج فذ للمادة السردية»، ويرى أن الكاتب لا يكشف شخصياته دفعة واحدة، وإنما يتركها تنمو تدريجيًا داخل النسيج الروائي، وهو ما يمنحها قدرًا كبيرًا من الحيوية والإقناع، ويجعلها أقرب إلى الكائنات الحية منها إلى الشخصيات الورقية.

وفي تقديري، فإن القيمة الحقيقية لهذه الدراسة لا تكمن في أنها تشرح رواية «شارع العزب»، وإنما في أنها تقدم نموذجًا لقراءة نقدية منهجية، تحاول تفسير الظواهر الفنية وربطها بوظيفتها الجمالية والفكرية. إنها قراءة لا تبحث عن ملخص للرواية، بل تبحث عن أسرار بنائها، ولا تكتفي بالحكم على النص، بل تفسر أسباب تميزه.

ولهذا فإن دراسة الدكتور محمد شحاتة تعد إضافة مهمة إلى النقد الروائي؛ لأنها تكشف أن «شارع العزب» ليست مجرد رواية عن الذاكرة أو المكان أو الشخصيات، وإنما عمل فني تتشابك فيه الأزمنة، وتتداخل فيه مستويات الواقع والخيال، ليصنع عالمًا سرديًا متماسكًا، يظل قادرًا على إنتاج دلالات جديدة مع كل قراءة جديدة.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى