حسني الإتلاتي - ملامح الفروسية ودوائر الانتماء في ديوان همس البوادي للشاعر سيد حماد الرشيدي

الفن ضرورة كالطعام والشراب ضرورة لتغذية الروح والوجدان وتهذيب سلوك الإنسان وجعله أكثر إنسانية أكثر إشفاقا ورحمة على كل كل المخلوقات بل والجمادات أيضا وعلى الشاعر أن يعتمد على حيل إبداعية ليصل مضمونه إلى المتلقي في صيغة ممتعة كالوزن والقافية والخيال والعاطفة وعليه أن يستخدم اللغة استخداما خاصا لم يسبقه من قبله أحد فاستخدامك للغة في نفس التراكيب المكرورة لا يمنحك لقب مبدع فالإبداع خلق

received_1334953728417004.jpeg

وقد يكون المضمون شريفا وينقصه الخيال والعاطفة والصياغة فيفقد مشروعيته وقد يكون المعنى رخيصا تافها فيكتسب مشروعيته في الصياغة المدهشة والخيال الجامح والعاطفة الصادقة

ونحن هنا نقدم للقارئ العربي الكريم الشاعر سيد حماد الرشيدي شاعرا بدويا (من أبناء قبيلة عرب الرشايدة التي تمتد جذورها في اسوان وسوهاج وترجع جذورها للمملكة العربية السعودية) يقدم مضمونا شريفا لا تنقصه الصياغة الفنية ولا الخيال ولا صدق العاطفة مستخدما كل ما أتيحت له من مفردات بيئته من عادات وتقاليد وأمثال شعبية وأقوال مأثورة يقترب من الشاعر الجاهلي الذي كان يتمثل البيئة التي يعيشها وينقل العالم صورة فنية صادقة

نستطيع أن نقول إن الشاعر الجيد من تستطيع رسم ملامحه النفسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية من خلال قصائده والشاعر هنا نستطيع أن نقول إنه رجل بدوي فارس شهم كريم محب للناس منتم لوطنه الصغير أسرته وقبيلته ومحافظته ولوطنه الأم مصر وهو عضو فاعل في مجتمعه مشارك لهم في الأفراح والأحزان يدعوه إلى كل ما يزين وينهاه عن كل ما يشين محب لوطنه يمدح أبطاله ويهجو أعداءه

received_1334953728417004.jpeg
received_1334953728417004.jpeg

و الشاعر في ديوانه همس البوادي يحمل هموم جماعته ويدافع عن قيمها بأساليب مباشرة تارة وغير مباشرة تارات كثيرة

(الله يعدلها لك يا ضايق البال

قلبك يا ماتحمل ضيقة وانكسارة

قالو زمان أول الناس أفعال

والغش يا خوى ماهو شطارة)

يرفض الغش والكذب وكذلك يرفض الذل لأجل لقمة العيش يقول

(أقول خلي راسك مرفوع ولا تقبل مذله

غاليه الكرامة و كل شي من بعدها

ترى عزة النفس تسوى الكون كله

خلك حر فالدنيا تحس اب سعدها)


والشاعر يوصي ولده بالتمسك بقيم البدو الأصيلة الكرم والكرامة

(وخلك نشمي يا ولدي وعزمك شديد

صقرن شاهين وأبعد عن هبيانها

وخلي الكرم دوم فالوريد

الخلق البخيله ناقصن ايمانها)


وكرم الضيافة والمبالغة في الترحيب بالضيف متمثلا الأمثال الشعبية

( ياشاعرنا حنا زارنا النبي يوم دارنا خشيت

شقتنا البركة هلا ومرحبا وابشر بالتحياتي)


والبدوي ينتمي لوطنه الكبير مصر والصغير أسوان والأصغر قبيلته وأسرته

(أنا السيد محمد حماد ولد الاكرامي

جدي حماد رشدان عالي مقامة

أقول من كوم امبو انااهدي سلامي

ال قوم ابو دية أهل الشهامة)


وفي أسوان يقول

(فاتك نص عمرك يا اللي ما جيت أسوان

أسوان الكرم والجود والطيبة

فيها المعابد الحضارة والسد والخزان

وفيها رجال ما يرضون بالعيبة)


وفي مصر يغني رغم كل ما يقاسيه في وطنه إلا أنه يفتديه بالروح

(العمر مضى وانا ماني متهني

واقفى ربيع العمر والشعر صار شايب

وأنا افديك بعمري وبرضاى ماهو غصب عني

ولجلك أتحمل كل الصعايب)


والشاعر سيد حماد شاعر شعبي يحتفل بكل مفردات بيئته خيل وإبل ورمال ونخيل وطيور وعادات وتقاليد

(عاشق للنخيل وبي سهم صايب

دوم مشغول وأسهر الليالي

غالي علي ياالنخل وأقرب من القرايب )


والفخر في غير إهانة او تنمر أو سخرية من الآخر من سمات البدوي الأصيل

(أقول حنا بدو فرسان وصقور

أهل الكرم والشهامة والعطيه

يومن المعارك رحاها تدور

تلقانا فالصفوف الاوليه)


وهو حين يمدح الآخر ينصفه ويعطيه حقه

(حياك يا شيخ علي مساك الله بالخير

من رشايده أسوان أهديك السلام

وأقول ياصقر شاهين لوشبهتك ابطير

حق الله انك شاعر ونشمي وشيخ عالي المقام)


والشاعر سيد حماد الرشيدي حكيم مجرب حنكته الأيام فافاض بخبرته على الآخرين

(يا صاحبي من باعك الله لا يرده

درب السلامه واطلب له التساهيل

خله يروح ما عدك وأنت لا تعده)

وينصح أيضا بتجريب الصديق قبل اختياره

(اللي ما يعز نفسه ماتعزه الناس

واللي يذل نفسه مايدور معزه

ودور عالحر وخذ الأصيل مقياس

وقبل تصاحب الصاحب واجب تهزه)

وهو ينصح بالكرم ويحث عليه بطريقة غير مباشرة

(حق الله يا الكريم ما عاد تنضام

مادام دايم الدوم إيدك سخيه)


ويوصي بترك القيم السالبة المروءة

(واوصيك ياخوي أبعد عن الحاقدين

وصاحب أهل الفزعات والفضيلة

ترى الناس لو حولك ملايين

وقت الشدايد تلقاهم قليله)

والشاعر البدوي إنسان رغم أنه فارس لا يمنعه ذلك من الحب


(من يوم شفتك أصابني سهم الغرام

وغيابك ضيق وحرور ورمضاء وقياله)



والفارس البدوي حين يحب لا يتنازل عن فروسيته

(وأقول الغزل مثل عنتر بن شداد

وأتمنى السعادة لكل العاشقين

واتلوح مثل قيس والف فالبلاد

لكني عاقل ماني من المجانين)




والشاعر يبدو من خلال أشعاره مثالا حيا للتسامح حتى مع من يسيء إليه

(قلبي ما ايطاوعني ادعي عليك

غير الود والمحبة مايطري على بالي)

وهو يمدح المرأة بالصفات التي يميل إليها الكرم والطموح وشرف الأصل لكنه أيضا لا يهين كرامته طاعة للحب


(عنتر يوم عشق عبله ما كان مزنوق

بالعكس خشمه كان بالسماء عالي

وأنا طير شلوى ودمى حامي فالعروق

وعند الكرامه ما يصعب علي غالى)


والشاعر إنسان والفارس حين يحب يلين حتى يكاد يذوب

(يا زين مشيته ويا محلا خلخاله

واب صوت الشلاشيل تبرى جروحي)

وهو يعترف أن الحب نقطة ضعف الفارس

(لولا الهوى ما كان شفنا الويل

وكان عشنا حياتنا عادي)

هذه مقدمة كفاتح الشهية لعل القاريء يدخل لينهل من معين ديوان شاعر ويجد فيه ما لم نجده نحن ويستمتع أكثر مما استمتعنا فهو ديوان يحمل الصدق الفني والجمال تحية للشاعر الصديق سيد حماد الرشيدي ولكل القراء الكرام

حس

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى