حسام الدين فياض - وهم الانتصار على الشيخوخة في المجتمع المعاصر

" ليست الشيخوخة أكبر ما يخشاه الإنسان، بل فقدان الصورة التي يريد أن يراها الآخرون " (الكاتب).

لطالما حمل الإنسان في أعماقه حلماً قديماً يتمثل في إطالة العمر، حتى بدا وكأن الانتصار على الزمن هو آخر المعارك التي يريد أن يخوضها. فمن منظور علم النفس، لا يعكس هذا الحلم حب الحياة فحسب، بل يكشف أيضاً عن خوف دفين من الفناء، ورغبة عميقة في تأجيل اللحظة التي يواجه فيها الإنسان حقيقة محدوديته.

ولهذا لم تتوقف الحضارات عبر التاريخ عن البحث عن سر الخلود، وتغيرت الوسائل بتغير العصور، فمن الأساطير وإكسير الحياة إلى المختبرات الحديثة وتقنيات الهندسة الوراثية. ومع كل تقدم علمي، يتجدد الاعتقاد بأن الإنسان بات أقرب إلى هزيمة الشيخوخة، وكأن المشكلة تكمن في الجسد وحده، لا في طبيعة الوجود الإنساني نفسه. فكل إنجاز يطيل العمر أو يؤخر مظاهر التقدم في السن يستقبل بوصفه خطوة نحو الانتصار النهائي على الزمن، رغم أن الزمن لا يختزل في التحولات البيولوجية، ولا تختصر الشيخوخة في تغيرات الجسد. ومن هنا يتكرر الوهم ذاته بأشكال أكثر تطوراً، إذ ينتقل السعي إلى الخلود من الخيال والأسطورة إلى العلم والتقنية، بينما يبقى الدافع واحداً هو الرغبة في تجاوز حدود العمر الإنساني، لا في فهمها والتصالح معها.

وحسب علم الاجتماع، فإن هذا الحلم لم يعد مجرد رغبة فردية، بل تحول إلى ثقافة اجتماعية تغذيها قيم العصر الحديث التي تمجد الشباب والإنتاجية والاستهلاك. فقد أصبحت الشيخوخة في كثير من المجتمعات تعامل بوصفها خللاً ينبغي إصلاحه، لا مرحلة طبيعية من مسار الحياة. كما أسهمت الصناعات الطبية والعمليات التجميلية، إلى جانب الخطاب الإعلامي، في ترسيخ الوهم بأن العمر يمكن تمديده بلا حدود إذا امتلك الإنسان المال والتقنيات المناسبة.

وهنا يتحول الخوف الطبيعي من الموت إلى مشروع اقتصادي وثقافي ضخم، يباع فيه الأمل بقدرة الإنسان على الإفلات من قانون الزمن، بينما يغيب علينا السؤال الأكثر أهمية هل تكمن قيمة الحياة في طولها، أم في الكيفية التي تعاش بها؟

ويبقى الإنسان، مهما بلغ تقدمه العلمي، جزءاً من نظام كوني يقوم على التغير والتعاقب والانتهاء. فإطالة العمر قد تؤخر بعض مظاهر الشيخوخة، لكنها لا تستطيع أن تلغي حقيقة أن لكل حياة نهاية.

لذلك يبدو أكثر حكمة أن ينصرف الإنسان إلى تحسين جودة سنواته، بدلاً من الانشغال بعدها، وأن يستثمر ما يملكه من وقت في بناء المعنى والعلاقات والأثر الإنساني. فالتاريخ لم يخلد أكثر الناس عمراً، وإنما خلد أولئك الذين منحوا أعمارهم قيمة، لأن الحياة تقاس بما تضيفه إلى الإنسان والناس، لا بعدد السنوات التي ينجح في إضافتها إلى عمره.

وهكذا يستحق الإنسان أن ينفق وقته وماله على ما يحفظ صحته ويثري عقله ويهذب روحه، لا على مطاردة صورة مثالية يصنعها الآخرون ثم يعجز الجميع عن بلوغها. فالشباب الحقيقي لا يبدأ من ملامح الوجه، بل من حيوية الفكر، وسلام القلب، وامتلاء الحياة بالمعنى.

أما الجسد، فسيظل يخضع لقانون الزمن مهما حاول الإنسان تأجيل آثاره أو إخفاء علاماته. لذلك، فإن أجمل استثمار في العمر ليس أن تبدو أصغر سناً، بل أن تصبح أكثر نضجاً، وأكثر حكمة، وأكثر رضاً عن نفسك. فالتجاعيد قد يخففها الطب، أما القلق من التقدم في العمر فلا يزيله إلا التصالح مع حقيقة الحياة، والإيمان بأن قيمة الإنسان لا يصنعها وجهه، وإنما يصنعها أثره.

وفي الختام، أعتقد جازماً أن الإنسان كلما بالغ في مقاومة الزمن، ازداد خضوعاً لسلطته. فمن ينشغل بإخفاء آثار العمر يمنح الزمن حضوراً أكبر في وعيه، بينما من يتصالح مع تعاقب المراحل يتحرر من وهمه. فالشيخوخة ليست أزمة الجسد بقدر ما هي أزمة ثقافة جعلت القيمة مرهونة بالشباب، وحولت العمر إلى خسارة بدل أن تراه تراكماً للخبرة واتساعاً للحكمة. إن الزمن لا ينتقص من الإنسان، وإنما يكشف ما راكمه في رحلته، ولذلك فإن النضج الحقيقي يبدأ عندما نتوقف عن مطاردة شباب مستحيل، ونبدأ في الاحتفاء بحياة امتلأت بالتجربة والحكمة.
-------------------------------------

د. حسام الدين فياض/ باحث وأكاديمي سوري
الأستاذ المساعد في النظرية الاجتماعية المعاصرة
قسم علم الاجتماع كلية الآداب في جامعة ماردين- تركيا

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى