عبدالرحيم الخصا - نافذة تسكر بالموسيقى... منتخبات شعرية

1
وفي البُرهةِ الأخيرة
حين سيمتدُّ الخراب إلى بيتي
ويندلع اليأس في الأبواب
سأغمض عينيَّ
وأرفعُ صوت الموسيقى.



2
حين يفتح الليلُ بابَ بيته العالي
في وجهي أنا المقيمُ في غرفةٍ نائية
ويصحو الحنينُ النائم في الدَّرج
أرفعُ كأسا من أجل يوهانس برامس
وأدور في ردهةِ البيت
مثل صوفيّ سكران
أَوْدَتْ به "الرقصةُ الهنغارية"
حينها تهدأ الضّواري في الجبال والغابات
وتسقط نجمةٌ شاردة في مزهريتي.

* "Hangarian Dance" عمل موسيقي ليوهانس برامس.


3
ماذا تفعل بقلوب جرَّحَها الشتاء
يا لويس أرمسترونغ؟
قُبلتكَ التي من نار
أي شفاهٍ أرسلتها؟
وأي شفاه أُضرِمت فيها؟
وكم من الحقولِ والقمصان أحرقَتْ
قبل أن تصل؟


الفتاةُ التي تراها بمعطفها الماطر
تحت عمود الكهرباء
منذ أربعةِ قرونٍ وهي تأتي لتقفَ هناك
حين يُفردُ الظلامُ جناحيهِ على شارعِ النسيان
تنتظر حبيبَها الذي ماتَ قبل أن تولد
بشَعره المسدولِ على الكتفين
والقميصِ الأبيض واسعِ الأكمام
ذي الياقةِ التي تلمعُ مثل حذاء الكعب
حبيبَها الذي تُنادِمُه كلَّ ليلة في كتاب.
*يتقاطع النص مع أغنية لويس أرمسترونغ Kiss of fire


4
كانت "السّماء تبكي"
وكان الرّيلي كينغ يُقلّب أتربة
في أرضٍ قديمة.

أنا أسيرُ على رصيفٍ لا ينتهي
وأنتِ في بيتٍ بلا نوافذ
حيث يجلسُ على أريكةٍ في البهو
رجلٌ لم يكن يُدبّج لكِ الرّسائلَ الطّويلة
وينتظركِ مساءً في نهاية الدرب،
رجلٌ لم يكن يكتب اسمكِ
على جذع شجرة
أو على سورٍ منسيّ في قريته،
رجلٌ لا يعرف كم شامة في عنقك.


ما تسمعينه ليسَ أنينَ القيثاراتِ الكهربائية
في حانةٍ بشارع رامبّارت
إنها الذّكرياتُ وحيدةً تتألّم.

- يتقاطع النص مع أغنية ل B.B King عنوانها The sky is crying
*شارع رامبّارت في نيوأولينز حيث ظهر الجاز منتصف القرن التاسع عشر.


5
على مقام النَّهاوند
يدفعُ القصبجي
المراكبَ والأحلامَ إلى الهاوية
ومن ردهةٍ إلى ردهة
يتهادى كما لو كان مخمورا
بالطّابق الرابع من فندقٍ قديم
يحضن هواءَ الغرف
ويعيد لازمةً جارحة:
السّيدةُ ليست لأحد
السيدة ليست لأحد.

-6-
صرخاتُكِ أم رائحةُ العشب في الظهيرة؟
صوتكِ يعذّب النمور
ويسحبُ أمواجا إلى اليابسة.

يا سارة فون
أنتِ تشربين قهوةً سوداءَ
وتُغنّينَ تحت شمسِ منتصفِ الليل
للنَّهرِ الّذي يبكي
وأنا رجلٌ يضع حزنَه في قارورة
ويرميها في البحر.

* "Midnight Sun" أغنية لسارة فون.
-7-
قلبي مليءٌ بكِ
وغرفتي مليئةٌ بالجاز
هذه النافذةُ تَسكَرُ بالموسيقى
لذلك تُغادر الجدار
وتَهيمُ بمفردها في اللّيل الجارفِ والحزين.
الأشجارُ خارج البيت ترقص وتبكي
والحنينُ بمنامته الشّائكة
يسترخي على أريكةِ الخشب
يقرع كأسَه بِكأسي
ويواسي الدمعةَ التي ترتعش وحيدة
على طرفِ العين.


-8-
مِثْلَ ساحرٍ هنديّ
غارقٍ في الهمهماتِ والدخان
حضّرتُ أرواحَهم جميعا:
الرجلُ الأسودُ الذي يعانق السَّاكسفون
المرأةُ التي تداعب الكونترباص
الشّابُ الذي يزرع أنفاسَه في الترومبيت
عازفُ الكمانِ وقارعُ الصنج
والفتاةُ التي تمسك بالمايكروفون
كما لو أنه أملُها الأخير.
باتوا طوال الليل يدكّون حِصني بالرّماح
كانت أصواتهم ترتطم بالسقف
وكان البُخار يغطي زجاج البيت
فيما كنتُ أرقص مترنحا
مثل ديكٍ مذبوح.


-9-
من نافذةِ الجار
تنساب الكلمات مثل صُهارات
"أين يا ليلُ صباباتي وأحلامي وكأسي؟
أين ياسُمّار نَجوايَ وأحبابي وعُرسي؟"
أنا مثلكِ يا لارا كيروز
أحضنُ الوهمَ
وأدعوه شقيقي.
أتهادى في زقاقٍ قديم
بالحيّ البغداديّ
"أسأل الأحلامَ عن تلك الليالي الحالماتِ
أين ياليلُ نُدامايَ ومَجْلى صبواتي؟"

لكن خبّريني
أيتها السيدةُ التي مرَّ الزمنُ
من أمام بيتها
وترك الأخاديدَ في الأبواب،
ماذا نفعلُ في هذا العمر
يا شجرةَ الخرّوب؟
لا شيء.
في النهار نَعُدّ طيورا هرمة
وفي الليل نُهدهد اليأسَ كي ينام..

-10-
شَعركَ يغطي سماء الإكوادور
ويجعل ضبابَ الجبال صديقا للعائلة.

الشَّبَّابةُ التي في يدكَ
يا ليو روخاس
تزرعُ الأنينَ في تِلال الزّوني
وتُخرِجُ أيامًا ميّتةً من أجداثها
وتضعها على قارعةِ الطريق.

لم نأتِ إلى هذه الأرض بأعين معصوبةٍ
ولا كنّا سقطنا من أرجوحة.
رأينا كل شيء
قبل أن نضعَ أقدامنا
على عتبةِ هذا البيتِ الخشبيّ المهجور
ثم دَلَفْنا نُردّد التمائمَ
ونطوف الرّدهاتِ والزّوايا
بالخوفِ والأبخرة.
سبحْنا في مياهٍ تَصافَتْ
قبل أن يحلَّ الكدَر
ومشينا على خلجانٍ وسواحلَ
ترفَّقتْ بخطونا.

وها نحن اليومَ
ندبُّ على ترابٍ لم يَعُد ترابًا
ونحدّقُ في سماءٍ لم تعد لنا
نحدّق بريبةِ النُّسورِ
وبألمِ الشُّعوب الأولى.

-11-
حين كنت أحبكِ
كانت أسماكُ العالمِ تسبح في يدي.

من الصفّ الأخيرِ
كنت أصرخ باسمكِ
رافعًا قُبّعتي لعازفي الجاز
وحين كانوا يذهبونَ بالألحانِ إلى ذِروتها
كنت أُهرّب الكلماتِ
وأُخفيها حذْوَ عتبةِ غرفتك
هل أقبّلكِ أم أقبّل نينا سايمون؟
أنا الرجل الذي يرقص في "الهاي واي"
كما لو أنه يرقص في قُدّاسٍ هِندي.


دعي الكلماتِ الكبيرةَ للذين كبروا
أنا أنظر إليكِ الآن بعينيْ طفلٍ
سقطت الحلوى من يده.
شفتايَ مُطْبَقتانِ على موجة
وعينايَ تفضحان الألم
غير أني أخبّئُ الدمعةَ في جيبِ القميص.


حين كنتُ أُحبّكِ
حتى الأشواكُ كانت ترقّ وتلين
حين أسيرُ في الطريق الزراعيّ إليك.
والأشجار. كم حضنتُ الأشجارَ وقبّلتُها
حتّى أنّ لحاءَها في فمي
كان بطعم رُضابك.

لستُ الرجلَ الذي خذلته امرأة
ولا الرجلَ الذي خذلها.
أنا بائعُ العطر الذي وجد نفسه في حفلِ عزاء
الجنديُّ الذي قتله صديقُه بالخطأ
العابرُ الطيّبُ الذي مات في عراك
لأن يدَهُ امتدَّتْ بين يدين هاجَتَا
أنا أيضا الرجل الذي ينفخ في الساكسفون
ويبكي أمام امرأةٍ صمّاء.


في الطريق إليكِ
سقطتْ أرواحٌ كثيرة
في معاركَ ضارية
حيث البنادقُ هي النّخيل
والرّصاصُ هو البلح
حيثُ الكلماتُ كتبانُ رملٍ
يختفي خلفها جنودٌ عذَّبهُم الحُبّ.
في سمائكِ تتكاثف غيومٌ بِلا شتاء
وعلى بابكِ لافتةٌ من خشبٍ
كَتَبتْ عليها يدٌ قديمة:
"فلا يغرَّنْكَ ما منّتْ وما وعدتْ
إنّ الأمانيَ والأحلامَ تضليلُ".


أنتِ المرأةُ التي أيقظها كابوسٌ
في ليلةٍ شديدةِ الهِجران والمطر
حدّقتْ طويلا في سنواتها التي نَفقتْ
ثم صرختْ أمام مرآةٍ تَشقَّقَ زجاجُها:
"أنا لستُ لأحد".
في دولابكِ يختفي الحنينُ
بين كَنْزاتِ الصوف
وعلى طاولةٍ وسطَ البيت
يُنادم النسيانُ الذّكرى.


اِرفع رمحكَ عاليًا أيّها الزمن
واضربْ حيث تشاء
فقد دمّرتَ قلاعا عتيدةً
وشرّدتَ قلوبا آمنةً في الطُّرُقات.



*القبطان البري. المتوسط. ميلانو. 2020

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى