أ. د. ياس خضير البياتي - دولة لا تليق بالمبدعين

٨قبل أسبوع، غاب اثنان من وجوه الإبداع العراقي: فاروق هلال، الذي لم يكن مجرد فنان، بل صانع ذائقة وذاكرة موسيقية، حفظ للأغنية العراقية نبرة بغداد وملحها وحنينها، وعاش في الغربة قسرًا، مريضًا بحب العراق.
الثاني : صبري الرماحي، فقد اشتغل بالصورة كما يشتغل الصائغ بالمعدن النفيس، فحوّل الوثائقي إلى شهادة، والكادر إلى ذاكرة، والفيلم إلى وثيقة حياة.
عاش غربةً قسرية بحثًا عن لقمة العيش، لكنه حمل إبداعه العراقي معه، وواصل عطاءه في قناة الجزيرة، ليترك بصمته في صناعة الصورة والوثيقة، ويؤكد أن المبدع العراقي، حتى حين يُدفع بعيدًا عن وطنه، يظل يحمل العراق في ذاكرته ويصنع له مجدًا في المنافي.
ومع ذلك، مرّ الرحيلان في بلدٍ اعتاد أن يشيّع عظماءه بصمت، ثم يفتح ذراعيه لبنات الهوى والفستيتات، فيمنحهنّ جوازات السفر الدبلوماسية، والسكن في مجمعات بغداد الفاخرة، والسيارات الفارهة من أحدث الطرازات؛ وكأن الوطن يكافئ من يملك النفوذ، وينسى من صنع له المجد والذاكرة.
فالدولة التي لا تعرف كيف تكرّم المبدع، ولا ترفع مكانة العالم والأستاذ والفنان والباحث، تعلن، من حيث لا تريد أو تريد، انحيازها إلى الرداءة والضجيج.
ويصبح المبدع فائضًا عن الحاجة في وطن يحتاج، أكثر من أي وقت مضى، إلى ذاكرته وعقله وروحه.
دولة لا تُثمّن مبدعيها، في الداخل أو الخارج، بل تضيق أحيانًا بهم، وتقطع أرزاقهم، وتخنق حياة أسرهم تحت ذرائع اختلاف الأيديولوجيا أو الرأي الآخر. مبدعون عراقيون يعيشون غربتهم بعيدًا عن وطنهم، فتحت لهم أوطان أخرى أبوابها، واحتفت بهم تقديرًا واحترامًا، وقدّمت لهم الدعم المعنوي والمادي، ومنحتهم الجوائز الكبيرة، بينما ظل وطنهم الأول عاجزًا عن احتضانهم أو الاعتراف بما قدموه.
هذه دولة أتقنت فن النوم العميق، حتى بدا أن ضميرها يعمل بنظام الإجازات الطويلة.
تنام عن تكريم نخبها الثقافية والعلمية، لكنها لا تنام حين يتعلق الأمر بمصالحها ومغانمها.
وفي بلد يطفو على النفط والثروات، يعيش الناس كما لو أنهم في طابور طويل لاختبار قاسٍ للبقاء، لا في وطن يفترض أن تُوزَّع ثروته بعدل، وأن تُصان فيه كرامة الإنسان.
ما يوجع حقًا ليس الموت وحده، بل أن يموت المبدع في وطن لا يملك حتى لياقة الاعتراف.
يمضي فاروق هلال وصبري الرماحي، وغيرهما من الذين أعطوا العراق أعمارهم، ثم نكتشف أن المؤسسة الرسمية لا تتذكرهم إلا في خبر عابر، أو صورة يتيمة، أو عبارة رثائية تُقال لتسديد واجب شكلي.
لم نرَ ما يليق بمكانتهما من احتفاء، ولا وقفة تليق بتاريخهما، ولا حضورًا يوازي ما قدّماه للعراق. وكأن من منح وطنه حياته أصبح، بعد موته، عبئًا على ذاكرة كسولة، أو خبرًا لا يستحق أكثر من سطر عابر.
وحين لا يُودَّع المبدع بما يليق به، لا يكون الجرح في أهله ومحبيه وحدهم، بل في صورة الوطن نفسه. فالجنازة ليست طقسًا للموتى فقط؛ إنها امتحان للأحياء، واختبار لوفاء الدولة تجاه من حملوا اسمها وصورتها وصوتها إلى العالم.
لقد كان فاروق هلال جزءًا من ذاكرة العراق الموسيقية، وكان صبري الرماحي شاهدًا بالصورة على حياة العراق وتحولاته. وكلاهما، بطريقته، حفظ شيئًا من هذا الوطن من الضياع.
وحين يغيب أمثال هؤلاء، فإن الخسارة لا تقع على الفن وحده، بل على الذاكرة الوطنية بأكملها.
إن ما حدث مع فاروق هلال وصبري الرماحي ليس مجرد تقصير عابر، بل علامة على أزمة أعمق في علاقتنا بالمبدعين.
فالمشكلة ليست في أن يموت الفنان أو المخرج، فالموت حق الجميع، وإنما في أن يموت المبدع فلا يجد وطنه حاضرًا كما ينبغي، ولا مؤسساته واقفة في مكانها، ولا ذاكرته مصانة بما يليق.
لقد رحل المبدعان، لكن الفضيحة بقيت: فضيحة بلد يملك كل أسباب النهوض، ثم يدير ظهره لأفضل ما فيه.
وهنا تكمن المفارقة السوداء: دولة تطارد الضوء، ثم تطفئه بيديها، وبعد ذلك تتساءل لماذا يخيّم الظلام.
أيها الصديقان: فاروق وصبري، أعذرونا... لأننا لم نكن نملك دولة تليق بكما.
أعذرونا لأن الذين كان ينبغي أن يكونوا في مقدمة المشيّعين تأخروا، أو غابوا، أو اكتفوا بالصمت.
أعذرونا لأن العراق الذي أحببتماه، وخدمتما فنه وذاكرته، لم يعرف كيف يقول لكما: شكرًا قبل الرحيل، ووداعًا يليق بكما بعد الرحيل.
فالوطن الذي أحببتماه قد يتأخر في الاعتراف، وقد ينسى، وقد يصمت طويلًا، لكنه لا يستطيع أن يمحو أثر من أحبوه بصدق.
وستبقى أسماؤكما، مهما طال النسيان، شاهدة على أن العراق لم يكن يومًا فقيرًا بالمبدعين؛ بل كان فقيرًا، وما زال، بمن يعرف قيمة المبدعين.
وداعًا فاروق... وداعًا صبري...ناما بسلام.
لكن لا تحزنا...
فأنتم الأحياء، وهم الأموات.

ياس خضير البياتي

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى