علي سيف الرعيني -| ليتنا فعلنا اكثر !!

ليست الوحدة دائمًا أن تمشي في طريقٍ خالٍ، أو أن تجلس في غرفةٍ لا يشاركك فيها أحد، بل قد تكون في قلب الزحام، بينما يغيب عن حياتك أولئك الذين كانوا يمنحون الأشياء معناها فالأماكن لا تصنع جمالها الجدران، ولا الشوارع، ولا الأشجار، وإنما يصنعه البشر الذين يملؤونها حياة ويتركون في زواياها شيئا من أرواحهم
بيوت كانت تضج بالضحكات، فإذا غاب أصحابها أصبحت صامتة كأنها لم تعرف الفرح يوما مقاهي كانت ملتقى للأصدقاء فلما فرقتهم الأيام صارت مجرد كراس وطاولات تنتظر وجوها لن تعود حتى المدن التي نعشقها لا نعشق حجارتها بقدر ما نعشق الذكريات التي سكنت بين طرقاتها
إن الإنسان لا يفتقد الأشخاص فقط، بل يفتقد نفسه التي كانت تولد بحضورهم. فهناك وجوه كانت تمنحنا الطمأنينة دون أن تتكلم، وأصوات كانت تخفف عناء الأيام، وقلوب كانت تجعل الحياة أقل قسوة وحين تغيب تلك الوجوه لا يتغير المكان وحده بل يتغير لون الزمن كله
ولعل أكثر ما يؤلم أن الحياة لا تتوقف احتراما لغياب أحد تستمر الأيام، وتفتح المحال أبوابها، وتزدحم الطرقات بالمارة، لكن شيئًا خفيا يبقى ناقصًا. ذلك النقص لا يراه العابرون، لكنه يثقل قلب من عرف قيمة من رحلوا أوابتعدوا
لقد أصبحت العلاقات في زمننا أكثر هشاشة تُستبدل الوجوه بسهولة، وتُقطع أواصر الود لأسبابٍ تافهة وكأن الناس نسوا أن بعض الأرواح لا يمكن تعويضها. فليس كل صديقٍ يُنسى، وليس كل قريبٍ يعوضه قريب آخر وليس كل إنسانٍ إذا غاب وجدنا نسخةً منه في مكان آخر
وما يؤسف له أن كثيرا منا لا يدرك قيمة الانقياء إلا بعد رحيلهم نؤجل كلمات الامتنان، ونبخل بالاهتمام، ونظن أن الوقت طويل، حتى يفاجئنا الغياب فنقف أمام الفراغ عاجزين، نراجع ذكرياتنا ونردد في صمت: ليتنا فعلنا أكثر
وقد لا يكون الغياب موتا فهناك غياب أشد قسوة غياب القلوب وهي ما تزال تنبض، وغياب الأحبة وهم يعيشون على مقربةٍ منا، لكن المسافات التي صنعتها القسوة أو الكبرياء أو ظروف الحياة جعلتهم أبعد من النوم.
أذكر رجلًا مسنا كان يجلس كل مساء أمام باب منزله، يراقب الطريق بصمت. سأله أحد المارة يومًا: لمن تنتظر؟ فابتسم ابتسامةً باهتة وقال: لا أنتظر أحد لكن هذا المكان كان يمتلئ بأبنائي وأحفادي، واليوم أجلس لأتذكر كيف كانت الضحكات تعبر من هنا لم يكن البيت قد تهدم، ولم تتغير جدرانه، لكن الجمال الذي كان يسكنه رحل مع أصحابه، فلم يبقَ سوى الصدى
حينها أدركت أن الجمال ليس فيما نملك، بل فيمن يشاركوننا ما نملك. وأن أغلى ما يمكن أن يحافظ عليه الإنسان ليس الأثاث ولا المال ولا المظاهر، وإنما القلوب التي تجعل للحياة طعمًا، وللأيام معنى، وللأماكن روحا
فلنحافظ على أصحاب القلوب الصافية ما داموا بيننا، ولنمنحهم من الاهتمام ما يستحقون، فربما يأتي يومٌ نعود فيه إلى الأماكن نفسها، فلا نجد سوى الذكريات. وعندها سنكتشف أن الوحدة ليست فراغ المكان، بل اندثار الجمال حين يغيب أصحابه!!

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى