حِوَارٌ خَاصٌّ مَعَ البَاحِثِ والكَاتِبِ والشَّاعِرِ غياث المرزوق (2)

غياث المرزوق باحث أكاديمي وكاتب وشاعر من مواليد دير الزور (سوريا) ويقيم حاليًّا متنقلًا بين دبلن (إيرلندا) ولندن (إنكلترا). بعد أن أنهى المرحلة الجامعية الأولى وما بعدها من جامعة حلب، يحمل الآن درجة الدكتوراه في اللسانيات التطبيقية من جامعة مدينة دبلن DCU (1992)، ويحمل أيضًا درجة الدكتوراه في اللسانيات التنظيرية من جامعة كلية الثالوث بدبلن TCD (1998)، كما يُجري فضلًا عن ذلك دراسات «مفتوحة» للدكتوراه وما بعد الدكتوراه في التحليل النفسي وعلم نفس الأعماق. عمل مؤخرًا أستاذًا في اللسانيات الأوروبية والسامية في جامعة جنوب الدنمارك SDU، وعمل سابقًا محاضرًا في اللسانيات العربية في جامعة كلية دبلن UCD. يكتب باللغتين العربية والإنكليزية في مجالات فكرية وأدبية عديدة، منها: التحليل اللساني والتحليل النفسي والتحليل الفلسفي والتحليل السياسي والنقد الأدبي وغيرها. وفي مجال الشعر العربي الحديث، علاوة على ذلك، غياث المرزوق يكتب أيضا النصّ الشعري بشكليه الموزون والمنثور، ويتميّز على الأخصّ بكتابة المطوَّلات الشعرية النفسية و/أو الفلسفية، منها: «مَشَاهِدُ مِنَ ٱلْجَحِيمِ ٱلْدِّمَشْقِيِّ» / «وَمَشَاهِيدُ مِنَ ٱلْجَحِيمِ ٱلْفُرَاتِيِّ» / «وَمَا قَبْلَ ذَيْنِكَ ٱلْجَحِيمَيْنِ حَوْلٌ» / «هَدَادَيْكِ يَا قَطَرًا مِنْ نَدًى، وَنَدَى» / «وَمِنْكِ، عَشِقْتُ ٱلْنِّسَاءَ بِكُلِّ ٱلْلُّغَاتِ» / «وَرْدَةٌ حَمْرَاءُ مِنْ حُلُمٍ يَشِبُّ عَنْ طَوْقِهِ» / «وَيُسَمُّونَهَا كُورُونَا، وَيُسَمُّونَهُ كُورُونَا» / «خَفَايَا ٱلْعِشْقِ ٱْلْأَرْبَعُونَ»، إلى آخره. وعلى الرغم من صعوبة التواصل، فقد استطعنا أن نجري معه الحوار التالي:

● رابعًا، المحور الأدبي والإبداعي (النصوص والرؤى)
س
: في عملك المستمر «خَفَايَا ٱلْعِشْقِ ٱلْأَرْبَعُونَ»، كيف تتقاطع الصوفية مع التحليل النفسي في تفسير مفهوم «العشق»؟
ج: ثَمَّةَ لقاءٌ لافتٌ بين الصوفية والتحليل النفسي (اللاكاني) من حيث الاهتمامُ بسَبْر اللاوعي والسعيُ بالتالي إلى تدمير «الأنا الشاهدة»، في الأولى من أجل الاتحاد مع الإلهيّ وفي الآخَر من أجل التماهي مع المثاليّ، والعشق في كلتا الحالين إن هو إلّا قوّةٌ تُعِينُ على إقصاءِ الوهميّ الأدنى وعلى الاندماج من ثَمَّ بالواقعيّ الأسمى. في الحقيقة، لقد شرعتُ عامدًا، وما برحتُ، أكتب سلسلة القصيد الشعري «خَفَايَا ٱلْعِشْقِ ٱلْأَرْبَعُونَ» بسيماءٍ وزنيّ ونثريّ وفحوائيّ خاصّ، أكتبها هكذا بمثابة محاكاة ساخرة، أو حتى «أُسْخُورَةٍ» Parody، لعنوان الرواية الصوفية «قَوَاعِدُ ٱلْعِشْقِ ٱلْأَرْبَعُونَ» للكاتبة التركية إليف شافاق. وبناءً على ذلك، فإن سخريةَ القصائد هذه تكاد تتمحور في تمثيلٍ قَصْرِيٍّ حول نموذجٍ من النَّقيط العَتُوفِ متأسلمًا و«متصوِّفًا» راتعًا في مجتمعاتنا الذكوريّة المتخلّفة، ذلك النموذج الذي تراه في كثير من الأحايين يتشدَّق بتحرير المرأة وتقديس ظِلِّها ظاهريًّا. ولكن، ما يحدث وراءَ الكواليس في عقر دارهِ إنّما هو العكس تمامًا، الزوجُ متربّعٌ على عرشِهِ لا يتحرَّك إلّا فيما ندر ومُسْتَغْرقٌ جُلَّ الوقت في «الاتحاد مع الله»، والزوجة لا يهدأ لها بالٌ تعملُ أَمَةً بكل معنى الكلمة وهي منهمكةٌ كُلَّ الوقت في تحضير عَلَفِهِ وتطهير دَرَنِهِ، فضلًا عن تنظيف البيت وما يحتويه. وفي الأخير، لا ترى إلّا «سَيِّدًا» مُتَلَذِّذًا باستعبادِهِ «عَبْدَةً» صَاغرةً كليًّا رهنَ إشارتهِ – بيد أنه جَرَّاءَ الإسقاط الجدلي الهيغلي سَرْعَانَ ما يغدو «عَبْدًا» لهذا الاستعبادِ بدورهِ دون أن يدري، ممَا يفسّر مدى الاستعمالِ العامدِ لهذه المفردةِ بالذاتِ ومدى ورودِ عددٍ من مرادفاتِها كذلك، كمثلِ «القِنِّ» و«القَيْنِ» و«العَسِيفِ» و«النَّقِيطِ» و«المَاهِنِ» و«المَمْلُوكِ»، إلى آخرهِ. وقد عبّرتُ عن ذلك في سلسلةِ النصِّ النقديِّ الأدبيِّ الآخَرِ ذي العنوان الشعريّ والرمزيّ الساخر أيضًا، «أَيْسَ غِلٌّ بِذِي ﭐلْيُدِيِّ لَبِيدُ / لَيْسَ كُلٌّ وَذُو ﭐلْرَّدِيِّ عَبِيدُ».

س: تكتب باللغتين العربية والإنكليزية؛ هل تشعر أن هناك أفكارا وتجارب شعورية ترفض الانصياع للغة العربية وتفرض نطقها بالإنكليزية، والعكس صحيح؟
ج: نعم، بالتأكيد، ولا ريبَ في هذا. إلّا أنّ المشهدَ في هكذا سياقٍ يبدو أنّه ينحو في الأرجحِ نحو كون بضعةٍ من الأفكار الملحاحِ تفرض الإفصاحَ عنها باللغة الإنكليزية في حين أنّها ترفض الامتثال في الآن ذاته للغة العربية، والعكس ليس صحيحًا دائمًا، لكي نضعَ العبارةَ هٰهنا بشيءٍ من الإنصاف. وقد عبّر عن هذه الظاهرة الفريدة خيرَ تعبيرٍ الشاعرُ الفلسطينيّ محمود درويش في قصيدته «طِبَاق» التي أهداها بمثابةِ تأبينٍ شعريٍّ إلى الناقد الأدبي الفلسطيني-الأمريكي إدوارد سعيد، والتي يقول فيها في هذا السياق بالذات أيضًا: «أَنَا مِنْ هُنَاكَ أَنَا مِنْ هُنَا / وَلَسْتُ هُنَاكَ وَلَسْتُ هُنَا / لِيَ اسْمَانِ يَلْتَقِيَانِ وَيَفْتَرِقَانِ / وَلِي لُغَتَانِ نَسِيتُ بِأيِّهِمَا كُنْتُ أََحْلُمُ / لِي لُغَةٌ إِنْكِلِيزِيَّةٌ لِلْكِتَابَةِ طَيِّعَةُ المُفْرَدَاتِ / وَلِي لُغَةٌ مِنْ حِوَارِ السَّمَاءِ مَعَ القُُدْسِ، فِضِّيَّةُ النَّبْرِ / لٰكِنَّهَا لَا تُطِيعُ مُخَيِّلَتِي». ففي هذا المشهد اللسانيّ الثنائيّ الفريد، إذن، ثمّةَ الكثيرُ من العبارات التي أستطيع أن أقولَها بِيُسْرٍ باللغة الإنكليزية، والتي أواجه عُسْرًا كبيرًا في قولها باللغة العربية في المقابل. ولكن، مع ذلك، وبالرغم من أنّ سائرَ اللغاتِ الإنسانيةِ مَبْنِيَّةٌ على بناءٍ منطقيّ كونيّ أوحدَ كما تَمَّ ذِكْرُهُ آنفًا، إلّا أنَّ معرفتي وكتابتي باللغة العربية قد تَحَسَّنَتَا تَحَسُّنًا كبيرًا من خلال تَحَسُّنِ معرفتي وكتابتي باللغة الإنكليزية – فكلّما ازددتُ علمًا ومِرَاسًا باللغة الأخيرة، كلّما ازددتُ علمًا ومِرَاسًا باللغة الأولى، والعكس هنا قد يكون صحيحًا.

س: كيف تقيم المشهد الثقافي والنقدي العربي الحالي في المهجر؟ هل نجح في خلق تواصل حقيقي مع الثقافة الغربية؟
ج: هذا السؤال التقييميّ الهامّ، في واقع الشأن، إنّما يعتمد في مدى إيجابيَّته أو سلبيَّته على كلّ من «نوع» الدولة الأوروبية المضيفة وكذلك «كَمِّ» الجمهور العربي المهاجر إليها لسببٍ أو لآخَر – فالحال المعنيّة في أوروبا الشرقية، مثلًا، تختلف إلى حدٍّ ما من التفاوُتِ عن نظيرتها في أوروبا الغربية أو حتى في أمريكا الشمالية، وتلك مسألةٌ أُخرى. لكن المشهد الثقافيّ العربيّ المهجريّ من طرف واحدٍ، عمومًا، لا يبدو بأية هيئةٍ صحّيةٍ مُشَجِّعًا أو واعدًا حتى لو كانَ يُشارُ إليه ببنان، نظرًا لأنه لم يُفْلِحْ ذلك الإفلاحَ في إنشاءِ علائق التواصل الحقيقيّ مع الثقافة الغربية. واللائمةُ هٰهنا ليس لها إلّا أن تُنْحَى على أصحابِ كلٍّ من الطرفَين: مَنْ يمثّلون الثقافةَ العربية وما يفتقرون إليه من مبادرة الاندماج، ومَنْ يمثّلون الثقافةَ الغربية وما يستنكرونه من هكذا مبادرةٍ لأسبابٍ مَرَدُّهَا في الأغلب إلى رُهاب الأجنبيّ والعنصرية وما ماثَل، ممّا يُحْبِط ممثِّلي الثقافة العربية إحباطًا مُثَبِّطًا ومَهَمِّدًا. وكمثالٍ أول، عندما كنتُ أحدَ أعضاء اللجنة المركزية لـ«الاتّحاد الفلسفي الإيرلندي» مدى عشرٍ من السنين، لم أجدْ أيَّ مشاركٍ من عرب المهجر كلَّ هذه السنين رغم أن الاتحاد كان يُقيم مؤتمرَيْن دُوَلِيَّيْن كلَّ عام ويستقطب الآنَامَ من كافّة أنحاء العالَم – ناهيك عن استيعابهِ النشاطيّ الفكريّ بسببي للفلسفة العربية والإسلامية، بعد أن كان مقتصرًا على الفلسفة الأوروبية والأمريكية منذ تأسيسه. وكمثال ثانٍ، حينما كنتُ أستاذَ اللسانيات في جامعة جنوب الدنمارك، دُعِيتُ من قسم آخَرَ للمشاركةِ في المؤتمر الدُّوَلي المعنون بـ«التلاقي الفكريّ ما بين الشرق والغرب»، ولكني لم أرَ آسفًا إلّا مشاركَيْن من عرب المهجر، أحدُهما قد ألقى كلمةً عن النهضة العربية بشقّ النفس والآخَرُ لم يرتمْ ببنتِ شَفَةٍ قَطّ.

● خامسًا، المحور الفكري والسياسي والاجتماعي
س
: في سلسلة مقالاتك «يَا نِسَاءَ ٱلعَالَمِ ٱتَّحِدْنَ»، ما هي الرؤية التحررية التي تطرحها للمرأة العربية خارج الأطر النمطية للنسوية الغربية؟
ج: في حقيقةِ الخطبِ هٰهنا، لقد كنتُ، وما زلتُ حتى الآن، أكتبُ هكذا سلسلةً خاصَّةً من نوعها على شاكلةِ «أقوالٍ سَائرة» Maxims، أو حتى على غِرارِ «مقولاتٍ مأثورة» Aphorisms، بكلّ من اللغتين العربية والإنكليزية. هذه الأقوالُ السَّائرة أو المقولاتُ المأثورة إنّما هي موجّهةٌ، في المقام الأول، إلى النساءِ المضطهَداتِ في هذا العالَمِ العربيِّ المُنْهَك والمُنْتَهَك من كلِّ حَدَبٍ وصَوْبِ. فهي موجّهةٌ من بينِ ما هي كذلك بالأخصِّ هٰهنا إلى مثيلاتِ تلك المرأة الخَضُوع والخَنُوع التي أشرتُ إليها من قبلُ في معرِض الحديث عن سلسلة القصيد الشعريّ «خَفَايَا ٱلْعِشْقِ ٱلْأَرْبَعُونَ»، تلك الزوجة التي لا يهدأ لها بالٌ وهي تعملُ مثلما تعملُ «العَبْدَةُ» صَاغرةً كليًّا رهنَ إشارةِ زوجها «السَّيِّد». وبما أنّ هذا الزوجَ المُتَلَذِّذَ باستعبادهِ إيَّاها سَرْعَانَ ما يغدو بحكم الإسقاط الجدلي الهيغلي «عَبْدًا» لهذا الاستعبادِ بدورهِ لاواعيًا، فإنّ الأقوالَ أو المقولاتِ المعنيّةَ ليس لها سوى أن تتجلَّى عبرَ عددٍ من المداراتِ التبصيريةِ الخاصَّةِ بالمرأة العربية من أجلِ توعيتها وكذاك تحريرها في آخِرِ المطافِ. من هذه المداراتِ التبصيريةِ، على سبيل المثال: أولًا، «المدار التبصيريّ العلميّ» حينما يشيرُ من جملة ما يشيرُ إيجابيًّا إلى حقيقةِ أنّ الجَنينَ يبدأ بالتشكُّل كأُنثى في الرَّحِمِ لا كذَكَرٍ سَعيًا وراءَ تحطيمِ أسطورة السَّيِّدِ-العَبْدِ؛ ثانيًا، «المدار التبصيريّ الدينيّ» عندما ينوِّهُ من بينِ ما ينوِّهُ سلبيًّا إلى عنصريةِ التوراةِ ظَانَّةً نجاسةَ المرأةِ التي تلدُ أنثى أشدَّ وأطولَ من نجاسةِ المرأة التي تلدُ ذَكَرًا؛ إلى آخره. غير أنّ ما يُوجِعُ في الخطبِ، مع ذلك، وجودُ الكثير من النساءِ اللواتي يدافعنَ عن عبوديَّتِهنَّ مُحَقِّقَاتٍ بذلك قولَ أفلاطون بما معناه: «لو أمطرتِ السَّمَاءُ حُرِّيَّةً لرأيتَ عبيدًا يهرعونَ إلى رفعِ مظلّاتِهم».

س: انطلاقًا من عنوان مقالاتك: هل ترى أن واقعنا العربي المعاصر تحكمه حركة «طُغَاةُ ٱلْتَّقَدُّمِ» أم «بُغَاةُ ٱلْتَّهَدُّمِ»؟ وكيف السبيل للخروج من هذه الثنائية؟
ج: في حقيقة الأمر، ويا للأسفِ، ما أراهُ جَلِيًّا من خلال هذا الواقع العربيّ المرير من كلِّ الجهاتِ هو أنّ عالَمَنا العربيَّ، من محيطهِ إلى خليجهِ، لم يَنَلِ استقلالَه الحقيقيَّ لا من قريبٍ ولا من بعيدٍ. وما إعلاناتُ، أو حتى فرماناتُ، «الاستقلال» الذي حصلت عليه تباعًا جلُّ البلدان العربية بعد الحرب العالمية الثانية (باستثناءِ حواضرِ مصرَ والعراق والسعودية ولبنان اللواتي حصلنَ عليه قبل هذه الحرب)، ما هي إلّا أحبولاتٌ استعماريةٌ أو انتدابيةٌ غايتها الأولى والأخيرةُ إنّما هي ذَرُّ الرَّمَادِ في العُيُون، وذاك تضليلًا وتشويهًا لوجه الحقيقة – تَصَوَّرْ أنّ فلسطينَ التي تمَّ إعلانُ «استقلالِها» من طرفٍ واحدٍ كآخِرِ دولةٍ عربيةٍ في هذا الجَوْقِ المُصْطَنَع بامتيازٍ عامَ 1988، تَصَوَّرْ أنّ «استقلالَها» ذاك لم يَكُنْ سوى وثيقةِ حبرٍ على وَرَقٍ كان قد أصدرها المجلس الوطني الفلسطيني في أواخرِ ذلك العامِ في الجزائر، لأن القضية الفلسطينية ما زالت قائمةً ومستمِرَّةً في السِّيماءِ من سيِّءٍ إلى أسوأ. فما يحكم هذا الواقعَ العربيَّ المريرَ حقًّا ليس إلّا هذا الجَوْقُ المُصْطَنَعُ بامتيازٍ من «بُغَاةِ تَهَدُّمٍ» متسربلينَ بسرابيلِ «طُغَاةِ تَقَدُّمٍ» يعملون مذعنين كالعبيد الأذلّاءِ بمثابة «كلابِ حراسةٍ» Watchdogs لمآرب أسيادهم من أخلافِ المستعمِر الإنكليزيّ أو الفرنسيّ، وامتدادهم الآن كذاك في أحلافِ المستعمِر الأمريكيّ والصهيونيّ على أقلّ تقدير. ولا سبيلَ إلى الخلاصِ من هكذا مأزقٍ مستعصٍ، فيما يتبدَّى، إلا من خلال ثورةٍ شعبيةٍ شاملة من الماءِ إلى الماءِ قد تعلَّمت من كلِّ سابقاتها في هذا القرن بغية الحصول على الاستقلال الحقيقي أو ما سمّاه المنصف المرزوقي بـ«الاستقلال الثاني».

س: كيف تنظر إلى دور «المثقف العضوي» في زمن التحولات الرقمية والمنصات المفتوحة كـ«الحوار المتمدن»؟ هل تفقد الكلمة عمقها؟
ج: هذا المثقفُ العضويُّ الذي يعني ما عناه المفكِّرُ الفَذُّ أنطونيو غرامشي ألّا يكتفي بالنجاح والتفوُّق في الدرس الأكاديميّ (وهو محسُودٌ عليهما من لَدُنِ اللّئام العَائِنِينَ في الأصلِ)، وألّا يبقى منعزلًا كذاك عن آلام وآمال المجتمع الإنسانيّ كما يفعلُ الحَاطبُون في الليلِ واللاهثونَ على الهَوامش، بلْ يسعَى دائبًا دَأَبًا إلى المُنَافَحَةِ والذَّودِ المستميتَيْن عن حقوق المظلوماتِ والمظلومينَ أنَّى تواجدوا في هذا العالَم العربيّ وغيرهِ، وإلى إحداثِ التغيير الحقيقيّ والفعليّ نحوَ الأفضلِ والأنجع والأجدى في حَيَواتهم. هذا المثقفُ العضويُّ الواعِي، إذن، لا يهمُّه ما يحدثُ فعلًا في هكذا زمانٍ رقميٍّ مُسْتَحْدَثٍ من هُرَاءٍ وتَفَاهَةٍ وسَفَاسِفَ أو خُزَعْبَلاتٍ، حيثُ الجَبَانُ الرعديدُ بطبعهِ أسَاسًا يصيرُ كالمقدامِ الصِّنديدِ «مُناقشًا اجتماعيا مُحْتَدِمًا» عن مسألةٍ اجتماعيةٍ حَسَّاسَةٍ ومختبئًا من ثَمَّ وراءَ قناعٍ مزيَّفٍ كالفأر القميءِ، وحيث الجَهُولُ المُطْبِقُ في أمورِ السياسةِ أصلًا يغدو «محلِّلًا سياسيًّا محمُومًا» عن قضيّةٍ سياسيةٍ أشدَّ حَسَاسِيَةً ومتواريًا بالتالي خلفَ اسمٍ مُنْتَحَلٍ كالجُرَذِ الخَسِيس، إلى آخرهِ، إلى آخرهِ. كلُّ هذا وذاك، في نظرِ المثقفِ العضويِّ الواعِي، لَسَطْحٌ إن هو إلّا زَبَدٌ في زَبَدٍ سوفَ يذهبُ لا مِراءَ جُفَاءً في جُفَاءٍ عاجلًا أو آجلًا، وما ينفعُ الآنامَ أينما رأيتَهم لَهُوَ المَاكثُ في الأرض ولا ريبَ في هذا بَتًّا. بيدَ أنّ ثَمَّةَ جانبًا جِدَّ إيجابيٍّ في هذا الزمان الرقميِّ المُسْتَجِدِّ، مع ذلك، جانبًا يتجلَّى في منصّاتٍ مفتوحةٍ للفكر الإنسانيّ الحُرِّ كمثلِ «الحوار المتمدن» – والأمر لا يخلو، بالطبع، من خَطَل الهَوام الإلكترونيِّ، وبخاصّةٍ قذارةَ أولئك «الدُّرَيْغِيمَاتِ» الخَوَارين العاجزين عن الكتابة في هكذا منصّةٍ يسَاريةٍ، لأنهم سوفَ ينكشفون على حقيقتهم ولا جِدَالَ فيما لو حاولوا فعلًا. باختصارٍ شديد، «الحوار المتمدن» ظاهرة ثقافية حضارية فريدة من نوعها وأدعو، في هذه المناسبة، كافّة الأخوات الكاتباتِ والإخوة الكتّابِ ألّا يبخلوا في إغداق تبرُّعاتهم الدورية إلى هيئة التحرير للعمل على تحسين هذه المنصّةِ فيما له مِسَاسٌ بالشكلِ الفنّيَ والمضمون الفكري سَوَاءً بسَوَاءٍ.

● سادسًا، محور الترجمة والتلاقح الثقافي

س
: الترجمة ليست مجرد نقل ألفاظ بل نقل «لاوعي ثقافي»؛ ما هي أصعب التحديات التي واجهتك عند ترجمة المفاهيم النفسية أو اللسانية الغربية إلى العربية؟
ج: في الحقيقة، لستُ مترجمًا بالمعنى الرسمي أو الاحترافي للكلمة، ولا أدري من أين جاء هذا التوصيف وتمَّ إقرانه بي هكذا. ما أقوم به إبَّانَ سيرورة الكتابة أحيانًا، وبالأخص في كتابة النصوص في مجال التحليل النفسي، هو أن أكتب النص المعنيّ باللغة الإنكليزية أولًا ثُمَّ أن أعيد كتابته باللغة العربية ثانيًا، والعكس بالعكس فيما يتبدّى كذلك – وفي الأخير، ترى أمامك نصَّين مختلفَين كليًّا من حيث الأسلوب لكنهما متشابهان تشابُهًا جِدَّ لافتٍ من حيث الفحوى. وهذه الطريقة في الكتابة شبيهة إلى حدّ كبير بطريقة الكاتب الإيرلندي صامويل بيكيت، حيث كان يكتب عددًا من مسرحياته باللغة الفرنسية أولًا ثُمَّ يعيد كتابتها باللغة الإنكليزية ثانيًا، كمثل مسرحية «في انتظار غودو» Waiting for Godot، وهكذا دواليك. ومع ذلك، لم يخْلُ الأمر كلّيًّا من الانشغال بمرانِ الترجمة المحض إن أردتَ، فقد «ترجمتُ» لنفسي حشدًا غيرَ نزير من القصائد التي أعجبتني من اللغات الإنكليزية والفرنسية والألمانية إلى اللغة العربية. أما ترجمة المصطلحات اللسانية والنفسية الغربية إلى اللغة العربية، ففيها تحدٍّ كبيرٌ حقًّا وهذه مسألة هامّة تحتاج إلى مجمع علميّ قائم بذاته وبهيئاتِ متخصّصاتٍ ومتخصّصين جادّين وملتزمين كذلك. لكنّ عينَ الاجتهاد الفرديّ في مسألة التحديث الاشتقاقيّ إنّما هو جدّ ضروريٍّ في مواجهة هذا التحدّي الكبير ولا ريبَ في هذا، كما أُرْغِمْتُ على اشتقاق العديد من المصطلحات النفسية العسيرة النقل إلى اللغة العربية، منها مثلًا على وزن «فُعَال» الدالّ على الداء النفسيّ أو الجسميّ: «اللُّقَاب» Agnomenosis، و«الوُهَام» Paranoia، و«الحُنَان» Nostalgia، و«الحُصَار» Anxiety (بدلًا من «الحَصَر النفسيّ»)، وحتى «الحُبَاس» Aphasia (بدلًا من «الحُبْسَة»)، إلى آخره.

س: هل تعتقد أن اللغة العربية المعاصرة تعاني من «عقم مفاهيمي» أم أن العيب يكمن في المترجمين والمجامع اللغوية؟
ج: العيب يكمن أولًا وآخرًا في «اجتهادات» كلٍّ من أهل الترجمة الرسمية أو الاحترافية وأهل المجامع اللغوية وحتى أهل الجامعات الوطنية على اختلاف مشاربهم ومآربهم. وفي هذا الصدد، فقد صادف لي أن حضرتُ في لندن ما يشبه بـ«المُنَاظرة»، أو حتى بـ«المُسَاجلة»، حول المشكلات التي تنجم عن ترجمة النص الأدبيّ من اللغة الإنكليزية إلى اللغة العربية، لا العكس. فما كان من المُنَاظر أو المُسَاجل المعنيّ آنئذٍ إلّا أن قضى أكثرَ من ساعة زمنية حول ترجمة عنوان قصيدة الشاعر الأمريكي-البريطاني توماس ستيرنز إليوت The Waste Land، محاولًا بذلك إقناع المستمِعات والمستمِعين المُتَمَلْمِلِين بأن الترجمة المُثْلَى هي «الأرض اليباب» (تبعًا لترجمة إحسان عباس)، وليس «الأرض الخراب» (وفقًا لترجمة لويس عوض)، وما إلى هنالك – ناهيك، بطبيعة الحال، عن أن ثَمَّةَ كذلك من لا يقول بهذي ولا بتلك، بل يقول عن يقينٍ تامٍّ بالترجمة الفُضْلَى «الأرض القَفْر» (حسب ترجمة عبد الله الطيب)، وهكذا دواليك. وبصرف النظر عن غيابِ الفارق الكبير بين معاني مفردات هذه الصفات، يبدو أن ترجمة «الأرض الخراب»، وبخاصَّةٍ ما تقتضيه مفردةُ «الخراب» من معنيَي التدمير والتهديم، لهي الأقربُ إلى الصَّحَاح لو تمحَّص المرءُ على الأدنى في الماضي الكامن وراءَ النصّ وفي الدوافع الدفينة في شخصيّة المؤلِّف، كما ذُكِرَ آنفًا. وإن دلَّ هذا المثال الوحيدُ على شيءٍ هنا فإنه يدلُّ على مدى الاختلاطِ والشواشِ اللذين ينجُمان عن «اجتهادات» هؤلاء المترجمين الرسميِّين والاحترافيِّين الفطاحل – إن لم يُقَلْ أيُّ شيءٍ عن «اجتهادات» أولئك المترجمين الأكثر رسميّةً والأكثر احترافيّةً في ترجمة الاصطلاح العلميّ الحاسُوبيّ Artificial Intelligence إلى «الذكاء الاصطناعي» تارةً، وإلى «الذكاء الصناعي» تارةً أُخرى، وإلى «الذكاء الصُّنعي» تارةً أُخرى أُخرى. حتى اصطلاحات نقدية أدبية كاصطلاح «البلاغة» المُجْترِّ في غير محلِّه في أمثلةٍ شتّى لم تسلم من عبثِ الأنخفانات المنمِّقين والكيذبانات المتملِّقين.

● سابعًا، استشراف المستقبل والختام
س
: ما هو المشروع الفكري أو الأدبي الذي يشغل بال غياث المرزوق حاليا والذي لم يخرج إلى النور بعد؟
ج: على الرغم من إلحاح الكتابة في البحث اللساني الشائق والماتع حقًّا وكذاك إلحاح الكتابة في التحليل النفسي الأكثر شوقًا ومُتْعَةً بأيٍّ من اللغتَيْن المعنيَّتين أو كلتيهما، إلّا أنّ هناك هاجسًا حَرُونًا أشدَّ إلحاحًا لا يفارق ذهني أينما حللتُ وأنَّى نزلتُ – هاجسًا يكاد أن يكون «عُصَابِيًّا» في تأليف ملحمةٍ شِعريّةٍ مُطَوَّلَةٍ تنطوي من بين ما تنطوي على أشكال الكتابة كلّها.

س
: لو أتيحت لك الفرصة المثلى لإعادة صياغة المناهج التعليمية اللسانية في الجامعات العربية، ما هو أول قرار ستتخذه؟
ج: لم أشتغل، حقيقةً، في مجال تصميم المناهج التعليمية رسميًّا سوى في تنظيم تلك المحاضرات الخاصّة لطالبات وطلّاب كلٍّ من مرحلة الدراسات الأولى (البكالوريوس) ومرحلة الدراسات العليا (الماجستير والدكتوراه) هنا في أوروبا في كل من إيرلندا والدنمارك. ولكن، لو أُتيحت لي هذه الفرصةُ في العالم العربيّ فعلًا لعمدتُ كأول قرارٍ أستطيع أن أتّخذه بصَلاحٍ كاملٍ إلى إقصاء سائر المناهج التعليمية المتّبعة حاليًّا في الجامعات العربية كلًّا، وإلى إعادة تصميمها الجذريّ من منظور الطالبة أو الطالب تحديدًا بحيثُ يقومُ كلٌّ منهما بدور المُحَاضِرَة أو المُحَاضِر على نحوٍ تناوبيٍّ تعاضُديٍّ وتبادليّ جادٍّ، ومن خلال حلقاتِ بحثٍ مخصَّصةٍ لهذه الغاية، لكي يعتادا بالمِرَانِ على الدور القياديّ الذي يُمكِنُ التعويلُ عليه مجتمعيًّا منذ البداية.

س
: نصيحة أخيرة ترغب في تقديمها للجيل الجديد من الباحثين العرب، وبخاصة أولئك المحاطين بصراعات الهوية واللغة والاغتراب؟
ج: أن يسعَيْنَ دائباتٍ وأن يسعَوا دائبين إلى تحطيم «الأنا الشاهدة» المكنونةِ فيهنَّ وفيهم، أن يسعَيْنَ دائباتٍ وأن يسعَوا دائبين ما استطعنَ وما استطاعوا إلى ذاك سبيلًا!

[انتهى القسم الثاني والأخير، لا الآخِر، من هذا الحوار]

*** *** ***

دبلن (إيرلندا)،
21 تموز (يوليو) 2026

حاوره عطاء ضرغام
كاتب ومخرج مسرحي

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى