لماذا تعثر مشروع انطولوجية الملحون
لم يعد تأخر مشروع "أنطولوجيا الملحون" مجرد مسألة إدارية أو تنظيمية يمكن تبريرها بتغيير المواعيد أو ربطها بالمناسبات الرسمية، بل أصبح عنوانًا لاختلال أعمق في تدبير أحد أهم الملفات المرتبطة بالذاكرة الثقافية المغربية. فحين تعجز مؤسسة وطنية عن إنجاز مشروع استراتيجي رغم ما تتوفر عليه من إمكانات مالية وبشرية ولوجستية، فإن الأمر يتجاوز التأخير العادي، ويطرح سؤال المسؤولية وربطها بالمحاسبة.
إن التراث الثقافي ليس ملكًا للمؤسسات، وإنما هو ملك للأمة. والدستور المغربي، في روحه ومقاصده، يجعل حماية الهوية الوطنية وصيانة الروافد الثقافية مسؤولية جماعية تتولاها الدولة ومؤسساتها. لذلك فإن أي تقصير في حفظ هذا التراث أو توثيقه أو نشره لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره مجرد تعثر إداري، بل باعتباره إخلالًا بواجب ثقافي وطني.
لقد كان إدراج شعر الملحون ضمن القائمة التمثيلية للتراث الثقافي اللامادي للإنسانية لدى اليونسكو حدثًا تاريخيًا، يفترض أن يفتح مرحلة جديدة من العمل العلمي الرصين، وأن يدفع المؤسسات إلى إطلاق مشاريع كبرى في التحقيق والتوثيق والنشر وفق المعايير الأكاديمية الدولية. لكن ما حدث بعد ذلك يبعث على الاستغراب؛ إذ بقيت المشاريع الكبرى تراوح مكانها، بينما تتوالى التأجيلات دون تقديم تفسير علمي مقنع للرأي العام الثقافي، حيث تشير المعطيات المتداولة إلى أن مشروع الأنطولوجيا كان مبرمجًا للصدور سنة 2024، ثم أُجل إلى سنة 2025، وبعدها إلى نهاية 2026، ليُربط اليوم باليوبيل الذهبي لأكاديمية المملكة المغربية سنة 2027. هذا التسلسل لا يمكن اعتباره مجرد إعادة برمجة زمنية، بل يكشف أزمة في التخطيط والإنجاز. فالمؤسسات التي تحترم نفسها تعلن عن المشاريع عندما تكون جاهزة، لا عندما تكون مجرد وعود قابلة للتأجيل في كل مناسبة، والأخطر من ذلك أن ربط مشروع علمي بمناسبة احتفالية يبعث برسالة خاطئة، وكأن قيمة العمل لا تُقاس بجودته، وإنما بتاريخ الإعلان عنه. والحال أن البحث العلمي لا يخضع لمنطق الاحتفال، وإنما لمنطق الإنجاز والدقة والالتزام. ، ومن حق الرأي العام أن يتساءل: أين تذهب الإمكانات؟
كيف يعجز مشروع واحد عن الخروج إلى النور طوال هذه السنوات، في الوقت الذي تتوفر فيه المؤسسة على ميزانيات، وأطر، وتقنيات رقمية، ووسائل لم تكن متاحة للأجيال السابقة؟
رحم الله الاستاذ محمد الفاسي لقد أنجز مشروع "معلمة الملحون" في ظروف كانت تفتقر إلى أبسط وسائل الرقمنة والتوثيق، ومع ذلك استطاع جمع عدد كبير من الدواوين وآلاف القصائد، ووضع لبنة أساسية في خدمة هذا التراث.
أما اليوم، وبعد عقود من التطور التقني، فما يزال المشروع يدور في دائرة مغلقة، وكأن وفرة الإمكانات تحولت إلى مبرر لمزيد من البطء، بدل أن تكون وسيلة لتسريع الإنجاز.
وهنا يصبح السؤال مشروعًا: هل تكمن الأزمة في نقص الوسائل؟ أم في غياب الكفاءة؟ أم في طريقة تدبير المشروع؟
أزمة اختصاص... لا أزمة إمكانات
إن الخلل الحقيقي لا يبدو ماليًا ولا تقنيًا، بل هو خلل في احترام مبدأ التخصص.
فشعر الملحون ليس مادة أدبية عامة يمكن لأي باحث أن يتناولها دون تكوين دقيق، بل هو حقل معرفي مستقل، له مصطلحاته، وأوزانه، وقياسه، ومرامته، وبناء قافيته، وخصوصياته اللغوية والفنية التي تحتاج إلى سنوات طويلة من الممارسة والبحث، لا يدركها إلا ابناء الملحون الشرعيين
ورغم ذلك، يلاحظ أن المشاريع الكبرى ما تزال تُدار بمنطق التعيين الإداري أكثر مما تُدار بمنطق الكفاءة العلمية، بينما يُستبعد الباحثون الذين راكموا خبرة ميدانية طويلة في التحقيق والتوثيق والدراسة.
وهذه ليست قضية أشخاص، وإنما قضية مبدأ.
ففي كل المؤسسات العلمية المحترمة، لا يُسند المشروع إلى صاحب المنصب، وإنما إلى صاحب الاختصاص. أما عندما يصبح الموقع الإداري بديلًا عن الكفاءة العلمية، فإن النتيجة تكون معروفة سلفًا: مشاريع متعثرة، وميزانيات تُستهلك، وزمن يُهدر، وثقة تتآكل.
هل استوعبت المؤسسة أخطاءها؟
لقد أثارت "موسوعة الملحون"، منذ صدورها، نقاشًا نقديًا واسعًا، تُوِّج ببيان علمي سنة 2024 رصد عددًا من الاختلالات المنهجية والتوثيقية.
وكان يفترض أن يكون ذلك البيان نقطة انطلاق لمراجعة شاملة، وإعادة بناء المشروع الجديد على أسس أكثر صرامة وانفتاحًا على أهل الاختصاص.
غير أن المؤشرات الحالية لا تدل على مراجعة حقيقية، بل توحي باستمرار الآليات نفسها، والعقليات نفسها، والاختيارات نفسها؛ وكأن النقد العلمي لا يعني المؤسسة، وكأن الباحثين لا وجود لهم إلا خارج أسوارها.
التراث ليس مجالًا للاحتكار
إن أخطر ما يواجه التراث المغربي اليوم ليس نقص الوثائق، ولا قلة الباحثين، وإنما احتكار القرار العلمي داخل دوائر ضيقة، وإقصاء الكفاءات المستقلة التي راكمت خبرة طويلة في هذا المجال.
فالتراث الوطني لا يجوز أن يتحول إلى مجال مغلق تتحكم فيه اعتبارات إدارية أو شبكات علاقات، لأن المعرفة لا تُدار بمنطق الولاءات، وإنما بمنطق الكفاءة والاستحقاق والشفافية.
ولذلك فإن أي مشروع يُنجز بعيدًا عن أهل الاختصاص، مهما بلغت ميزانيته، سيظل معرضًا للنقد، لأن الشرعية العلمية لا تُكتسب بالقرار الإداري، وإنما بجودة العمل.
كلمة أخيرة
إن مشروع "أنطولوجيا الملحون" يقف اليوم أمام اختبار حقيقي.
فإما أن تعيد المؤسسة النظر في طريقة تدبيره، وتفتح أبوابه أمام الباحثين المتخصصين، وتلتزم بالشفافية العلمية، وإما أن تضيف إلى سجلها مشروعًا آخر يستهلك الزمن والمال، دون أن يحقق ما ينتظره الباحثون والمهتمون.
إن الدفاع عن الملحون ليس دفاعًا عن قصائد قديمة، بل هو دفاع عن الذاكرة الثقافية للمغرب، وعن حق الأجيال القادمة في تراث موثق توثيقًا علميًا نزيهًا.
فالمؤسسات تُقاس بما تُنجزه، لا بما تُعلنه. والميزانيات تُبرَّر بالنتائج، لا بطول مدة الانتظار. أما التاريخ، فإنه لا يخلّد أصحاب المناصب، بل يخلّد من احترموا العلم، وصانوا الأمانة، وتركوا للأمة أعمالًا تبقى بعد رحيلهم.
شيخ الملحون. عيباري عبد المجيد
لم يعد تأخر مشروع "أنطولوجيا الملحون" مجرد مسألة إدارية أو تنظيمية يمكن تبريرها بتغيير المواعيد أو ربطها بالمناسبات الرسمية، بل أصبح عنوانًا لاختلال أعمق في تدبير أحد أهم الملفات المرتبطة بالذاكرة الثقافية المغربية. فحين تعجز مؤسسة وطنية عن إنجاز مشروع استراتيجي رغم ما تتوفر عليه من إمكانات مالية وبشرية ولوجستية، فإن الأمر يتجاوز التأخير العادي، ويطرح سؤال المسؤولية وربطها بالمحاسبة.
إن التراث الثقافي ليس ملكًا للمؤسسات، وإنما هو ملك للأمة. والدستور المغربي، في روحه ومقاصده، يجعل حماية الهوية الوطنية وصيانة الروافد الثقافية مسؤولية جماعية تتولاها الدولة ومؤسساتها. لذلك فإن أي تقصير في حفظ هذا التراث أو توثيقه أو نشره لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره مجرد تعثر إداري، بل باعتباره إخلالًا بواجب ثقافي وطني.
لقد كان إدراج شعر الملحون ضمن القائمة التمثيلية للتراث الثقافي اللامادي للإنسانية لدى اليونسكو حدثًا تاريخيًا، يفترض أن يفتح مرحلة جديدة من العمل العلمي الرصين، وأن يدفع المؤسسات إلى إطلاق مشاريع كبرى في التحقيق والتوثيق والنشر وفق المعايير الأكاديمية الدولية. لكن ما حدث بعد ذلك يبعث على الاستغراب؛ إذ بقيت المشاريع الكبرى تراوح مكانها، بينما تتوالى التأجيلات دون تقديم تفسير علمي مقنع للرأي العام الثقافي، حيث تشير المعطيات المتداولة إلى أن مشروع الأنطولوجيا كان مبرمجًا للصدور سنة 2024، ثم أُجل إلى سنة 2025، وبعدها إلى نهاية 2026، ليُربط اليوم باليوبيل الذهبي لأكاديمية المملكة المغربية سنة 2027. هذا التسلسل لا يمكن اعتباره مجرد إعادة برمجة زمنية، بل يكشف أزمة في التخطيط والإنجاز. فالمؤسسات التي تحترم نفسها تعلن عن المشاريع عندما تكون جاهزة، لا عندما تكون مجرد وعود قابلة للتأجيل في كل مناسبة، والأخطر من ذلك أن ربط مشروع علمي بمناسبة احتفالية يبعث برسالة خاطئة، وكأن قيمة العمل لا تُقاس بجودته، وإنما بتاريخ الإعلان عنه. والحال أن البحث العلمي لا يخضع لمنطق الاحتفال، وإنما لمنطق الإنجاز والدقة والالتزام. ، ومن حق الرأي العام أن يتساءل: أين تذهب الإمكانات؟
كيف يعجز مشروع واحد عن الخروج إلى النور طوال هذه السنوات، في الوقت الذي تتوفر فيه المؤسسة على ميزانيات، وأطر، وتقنيات رقمية، ووسائل لم تكن متاحة للأجيال السابقة؟
رحم الله الاستاذ محمد الفاسي لقد أنجز مشروع "معلمة الملحون" في ظروف كانت تفتقر إلى أبسط وسائل الرقمنة والتوثيق، ومع ذلك استطاع جمع عدد كبير من الدواوين وآلاف القصائد، ووضع لبنة أساسية في خدمة هذا التراث.
أما اليوم، وبعد عقود من التطور التقني، فما يزال المشروع يدور في دائرة مغلقة، وكأن وفرة الإمكانات تحولت إلى مبرر لمزيد من البطء، بدل أن تكون وسيلة لتسريع الإنجاز.
وهنا يصبح السؤال مشروعًا: هل تكمن الأزمة في نقص الوسائل؟ أم في غياب الكفاءة؟ أم في طريقة تدبير المشروع؟
أزمة اختصاص... لا أزمة إمكانات
إن الخلل الحقيقي لا يبدو ماليًا ولا تقنيًا، بل هو خلل في احترام مبدأ التخصص.
فشعر الملحون ليس مادة أدبية عامة يمكن لأي باحث أن يتناولها دون تكوين دقيق، بل هو حقل معرفي مستقل، له مصطلحاته، وأوزانه، وقياسه، ومرامته، وبناء قافيته، وخصوصياته اللغوية والفنية التي تحتاج إلى سنوات طويلة من الممارسة والبحث، لا يدركها إلا ابناء الملحون الشرعيين
ورغم ذلك، يلاحظ أن المشاريع الكبرى ما تزال تُدار بمنطق التعيين الإداري أكثر مما تُدار بمنطق الكفاءة العلمية، بينما يُستبعد الباحثون الذين راكموا خبرة ميدانية طويلة في التحقيق والتوثيق والدراسة.
وهذه ليست قضية أشخاص، وإنما قضية مبدأ.
ففي كل المؤسسات العلمية المحترمة، لا يُسند المشروع إلى صاحب المنصب، وإنما إلى صاحب الاختصاص. أما عندما يصبح الموقع الإداري بديلًا عن الكفاءة العلمية، فإن النتيجة تكون معروفة سلفًا: مشاريع متعثرة، وميزانيات تُستهلك، وزمن يُهدر، وثقة تتآكل.
هل استوعبت المؤسسة أخطاءها؟
لقد أثارت "موسوعة الملحون"، منذ صدورها، نقاشًا نقديًا واسعًا، تُوِّج ببيان علمي سنة 2024 رصد عددًا من الاختلالات المنهجية والتوثيقية.
وكان يفترض أن يكون ذلك البيان نقطة انطلاق لمراجعة شاملة، وإعادة بناء المشروع الجديد على أسس أكثر صرامة وانفتاحًا على أهل الاختصاص.
غير أن المؤشرات الحالية لا تدل على مراجعة حقيقية، بل توحي باستمرار الآليات نفسها، والعقليات نفسها، والاختيارات نفسها؛ وكأن النقد العلمي لا يعني المؤسسة، وكأن الباحثين لا وجود لهم إلا خارج أسوارها.
التراث ليس مجالًا للاحتكار
إن أخطر ما يواجه التراث المغربي اليوم ليس نقص الوثائق، ولا قلة الباحثين، وإنما احتكار القرار العلمي داخل دوائر ضيقة، وإقصاء الكفاءات المستقلة التي راكمت خبرة طويلة في هذا المجال.
فالتراث الوطني لا يجوز أن يتحول إلى مجال مغلق تتحكم فيه اعتبارات إدارية أو شبكات علاقات، لأن المعرفة لا تُدار بمنطق الولاءات، وإنما بمنطق الكفاءة والاستحقاق والشفافية.
ولذلك فإن أي مشروع يُنجز بعيدًا عن أهل الاختصاص، مهما بلغت ميزانيته، سيظل معرضًا للنقد، لأن الشرعية العلمية لا تُكتسب بالقرار الإداري، وإنما بجودة العمل.
كلمة أخيرة
إن مشروع "أنطولوجيا الملحون" يقف اليوم أمام اختبار حقيقي.
فإما أن تعيد المؤسسة النظر في طريقة تدبيره، وتفتح أبوابه أمام الباحثين المتخصصين، وتلتزم بالشفافية العلمية، وإما أن تضيف إلى سجلها مشروعًا آخر يستهلك الزمن والمال، دون أن يحقق ما ينتظره الباحثون والمهتمون.
إن الدفاع عن الملحون ليس دفاعًا عن قصائد قديمة، بل هو دفاع عن الذاكرة الثقافية للمغرب، وعن حق الأجيال القادمة في تراث موثق توثيقًا علميًا نزيهًا.
فالمؤسسات تُقاس بما تُنجزه، لا بما تُعلنه. والميزانيات تُبرَّر بالنتائج، لا بطول مدة الانتظار. أما التاريخ، فإنه لا يخلّد أصحاب المناصب، بل يخلّد من احترموا العلم، وصانوا الأمانة، وتركوا للأمة أعمالًا تبقى بعد رحيلهم.
شيخ الملحون. عيباري عبد المجيد