علي سيف الرعيني -|مع تحول الهاتف الى غرفة اخبار هل انتهى زمن الفضائيات ؟

لم يعد الناس ينتظرون المذيع ليخبرهم بما حدث، ولا يترقبون موعد النشرة المسائية كي يعرفوا ماذا يجري في العالم. يكفي أن يهتز الهاتف في يد أحدهم حتى تنهال عليه الأخبار والصور والمقاطع والتعليقات من كل اتجاه لقد تغيرت العلاقة بين الإنسان والخبر بصورة لم يكن يتخيلها أحد قبل سنوات قليلة. أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي غرفة أخبار مفتوحة على مدار الساعة وأصبح الهاتف شاشة صغيرة تختصر العالم كله لكن وسط هذا الزحام، يبرز سؤال أكثر أهمية من مجرد المقارنة بين الهاتف والتلفاز:
هل أصبحت مواقع التواصل قادرة فعلا على أن تمنحنا المعلومة الكاملة، أم أنها تمنحنا مجرد أجزاء متناثرة من الحقيقة؟
لا شك أن مواقع التواصل أحدثت ثورة حقيقية في صناعة الخبر. فقد كسرت احتكار المؤسسات الإعلامية للمعلومة، وأعطت المواطن العادي فرصة لأن يكون شاهدًا وناقلًا ومشاركًا في الحدث. وفي كثير من الأحيان، تصل صورة أو مقطع من مكان الحدث قبل أن تصل إليه الكاميرات المهنية.لكن سرعة الوصول لا تعني بالضرورة اكتمال المعرفة
فقد نعرف من مواقع التواصل أن شيئًا ما حدث، لكننا لا نعرف دائمًا لماذا حدث، ومن يقف خلفه، وما سياقه، وما النتائج التي يمكن أن تترتب عليه. وقد نشاهد صورة حقيقية، لكنها تُستخدم خارج زمانها ومكانها لتمنح المتلقي انطباعًا مضللا
وهنا تكمن واحدة من أخطر مشكلات عصرنا: أن الحقيقة أصبحت تنافس السرعة وغالبا ما تخسر أمامها
في المقابل، ما زالت الفضائيات المهنية تمتلك مساحة لا توفرها عادةً المنشورات السريعة. فالتقرير التلفزيوني يستطيع أن يجمع الصورة والشهادة والتحليل ويستضيف المتخصص، ويضع الحدث في سياقه السياسي والاقتصادي والاجتماعي
ومع ذلك، فإن الفضائيات نفسها لم تعد قادرة على تجاهل مواقع التواصل. فالمشاهد الذي كان ينتظر النشرة أصبح اليوم يعرف الخبر قبل أن تبدأ، وقد يناقش تفاصيله قبل أن يصل المذيع إلى الاستوديو
لقد انتقل الإعلام من عصر انتظر الخبر إلى عصر الخبر يطاردك
وهذه النقلة فرضت على القنوات والصحف والمواقع الإلكترونية إعادة التفكير في دورها. فلم يعد كافيًا أن تكون المؤسسة الإعلامية أول من ينشر الخبر، لأن الهاتف قد يسبقها بثوانٍ. القيمة الجديدة أصبحت في التحقق، والتحليل، والتفسير، وربط الأحداث، وكشف ما وراء الخبر
أما الجمهور، فقد أصبح أمام مسؤولية لا تقل أهمية عن مسؤولية الإعلام نفسه فليس كل ما نقرأه يستحق التصديق، وليس كل ما يثير غضبنا يستحق المشاركة، وليس كل مقطع يحصد ملايين المشاهدات يمثل الحقيقة الكاملة
لقد أصبح المتلقي بحاجة إلى ثقافة إعلامية تمكنه من السؤال قبل المشاركة: من نشر؟ متى صُورت الصورة؟ ما المصدر؟ هل هناك مصادر أخرى تؤكدها؟ وهل الخبر حقيقة أم مجرد رواية مصممة لإثارة الانفعال؟
إن أخطر ما يمكن أن يحدث في عصر التواصل ليس أن تصل المعلومة متأخرة، وإنما أن تصل المعلومة الخاطئة بسرعة هائلة
ولهذا فإن المعركة الحقيقية اليوم ليست بين فيسبوك ويوتيوب وإكس من جهة وبين الفضائيات من جهة أخرى بل بين المعلومة الموثوقة والمعلومة المضللة
فالوسيلة ليست هي المشكلة
المشكلة في المحتوى، وفي أخلاق من يصنعه، وفي وعي من يستقبله
قد يكون الهاتف أكثر سرعة من التلفاز، لكن السرعة وحدها لا تصنع إعلامًا. وقد تكون الفضائية أكثر قدرة على التحليل، لكن التحليل بلا مهنية لا يصنع حقيقة. وبين هذا وذاك يبقى الإنسان هو الحلقة الأهم؛ لأنه هو من يختار ماذا يقرأ، وماذا يشاهد، وماذا يصدق، وماذا يعيد نشره
ولذلك فإن مستقبل الإعلام لن يكون لشاشة واحدة
سيكون للمؤسسة التي تستطيع أن تكون حاضرة في الهاتف والتلفاز والموقع والمنصة، وأن تقدم للمواطن ما هو أبعد من الخبر أن تمنحه الحقيقة في سياقها والمعرفة في عمقها، والصورة دون تزييف
لقد انتهى بالفعل زمن الجمهور الذي يجلس أمام شاشة واحدة وينتظر العالم أن يأتي إليه لكن لم ينتهِ زمن الفضائيات
الذي انتهى هواحتكار الشاشة للحقيقة
أما الحقيقة نفسها، فما زالت تبحث عن إعلام يحترم عقل الإنسان، وعن صحفي لا يبيعها من أجل سبق، وعن متلقٍ لا يشاركها قبل أن يتأكد منها
وفي زمن أصبح فيه كل شخص قادرًا على نشر خبر ربما أصبح العالم في أمسّ الحاجة إلى من يعرف كيف يفرّق بين الخبر والحقيقة!!

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى