أ. د. ياس خضير البياتي - على ضفاف "النهر الثالث"… سؤال وجواب: الحلقة الخامسة – سؤال الصحفية الرائدة مها البياتي

كيف تختار الشخصيات، وأنت أمام بحرٍ من أسماء الصحافة والأدب والفكر، بعضها حاضر بقوة وبعضها غائب كأنه لم يكن؟
في كل حلقة، يطلّ سؤال جديد كأنه مصباح يضيء زاوية أخرى من هذا المشروع الموسوعي.
الأسئلة ليست مجرد استفسارات، بل هي محطات تكشف عمق الطريق وصعوبة الرحلة. وهنا، يأتي صوت الصحفية الرائدة مها البياتي، ليضعني أمام أصعب الأسئلة: كيف أختار الشخصيات، وأنا أمام بحرٍ من أسماء الصحافة والأدب والفكر، بعضها حاضر بقوة وبعضها غائب كأنه لم يكن؟


FB_IMG_1786567833338.jpg


جوابي
####
الجواب الموسّع هذا السؤال هو الأصعب، وهذه المهمة هي الأشد تعقيدًا. فأنا أمام أسماء كثيرة، وأمام أسماء مفقودة من الأرشيف، بعضها رحل عن الدنيا وكان مؤثرًا، لكنه لم يترك لنا أثرًا موثقًا لحياته وأعماله.
الأسباب متعددة، لكن أهمها غياب ثقافة التوثيق، ونكران الذات الذي جعل كثيرين يذوبون في الظل دون أن يتركوا سجلًا يليق بهم.
كنت صريحًا مع نفسي: معيار الاختيار لا يقوم على المناصب أو الشهادات العليا، بل على الحضور القوي والتأثير الفعلي.
أي أن الشخصية تُختار لأنها كانت قوة بارزة في الابتكار والتطوير، ولأنها تركت أعمالًا ميدانية في الصحافة أو الأدب أو الفكر، لا لأنها شغلت منصبًا أو حملت لقبًا.
المعيار الثاني هو التأثير على الرأي العام. فقد نجد شخصًا عاش فترة قصيرة لكنه ترك أثرًا عميقًا، بينما آخر امتدت مسيرته سنوات طويلة لكن تأثيره كان باهتًا. لذلك، أحاول المزج بين الحالتين، لأعطي لكل تجربة وزنها الحقيقي.
كما حرصت أن لا أكتفي بالشخصيات الصحفية في ميدان التحرير، بل ضممت أيضًا المصممين والمصورين الذين كانت لهم بصمة فنية بارزة في صناعة الصحافة العراقية. هؤلاء غالبًا ما يُهمل ذكرهم، لكنهم جزء من المشهد الذي لا يكتمل من دونهم.
وهنا أود أن أنوّه إلى نقطة مهمة: لقد واجهت ضغوطًا من بعض الزملاء الأعزاء، ممن يحملون شهادات عليا في الإعلام أو الأدب أو اللغة أو العلوم، وكانوا يتساءلون عن سبب عدم إدراجهم. لكنني اخترت أن يكون المعيار هو العمل الميداني، لا الشهادات. لأنني لو اعتمدت على الشهادات وحدها، لاحتجت إلى موسوعات لا موسوعة واحدة. لذلك، أعتذر منهم مقدمًا، وأؤكد أن المشروع لا يقصي أحدًا، لكنه يضع الأولوية لمن ترك أثرًا حيًا في الميدان.
هكذا، يصبح الاختيار رحلة صعبة بين الغائب والحاضر، بين الأثر واللقب، بين من عاشوا في الذاكرة ومن محاهم النسيان. ومع ذلك، يبقى الهدف أن نعيد بناء صورة كاملة للصحافة والأدب والفكر في العراق، لا أن نكتفي بظلال ناقصة

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى