يحيى بركات - نوافذ مفتوحة على عالم يتشكل حين استدار العالم "أميركا في قبضة قوة أجنبية"... الكتاب الذي فتح صندوق اللوبي الإسرائيلي

وضعت الكتاب أمامي.
ولم أفتحه.
بقيت أنظر إلى الغلاف، وإلى عنوان بدا لي أكبر من أن يكون مجرد عنوان لكتاب:
Israel’s Lobby: America in the Grip of a Foreign Power
«لوبي إسرائيل: أميركا في قبضة قوة أجنبية».
توقفت طويلًا عند الكلمات الأخيرة.
أميركا... في قبضة قوة أجنبية.
أميركا؟
الدولة التي تنتشر قواعدها العسكرية في العالم، وتعبر حاملات طائراتها البحار، وتملك الدولار والفيتو وأكبر آلة عسكرية عرفها التاريخ، يقول كاتبان أميركيان إنها أصبحت «في قبضة قوة أجنبية»؟
ومن تكون هذه القوة؟
ليست الصين.
ولا روسيا.
ولا إمبراطورية تنازع أميركا قيادة العالم.
إنها إسرائيل.
دولة صغيرة إذا قيست بالولايات المتحدة مساحة وسكانًا واقتصادًا وقوة عسكرية، وتعتمد هي نفسها على السلاح والمال والحماية السياسية الأميركية.
هنا فقط فتحت الكتاب.
لم أدخله باحثًا عن جملة تؤكد موقفًا أحمله مسبقًا.
دخلته بسؤال.
وأريد أن أمسك بيد القارئ، لا لأقوده إلى إجابة جاهزة، بل لندخل معًا إلى هذا السؤال:
كيف يمكن لدولة تحتاج إلى أميركا في سلاحها ومالها وحمايتها السياسية أن تصبح، وفق أطروحة الكتاب، قادرة على التأثير إلى هذا الحد في قرار الدولة التي تمنحها كل ذلك؟
لنبدأ من أول المشاهد.
مؤلفا الكتاب ليسا فلسطينيين.
إيلي كليفتون صحفي استقصائي أميركي أمضى سنوات في تتبع المال السياسي وشبكات النفوذ، وإيان لوستيك أستاذ علوم سياسية أميركي بارز، عمل خبيرًا في وزارة الخارجية الأميركية في الشأن الإسرائيلي ـ الفلسطيني.
وهما لا يقدمان لنا حكاية ساذجة عن رجل يجلس في تل أبيب، يرفع سماعة الهاتف، فيجيب البيت الأبيض: حاضر.
لو كانت الحكاية بهذه البساطة لما احتاجت إلى كتاب.
ما نراه أكثر تعقيدًا.
شبكة نُسجت خيطًا بعد خيط على مدى عقود: AIPAC، لجان عمل سياسي، كبار مانحين، مراكز أبحاث، جمعيات ومؤسسات، علاقات داخل الكونغرس، تدخل في الانتخابات، حضور في الجامعات والإعلام، وتشابك متزايد بين المصالح العسكرية والتكنولوجية الأميركية والإسرائيلية.
لم تُغلق القبضة في ليلة واحدة.
ولهذا يعيدنا المؤلفان إلى بداية الفيلم.
إلى عام 1948.
هاري ترومان في البيت الأبيض.
دولة إسرائيل على وشك الإعلان.
داخل الإدارة الأميركية أصوات ثقيلة، في مقدمتها وزير الخارجية جورج مارشال، تحذر من الاعتراف المتسرع بها، وتنظر إلى القضية من زاوية المصالح الأميركية، والعلاقة مع العالم العربي، واحتمالات الحرب.
لكن أمام ترومان أيضًا انتخابات.
وهناك ضغط سياسي داخلي.
ثم يأتي القرار.
تعترف الولايات المتحدة بإسرائيل بعد دقائق من إعلان قيامها.
لا أريد أن أختزل قرارًا تاريخيًا بهذا التعقيد في سبب واحد، ولا يحتاج المؤلفان إلى ذلك كي يبنيا حجتهما.
ما يعنيني هو أن اللقطة الأولى وضعت على الطاولة سؤالًا سيظل معنا طوال الرحلة:
ماذا يحدث عندما لا تتطابق حسابات السياسة الخارجية الأميركية مع حسابات السياسة الداخلية الأميركية تجاه إسرائيل؟
اترك السؤال مفتوحًا.
وتعال معي سبعة وعشرين عامًا إلى الأمام.
الرئيس جيرالد فورد ووزير خارجيته هنري كيسنجر غاضبان من حكومة إسرائيل، ويحاولان إجراء «إعادة تقييم» للعلاقة معها.
وفجأة تصل الرسالة.
رسالة أعدتها AIPAC ووقعها 76 عضوًا في مجلس الشيوخ الأميركي.
توقفت عند الرقم.
ستة وسبعون.
ليسوا أعضاء في الكنيست.
إنهم أعضاء مجلس الشيوخ الأميركي.
رئيس الولايات المتحدة يقف في جهة، وثلاثة أرباع مجلس الشيوخ تقريبًا يرسلون إليه رسالة في الجهة الأخرى.
وتتراجع «إعادة التقييم».
هنا بدأت أفهم أن الكتاب لا يحدثني عن المال فقط.
إنه يحدثني عن شيء آخر:
صناعة الثمن.
تمر الكاميرا.
كارتر.
بوش الأب.
كلينتون.
بوش الابن.
أوباما.
ترامب.
بايدن.
رؤساء مختلفون.
ديمقراطيون وجمهوريون.
بعضهم أحب إسرائيل، وبعضهم اصطدم بحكوماتها، وبعضهم حاول الضغط عليها، وبعضهم لم يكن بحاجة أصلًا إلى من يضغط عليه؛ لأن رؤيته السياسية والأيديولوجية كانت متقاطعة مع رؤيتها.
لكن شيئًا ظل حاضرًا:
يعرف السياسي الأميركي أن لإسرائيل حسابًا خاصًا.
وهنا وجدت، في قراءتي، واحدة من أهم الأفكار التي يفتحها الكتاب.
فالسلطة ليست دائمًا أن تقول للرجل: افعل.
هناك سلطة أعمق.
أن تجعله، قبل أن يفعل، يسأل نفسه: ماذا سيحدث لي إذا لم أفعل؟
أن يعرف عضو الكونغرس أن هناك من يستطيع تمويل منافسه.
أن يعرف المرشح أن ملايين الدولارات يمكن أن تدخل دائرته الانتخابية.
أن يعرف الرئيس حجم العاصفة التي قد تنتظره.
أن يعرف الأستاذ الجامعي أن كلمة يمكن أن تفتح عليه أبوابًا لا يريدها.
وأن يعرف الصحفي أن بعض الأسئلة أكثر كلفة من غيرها.
عندما تصل القوة إلى هذه المرحلة، لا تحتاج إلى الجلوس على كل كرسي.
يكفي أن يكون الخوف منها جالسًا عليه.
وهذه، في رأيي، واحدة من أخطر صور القوة.
ثم دخل المال إلى المشهد بصورة أكبر.
لم يعد اللوبي مجرد شخص يحمل ملفًا ويطرق باب سيناتور.
أصبح المال قادرًا على الدخول مباشرة إلى المعركة الانتخابية.
مرشح ينبغي أن يفوز.
وآخر ينبغي أن يخسر.
إعلانات.
لجان عمل سياسي.
مانحون كبار.
وملايين تتحرك.
وهنا يرسم كليفتون ولوستيك شبكة أوسع بكثير من AIPAC وحدها.
لكنني توقفت مرة أخرى.
لأن عنوان الكتاب عاد يزعجني:
«أميركا في قبضة قوة أجنبية».
قلت لنفسي:
لحظة.
من يدفع جزءًا كبيرًا من هذا المال؟
أميركيون.
ومن يقبله؟
سياسيون أميركيون.
ومن ينتخب هؤلاء السياسيين؟
أميركيون.
وماذا عن الصهيونية المسيحية الأميركية؟
وماذا عن المجمع الصناعي العسكري؟
وشركات السلاح والتكنولوجيا؟
ومراكز الأبحاث؟
والمانحين المليارديرات؟
هنا بدأت أختلف مع الصورة التي قد يصنعها العنوان، لا بالضرورة مع الوقائع التي يكشفها الكتاب.
فأميركا ليست رجلًا بريئًا خُطف في شارع مظلم.
وإسرائيل ليست يدًا غريبة دخلت من النافذة بينما كان الجميع نائمين.
الحكاية أخطر من ذلك.
لقد وجدت إسرائيل داخل أميركا قوى ترى في إسرائيل مصلحة لها، ووجدت قوى أميركية في إسرائيل ما يخدم مصالحها وحروبها وأيديولوجيتها وأسواقها ورؤيتها للشرق الأوسط.
تشابكت الأصابع.
ومع مرور العقود أصبح من الصعب أحيانًا أن نرى:
أين تنتهي اليد الإسرائيلية... وأين تبدأ اليد الأميركية؟
وهنا تغير سؤالي.
لم يعد: هل تسيطر إسرائيل على أميركا؟
بل: كيف استطاعت دولة الاحتلال أن تجعل مصالحها متداخلة إلى هذا الحد مع مصالح قوى داخل الدولة الأقوى في العالم؟
في رأيي، هذا السؤال أخطر من عنوان الكتاب نفسه.
لكن المال لا يكفي لبناء قوة بهذا الحجم.
القوة تحتاج إلى شيء آخر.
تحتاج إلى اللغة.
وإلى القدرة على رسم حدود ما يمكن قوله وما يصعب قوله.
وهنا ندخل واحدة من أكثر المناطق حساسية.
معاداة السامية حقيقة تاريخية بشعة، دفع اليهود ثمنها اضطهادًا ومذابح ومحارق، ورفضها موقف أخلاقي لا يحتاج إلى مساومة.
لكن نقد الصهيونية ليس كراهية لليهود.
ونقد إسرائيل ليس عداءً لليهودية.
والاحتجاج على الاحتلال والاستيطان ليس، بذاته، معاداة للسامية.
اليهودية دين وثقافة وهوية.
والصهيونية مشروع سياسي.
وإسرائيل دولة، وسياساتها قابلة للنقد والمساءلة مثل أي دولة.
المشكلة تبدأ عندما تُمحى الحدود بين هذه الأشياء.
فالكتاب يناقش كيف يمكن لاستخدام اتهامات معاداة السامية أن يضيق مساحة النقاش حول إسرائيل، خصوصًا في الجامعات والمؤسسات العامة.
وهنا لم أعد أقرأ كتابًا عن فلسطين وإسرائيل فقط.
بدأت أقرأ كتابًا عن حرية الأميركي نفسه.
هل يستطيع الطالب أن يسأل؟
هل يستطيع الأستاذ أن يناقش الصهيونية؟
هل يستطيع الصحفي أن يحقق؟
هل يستطيع السياسي أن يقول إن مصلحة إسرائيل ليست بالضرورة مصلحة الولايات المتحدة؟
عندما يصبح مجرد السؤال مكلفًا...
نعرف أن القوة تجاوزت المال.
لقد دخلت إلى اللغة.
ثم جاءت غزة.
وهنا تغير الفيلم.
كل آلة النفوذ التي يرسم الكتاب تاريخها نشأت في زمن كانت فيه الرواية تمر عبر بوابات.
حكومة.
وكالة أنباء.
صحيفة.
شبكة تلفزيون.
مراسل.
محرر.
ثم تصل الصورة إلى الناس.
أما اليوم، فهناك شاشة صغيرة في يد كل إنسان.
القنبلة تسقط في غزة... وبعد دقائق يراها طالب في نيويورك.
الأم تصرخ... فيسمعها شاب في ميشيغان.
الخيمة تحترق... فتظهر على هاتف طالبة في كاليفورنيا.
والأغرب أن بعض جنود الاحتلال أنفسهم صوروا ما يفعلونه ونشروه.
لم تعد الرواية تمر دائمًا عبر حارس البوابة القديم.
الصورة كسرت حصار الرواية قبل أن يُكسر الحصار عن غزة.
وهنا، كمخرج، أعرف ماذا تستطيع الصورة أن تفعل.
يمكنك أن تجادل ألف كلمة.
أن تصوغ بيانًا.
أن تستدعي خبيرًا.
أن تختار مفرداتك بعناية.
لكن الصورة تدخل من مكان آخر.
لا تسأل المشاهد أولًا عن حزبه.
ولا عن دينه.
ولا عن الصحيفة التي يقرأها.
تدخل إلى العين.
ومن العين إلى الذاكرة.
ولهذا يمكن للرواية السياسية أن تربح نشرة أخبار... ثم تخسر أمام طفل يخرج من تحت الركام.
وبدأت الأرقام تتحرك.
في مارس/آذار 2026 وجد مركز Pew أن 60 في المئة من الأميركيين ينظرون إلى إسرائيل بصورة سلبية، مقارنة بـ42 في المئة عام 2022.
ثمانون في المئة من الديمقراطيين والديمقراطيين الميالين ينظرون إليها سلبًا.
وحتى بين الجمهوريين دون الخمسين، أصبحت الأغلبية، 57 في المئة، تحمل نظرة سلبية.
ثم جاءت بيانات أخرى في مايو لتظهر أن النظرة السلبية لم تعد مقتصرة على الحكومة الإسرائيلية؛ فقد ازدادت أيضًا النظرة السلبية إلى الإسرائيليين أنفسهم مقارنة بالسنوات السابقة، بينما بقيت النظرة إلى الفلسطينيين أكثر استقرارًا.
لا أقرأ هذه الأرقام باعتبارها إعلان انتصار.
ولا أرى فيها أن أميركا أصبحت فجأة فلسطينية.
أراها بطريقة أخرى.
الآلة ما زالت قوية... لكن الأرض التي تقف عليها لم تعد الأرض نفسها.
ثم جاء صندوق الاقتراع.
ميشيغان.
عبدول السيد.
مرشح أميركي مسلم من أصول مصرية، اتخذ موقفًا واضحًا من غزة ومن المال السياسي المؤيد لإسرائيل.
دخلت عشرات الملايين إلى المعركة من جهات مؤيدة لإسرائيل.
وفق قواعد اللعبة القديمة، كان يفترض أن تكون الأموال رسالة إلى المرشح: انتبه.
لكن شيئًا مختلفًا بدأ يحدث.
أصبح المال نفسه موضوعًا للنقاش.
لم يعد السؤال فقط: من تدعمه AIPAC؟
ظهر سؤال معاكس: لماذا تُنفق كل هذه الأموال لإسقاط هذا المرشح؟
وفاز عبدول السيد.
ثم جاءت مينيسوتا.
بيغي فلاناغان، المرشحة التي رفضت أموال AIPAC واتخذت موقفًا شديد النقد من الحرب الإسرائيلية، هزمت منافستها أنجي كريغ وفازت بترشيح الحزب الديمقراطي لمجلس الشيوخ.
حالتان لا تصنعان ثورة.
وانتخابات تمهيدية لا تعني أن السياسة الخارجية الأميركية انقلبت.
لكنني أعرف أيضًا أن التاريخ لا يظهر في يومه الأول مرتديًا لافتة تقول: أنا التاريخ.
يبدأ أحيانًا بتصدع صغير في جدار.
ثم آخر.
ثم نكتشف، بعد سنوات، أن الجدار الذي اعتقد الجميع أنه أبدي كان قد بدأ السقوط من ذلك الشق الصغير.
وما يلفتني هنا ليس فقط أن مرشحين فازا.
الذي يعنيني هو معادلة الخوف.
كان السؤال: هل تستطيع أن تفوز إذا أغضبت AIPAC؟
والآن بدأ يظهر سؤال لم يكن مألوفًا بهذه القوة: هل يمكن أن تخسر لأن الناخب اكتشف أن AIPAC تقف خلفك؟
إذا ثبت هذا الاتجاه واتسع، فهنا لا نكون أمام تغير في انتخابات.
نكون أمام تغير في معنى القوة نفسها.
وهنا يعود عنوان الكتاب مرة أخرى.
«أميركا في قبضة قوة أجنبية».
هل بدأت القبضة ترتخي؟
لا أستطيع أن أقول ذلك بعد.
ولا أريد أن أبيع القارئ وهمًا جميلًا.
السلاح الأميركي ما زال يصل.
والغطاء السياسي ما زال قائمًا.
والكونغرس ما زالت فيه كتلة هائلة مؤيدة لإسرائيل.
والتشابك الأمني والعسكري والتكنولوجي أعمق من أن تهدمه انتخابات هنا أو استطلاع هناك.
بل إن هذه ربما تكون إحدى مفارقات اللحظة كلها:
الرأي العام يتحرك أسرع من الدولة.
وهنا أرى أمامي ساعتين.
ساعة معلقة في الشارع.
وساعة معلقة داخل المؤسسة.
ساعة المجتمع تتحرك بسرعة.
وساعة السلطة بطيئة.
الطالب أسرع من السيناتور.
والجامعة أسرع من البنتاغون.
والصورة أسرع من البيان الرسمي.
والضمير قد يتغير في ليلة... أما المؤسسة التي بنت مصالحها في ثمانية عقود، فلا تستدير بهذه السرعة.
ولهذا ربما لا نشاهد اليوم أميركا واحدة.
نشاهد أميركتين تعيشان في اللحظة نفسها.
أميركا قديمة ما زالت قوية داخل المؤسسات.
وأميركا أخرى تتشكل في الجامعات والشوارع وصناديق الاقتراع وبين الأجيال الجديدة.
لا أعرف أيهما ستنتصر.
لكنني أعرف أن الثانية أصبحت موجودة.
وهذا وحده ليس تفصيلًا صغيرًا.
أغلقت الكتاب.
وعدت إلى الغلاف الذي بدأت منه.
«أميركا في قبضة قوة أجنبية».
بعد هذه الرحلة لم أعد أقرأ العبارة بالطريقة نفسها.
ربما استطاعت إسرائيل أن تبني نفوذًا هائلًا داخل أميركا.
لكن أميركا لم تكن بريئة من صناعة هذا النفوذ.
هي التي سلحت.
وهي التي مولت.
وهي التي استخدمت الفيتو.
وهي التي منحت الحماية السياسية.
وهي التي شاهدت الاحتلال يتمدد والاستيطان يلتهم الأرض، ثم واصلت الحديث عن «عملية السلام».
إذا كانت هناك قبضة... فقد ساهمت أميركا نفسها في صناعة أصابعها.
وهنا يبدأ سؤالي، أنا الفلسطيني، من المكان الذي ينتهي عنده تقريبًا سؤال الكتاب.
كليفتون ولوستيك يسألان: من يؤثر في القرار الأميركي؟
وأنا أسأل: ومن دفع ثمن هذا القرار؟
لم يدفعه الملياردير الذي كتب الشيك.
ولم يدفعه عضو الكونغرس الذي رفع يده.
ولم يدفعه موظف اللوبي الذي أغلق حقيبته في الخامسة وعاد إلى بيته.
كان القرار يُصنع في واشنطن... لكن الفاتورة كانت تصل إلى فلسطين.
تصل على هيئة مستوطنة فوق جبل.
بيت يهدم.
أرض تصادر.
حاجز يقسم قرية.
أسير يغيب خلف الباب.
طفل يولد في مخيم لأن جده طُرد من مدينة لم يرها الحفيد إلا في الصور.
لاجئ يكبر وهو يحمل مفتاحًا لبيت صار الوصول إليه حلمًا.
وفي غزة... وصلت الفاتورة نارًا وركامًا وجوعًا وموتًا.
نحو ثمانية عقود، كان الفلسطيني يدفع من أرضه وحريته وحياة أبنائه ثمن قرارات لم يكن يجلس إلى الطاولة التي صُنعت عليها.
وهنا، بالنسبة إليّ، يصبح الكتاب أكبر من AIPAC.
إنه يفتح سؤالًا عن طبيعة القوة نفسها.
فالقوة ليست فقط أن تمتلك الطائرة.
القوة أن تقنع العالم لماذا يحق لك استخدامها.
وليست فقط أن تمتلك الدبابة.
القوة أن تجعل الضحية مطالبة في كل مرة بشرح لماذا وقفت أمامها.
وليست فقط أن تمتلك المال.
القوة أن تحدد الكلمات التي سيصف بها الآخرون ما تفعله.
هنا أفهم لماذا كانت معركة الرواية جزءًا من معركة الأرض منذ البداية.
لأن من ينجح في تسمية الأشياء يقطع نصف الطريق إلى التحكم في معناها.
احتلال يمكن أن يسمى «نزاعًا».
استيطان يمكن أن يسمى «أحياء».
شعب يقاوم الاحتلال يمكن اختزاله إلى «مشكلة أمنية».
وأرض مسلوبة يمكن أن تتحول في اللغة إلى «أرض متنازع عليها».
الكلمة هنا ليست زينة.
الكلمة جزء من ميزان القوى.
ولهذا ربما تكون أخطر خسارة يمكن أن تتعرض لها دولة الاحتلال ليست أن تخسر تصويتًا في الكونغرس.
ولا مرشحًا في ميشيغان.
ولا ملايين الدولارات في حملة انتخابية.
الخسارة الأخطر تبدأ عندما تفقد قدرتها على تعريف الأشياء للآخرين.
عندما يرى العالم الاحتلال ويسميه احتلالًا.
والاستيطان ويسميه استيطانًا.
ويرى الفلسطيني إنسانًا كامل الإنسانية، لا رقمًا في بيان عسكري.
ويرى أن أمن الإسرائيلي لا يمكن أن يُبنى إلى الأبد على غياب أمن الفلسطيني.
وأن الحرية إذا كانت حقًا للإنسان، فلا يمكن أن تكون حقًا لشعب وامتيازًا ممنوعًا عن شعب آخر.
هنا تبدأ الاستدارة الحقيقية.
وضعت الكتاب أمامي مرة أخرى.
هذه المرة لم أنظر إلى الغلاف.
نظرت من النافذة.
وفكرت في شيء أبعد من إسرائيل وأميركا.
كل قوة في التاريخ اعتقدت، في لحظة ما، أنها دائمة.
الإمبراطوريات اعتقدت ذلك.
الاستعمار اعتقد ذلك.
نظام الفصل العنصري اعتقد ذلك.
كلها امتلكت الجيوش والمال والقوانين والحلفاء.
وكلها وجدت مثقفين وخبراء وسياسيين يشرحون للعالم لماذا الواقع القائم واقعي، ولماذا تغييره مستحيل، ولماذا على الضحية أن تتكيف معه بدل أن تحلم بتغييره.
ثم حدث الشيء الذي لا تراه القوة وهي في ذروتها.
لم تسقط في اللحظة التي ظهر فيها خصم أقوى منها.
بدأ سقوطها قبل ذلك.
في الرأس.
في اللغة.
في السؤال.
في اللحظة التي توقف فيها الإنسان عن الاعتقاد بأنها أبدية.
فالتاريخ لا يبدأ استدارته عندما تسقط الإمبراطوريات.
يبدأ عندما يسقط اليقين بأنها لن تسقط.
وربما هذا هو ما يستحق أن نتوقف عنده اليوم.
لا أقول إن القبضة انفتحت.
ولا أقول إن أميركا استدارت.
ولا أقول إن الفلسطيني وصل إلى العدالة.
ما زال الطريق طويلًا.
والدم كثيرًا.
والقوة مختلة بصورة فادحة.
لكن شيئًا كان ثابتًا بدأ يتحرك.
رواية كانت محصنة أصبحت تُسأل.
لوبي كان اسمه يخيف أصبح اسمه نفسه موضوعًا للنقاش والانتخابات.
جيل كان يرث موقفه من إسرائيل بدأ يصنع موقفه بنفسه.
وصورة كانت تمر عبر غرفة التحرير قبل أن تصل إلى العالم، أصبحت تصل إلى العالم قبل أن تستطيع غرفة التحرير إيقافها.
ربما لا يكون هذا انتصارًا.
لكنه قد يكون بداية نهاية اليقين بالهزيمة.
وهذه ليست مسألة صغيرة بالنسبة إلى شعب قيل له طوال عقود: انسَ. تأقلم. اقبل بما بقي. موازين القوى لا تسمح. العالم لن يتغير.
ثم تغير العالم مرات ومرات.
وبقي السؤال: لماذا يفترض أن يتغير كل شيء إلا الظلم الواقع على الفلسطيني؟
---
لهذا لا أضع كتاب «أميركا في قبضة قوة أجنبية»، مجازًا، على رف الكتب بعد أن أنتهي منه.
أضعه إلى جانب نافذة مفتوحة.
فالكتاب يحدثني عن القوة التي بُنيت بالأمس.
أما خارج النافذة... فهناك عالم آخر يتشكل.
وبين الكتاب والنافذة تقف فلسطين.
دفعت ثمن العالم القديم.
وما زالت تدفع.
وتنتظر أن تعرف إن كانت استدارة العالم الجديد ستصل إليها هذه المرة... أم ستبقى استدارة في الوعي لا تصل إلى الأرض.
وهنا بالنسبة إليّ يصبح السؤال الأخير أكبر من إسرائيل.
وأكبر من AIPAC.
وأكبر حتى من أميركا.
فالتاريخ لا يغيّر حياة الشعوب عندما يغيّر رأيه فقط.
يغيرها عندما يتحول الوعي إلى موقف.
والموقف إلى فعل.
والفعل إلى قوة.
والقوة إلى قرار.
والقرار إلى حق يعود إلى صاحبه.
عندها فقط يصبح لاستدارة العالم معنى.
لأن العالم لا يستدير حقًا عندما يغيّر اتجاه نظره نحو الضحية... بل عندما يتوقف عن مطالبتها بأن تتعايش مع الظلم، ويبدأ في إزالة الظلم نفسه.
وعندها ربما لن يكون السؤال: من يمسك بأميركا؟
بل السؤال الذي بقي مفتوحًا طوال هذه الرحلة:
ماذا نفعل نحن الفلسطينيين اليوم، وهذه التحولات تحدث في الرأي العام الأميركي؟ هل نملك استراتيجية سياسية وإعلامية وثقافية تحوّل هذا التغير في الوعي إلى قوة فعل، أم سنبقى نراقب العالم وهو يستدير... وننتظر أن تصل استدارته إلينا من تلقاء نفسها؟
يحيى بركات

1786579828853.png

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى