تقديم
في فلسطين، ليست البادية هامشا على الخريطة، ولا فراغا بين المدن والقرى؛ إنها امتداد حي للأرض الفلسطينية، وذاكرة مفتوحة للإنسان والمكان، تحفظ علاقة الفلسطيني بأرضه ورعيه وزراعته وموروثه، وتقدم نموذجا فريدا في الصمود والبقاء. وفي بادية الخليل، حيث تتناثر الخِلال والقرى على امتداد الأرض، يعيش الإنسان في ظروف قاسية، لكنه يتمسك بأرضه ومدرسته ومجلسه وبيته، ويصر على أن يبقى.
ولهذا فإن ما تتعرض له البادية الفلسطينية ليس مجرد نقص في الخدمات أو صعوبة في الحياة؛ فهناك سياسة متواصلة تستهدف مقومات الاستقرار، من هدم البيوت والمدارس، وإغلاق الطرق، ومصادرة الأرض، ومضايقة الرعاة، والاعتداء على الطلبة، ودفع السكان إلى الرحيل. إن استئصال البادية يبدأ حين يصبح البقاء فيها مستحيلا، ولذلك فإن حماية التعليم والماء والطريق والمدرسة ليست مطالب خدمية فحسب، بل هي جزء من معركة البقاء الفلسطيني على الأرض.
ومن هنا تأتي حكاية المجالس والمدارس؛ حكاية مجتمع لم تسمح له قسوة المكان أن يتخلى عن قيمه، ولم تسمح له ظروف الاحتلال أن يتخلى عن حق أبنائه في التعليم. بين المجلس الذي يحفظ الذاكرة، والمدرسة التي تصنع المستقبل، ينشأ ابن البادية؛ متجذرا في أرضه، معتزا بهويته، ومؤمنا بأن العلم أحد وجوه الصمود.
في البادية، لا يبدأ التعليم عند باب المدرسة، ولا تنتهي التربية مع جرس الحصة الأخيرة. فهناك مدرسة لا تحمل اسما، ولا ترفع لافتة، لكنها خرجت رجالا قبل أن تخرجهم المدارس، إنها المجلس. وبين المجلس والمدرسة ينشأ ابن البادية، فلا غالب للمجالس، ولا مغلوب للمدارس، وإنما شراكة صنعت أجيالا جمعت بين العلم والحكمة، وبين المعرفة والقيم.
يفتح الطفل البدوي عينيه على مجلس عامر بالرجال، فينصت أكثر مما يتكلم، ويتعلم أكثر مما يسأل. يسمع قصص الآباء، ويرى كيف تحل الخلافات، وكيف يحفظ العهد، وكيف يكرم الضيف، وكيف تزن الكلمة قبل أن تقال. وفي رائحة القهوة، وصمت المنصتين، وحديث الشيوخ، يتربى على قيم لا تدرس في المناهج، لكنها تبقى راسخة في الوجدان، وترافقه ما بقي العمر.
وحين تشرق الشمس، يحمل حقيبته ويغادر إلى المدرسة، لكنه لا يترك تلك القيم خلفه، بل يصحبها معه إلى مقعده الدراسي. وهناك يتعلم أن المعرفة نور، وأن القراءة تفتح أبوابا لا تفتحها القوة، وأن العلم لا يمنح صاحبه وظيفة فحسب، بل يمنحه وعيا، ويمنحه القدرة على أن يفهم الحياة، ويخدم مجتمعه، ويحمي وطنه.
غير أن الطريق إلى المدرسة في البادية ليس طريقا معبدا دائما. فهناك طلبة يقطعون ثلاثة كيلومترات أو أكثر على أقدامهم، يعبرون الأودية، ويتجاوزون الشعاب، ويواجهون حر الصيف، وبرد الشتاء، والسيول، والكلاب الضالة، ثم يواجهون اليوم خطرا أشد، يتمثل في اعتداءات المستوطنين ومضايقاتهم للطلبة في طريقهم إلى مدارسهم. إنها رحلة تبدأ قبل الحصة الأولى، لكنها تعلم الصبر قبل أن يبدأ الدرس، وتؤكد أن المعوقات، في كثير من الأحيان، تصنع الإنجازات، وأن الطريق الصعب يربي نفوسا تعرف قيمة الوصول.
ورغم قسوة الحياة، لا تتردد الأسرة البدوية في إرسال أبنائها إلى المدرسة، وهي أحوج ما تكون إلى سواعدهم في رعي الماشية ومساندة الأسرة في تفاصيل حياتها اليومية. لقد أدرك الآباء والأمهات، بفطرتهم، أن الأغنام قد تزيد وتنقص، وأن المال قد يذهب ويعود، أما العلم فإنه يبقى مع صاحبه، يرفع شأنه، ويحفظ كرامته، ويفتح أمامه آفاقا لم تكن لتفتح بغير المعرفة. ولهذا لم يكن التعليم في البادية ترفا، بل كان إيمانا بأن مستقبل الأبناء يبدأ من مقعد دراسي.
ولعل المقولة التي يرددها بعض الناس: "أولاد المجالس غلبوا أولاد المدارس" تحتاج إلى قراءة مختلفة. ففي البادية، لم يكن المجلس يوما بديلا عن المدرسة، ولم تكن المدرسة خصما للمجلس. فلكل منهما رسالته التي لا يستطيع الآخر أن يؤديها وحده. المدرسة تعلم كيف نفكر، والمجلس يعلم كيف نحسن التصرف. المدرسة تبني العقل، والمجلس يصقل الضمير. المدرسة تمنح المعرفة، والمجلس يمنح الحكمة، وإذا اجتمع العلم بالحكمة، اكتمل الإنسان.
ولأن التعليم في البادية عنوان من عناوين الصمود، فإن حماية طريقه لا تقل أهمية عن بناء المدرسة نفسها. وإن توفير حافلات مدرسية آمنة، خاصة لطلبة مناطق التماس، لم يعد مطلبا خدميا، بل أصبح ضرورة تربوية وإنسانية، تكفل للأطفال حقهم في الوصول الآمن إلى مدارسهم، وتحميهم من أخطار الطريق، ومن الاعتداءات التي يحاول بها الاحتلال أن يحول رحلة العلم إلى رحلة خوف.
لقد عرفت البادية، قبل أن تتحدث كتب التربية عن تكامل المؤسسات، أن الإنسان لا تبنيه جهة واحدة. فهو يحتاج إلى معلم يفتح له أبواب المعرفة، كما يحتاج إلى مجلس يغرس فيه القيم، ويعلمه معنى الكلمة، وأدب الاختلاف، وتحمل المسؤولية. ولهذا لم يتخرج ابن البادية من مدرسة واحدة، بل من مدرستين؛ مدرسة تعلمه كيف يقرأ الكتاب، ومجلس يعلمه كيف يقرأ الحياة.
هكذا ينشأ ابن البادية... يحمل كتابه بيد، ويحمل إرث آبائه باليد الأخرى، فلا يتخلى عن أصالته وهو يطلب العلم، ولا يتخلى عن العلم وهو يحافظ على أصالته. وبين المجالس والمدارس ينشأ إنسان يدرك أن المعرفة بلا قيم لا تكتمل، وأن القيم بلا معرفة لا تكفي، وأن الأوطان تبنى حين يلتقي العقل بالحكمة، ويصافح نور المدرسة أصالة المجلس.
أمين كعابنة..
في فلسطين، ليست البادية هامشا على الخريطة، ولا فراغا بين المدن والقرى؛ إنها امتداد حي للأرض الفلسطينية، وذاكرة مفتوحة للإنسان والمكان، تحفظ علاقة الفلسطيني بأرضه ورعيه وزراعته وموروثه، وتقدم نموذجا فريدا في الصمود والبقاء. وفي بادية الخليل، حيث تتناثر الخِلال والقرى على امتداد الأرض، يعيش الإنسان في ظروف قاسية، لكنه يتمسك بأرضه ومدرسته ومجلسه وبيته، ويصر على أن يبقى.
ولهذا فإن ما تتعرض له البادية الفلسطينية ليس مجرد نقص في الخدمات أو صعوبة في الحياة؛ فهناك سياسة متواصلة تستهدف مقومات الاستقرار، من هدم البيوت والمدارس، وإغلاق الطرق، ومصادرة الأرض، ومضايقة الرعاة، والاعتداء على الطلبة، ودفع السكان إلى الرحيل. إن استئصال البادية يبدأ حين يصبح البقاء فيها مستحيلا، ولذلك فإن حماية التعليم والماء والطريق والمدرسة ليست مطالب خدمية فحسب، بل هي جزء من معركة البقاء الفلسطيني على الأرض.
ومن هنا تأتي حكاية المجالس والمدارس؛ حكاية مجتمع لم تسمح له قسوة المكان أن يتخلى عن قيمه، ولم تسمح له ظروف الاحتلال أن يتخلى عن حق أبنائه في التعليم. بين المجلس الذي يحفظ الذاكرة، والمدرسة التي تصنع المستقبل، ينشأ ابن البادية؛ متجذرا في أرضه، معتزا بهويته، ومؤمنا بأن العلم أحد وجوه الصمود.
في البادية، لا يبدأ التعليم عند باب المدرسة، ولا تنتهي التربية مع جرس الحصة الأخيرة. فهناك مدرسة لا تحمل اسما، ولا ترفع لافتة، لكنها خرجت رجالا قبل أن تخرجهم المدارس، إنها المجلس. وبين المجلس والمدرسة ينشأ ابن البادية، فلا غالب للمجالس، ولا مغلوب للمدارس، وإنما شراكة صنعت أجيالا جمعت بين العلم والحكمة، وبين المعرفة والقيم.
يفتح الطفل البدوي عينيه على مجلس عامر بالرجال، فينصت أكثر مما يتكلم، ويتعلم أكثر مما يسأل. يسمع قصص الآباء، ويرى كيف تحل الخلافات، وكيف يحفظ العهد، وكيف يكرم الضيف، وكيف تزن الكلمة قبل أن تقال. وفي رائحة القهوة، وصمت المنصتين، وحديث الشيوخ، يتربى على قيم لا تدرس في المناهج، لكنها تبقى راسخة في الوجدان، وترافقه ما بقي العمر.
وحين تشرق الشمس، يحمل حقيبته ويغادر إلى المدرسة، لكنه لا يترك تلك القيم خلفه، بل يصحبها معه إلى مقعده الدراسي. وهناك يتعلم أن المعرفة نور، وأن القراءة تفتح أبوابا لا تفتحها القوة، وأن العلم لا يمنح صاحبه وظيفة فحسب، بل يمنحه وعيا، ويمنحه القدرة على أن يفهم الحياة، ويخدم مجتمعه، ويحمي وطنه.
غير أن الطريق إلى المدرسة في البادية ليس طريقا معبدا دائما. فهناك طلبة يقطعون ثلاثة كيلومترات أو أكثر على أقدامهم، يعبرون الأودية، ويتجاوزون الشعاب، ويواجهون حر الصيف، وبرد الشتاء، والسيول، والكلاب الضالة، ثم يواجهون اليوم خطرا أشد، يتمثل في اعتداءات المستوطنين ومضايقاتهم للطلبة في طريقهم إلى مدارسهم. إنها رحلة تبدأ قبل الحصة الأولى، لكنها تعلم الصبر قبل أن يبدأ الدرس، وتؤكد أن المعوقات، في كثير من الأحيان، تصنع الإنجازات، وأن الطريق الصعب يربي نفوسا تعرف قيمة الوصول.
ورغم قسوة الحياة، لا تتردد الأسرة البدوية في إرسال أبنائها إلى المدرسة، وهي أحوج ما تكون إلى سواعدهم في رعي الماشية ومساندة الأسرة في تفاصيل حياتها اليومية. لقد أدرك الآباء والأمهات، بفطرتهم، أن الأغنام قد تزيد وتنقص، وأن المال قد يذهب ويعود، أما العلم فإنه يبقى مع صاحبه، يرفع شأنه، ويحفظ كرامته، ويفتح أمامه آفاقا لم تكن لتفتح بغير المعرفة. ولهذا لم يكن التعليم في البادية ترفا، بل كان إيمانا بأن مستقبل الأبناء يبدأ من مقعد دراسي.
ولعل المقولة التي يرددها بعض الناس: "أولاد المجالس غلبوا أولاد المدارس" تحتاج إلى قراءة مختلفة. ففي البادية، لم يكن المجلس يوما بديلا عن المدرسة، ولم تكن المدرسة خصما للمجلس. فلكل منهما رسالته التي لا يستطيع الآخر أن يؤديها وحده. المدرسة تعلم كيف نفكر، والمجلس يعلم كيف نحسن التصرف. المدرسة تبني العقل، والمجلس يصقل الضمير. المدرسة تمنح المعرفة، والمجلس يمنح الحكمة، وإذا اجتمع العلم بالحكمة، اكتمل الإنسان.
ولأن التعليم في البادية عنوان من عناوين الصمود، فإن حماية طريقه لا تقل أهمية عن بناء المدرسة نفسها. وإن توفير حافلات مدرسية آمنة، خاصة لطلبة مناطق التماس، لم يعد مطلبا خدميا، بل أصبح ضرورة تربوية وإنسانية، تكفل للأطفال حقهم في الوصول الآمن إلى مدارسهم، وتحميهم من أخطار الطريق، ومن الاعتداءات التي يحاول بها الاحتلال أن يحول رحلة العلم إلى رحلة خوف.
لقد عرفت البادية، قبل أن تتحدث كتب التربية عن تكامل المؤسسات، أن الإنسان لا تبنيه جهة واحدة. فهو يحتاج إلى معلم يفتح له أبواب المعرفة، كما يحتاج إلى مجلس يغرس فيه القيم، ويعلمه معنى الكلمة، وأدب الاختلاف، وتحمل المسؤولية. ولهذا لم يتخرج ابن البادية من مدرسة واحدة، بل من مدرستين؛ مدرسة تعلمه كيف يقرأ الكتاب، ومجلس يعلمه كيف يقرأ الحياة.
هكذا ينشأ ابن البادية... يحمل كتابه بيد، ويحمل إرث آبائه باليد الأخرى، فلا يتخلى عن أصالته وهو يطلب العلم، ولا يتخلى عن العلم وهو يحافظ على أصالته. وبين المجالس والمدارس ينشأ إنسان يدرك أن المعرفة بلا قيم لا تكتمل، وأن القيم بلا معرفة لا تكفي، وأن الأوطان تبنى حين يلتقي العقل بالحكمة، ويصافح نور المدرسة أصالة المجلس.
أمين كعابنة..