حاتم عبدالهادي السيد - سيناء... أرض النور والنار قراءة في رواية «خطايا مقصودة» للكاتب عبدالله السلايمة

تحتل تجربة عبدالله السلايمة مكانة لافتة في الأدب السيناوي المعاصر؛ فقد استطاع، عبر كتاباته، أن يجعل من سيناء أكثر من مجرد مكان تجري فيه الأحداث، لتصبح حضورًا حيًّا في نصوصه، تتقاطع فيه الجغرافيا مع التاريخ، والإنسان مع المكان، والذاكرة مع التحولات الاجتماعية والسياسية التي شهدتها المنطقة.
وقد تميزت كتاباته بقدرته على النفاذ إلى التفاصيل الدقيقة للحياة السيناوية، ورصد عادات أهلها وقيمهم وتقاليدهم، وما يحيط بالإنسان السيناوي من أسئلة تتصل بالهوية والانتماء والوطن والمواطنة. كما جعل من المكان عنصرًا فاعلًا في تشكيل الشخصية والوعي، ومن الطبيعة والتضاريس والذاكرة الشعبية مكونات أساسية في بناء عالمه السردي.
ومع ذلك، فإن هذه التجربة، بما تنطوي عليه من خصوصية وثراء، لم تحظَ ـ في تقديري ـ بما تستحقه من اهتمام نقدي، وظلت كتابات عبدالله السلايمة، إلى حد كبير، بعيدة عن دائرة الدرس النقدي المنهجي الذي يتوقف عند قيمتها الفنية، وخصوصية عالمها السردي، وما تطرحه من قضايا إنسانية ووطنية واجتماعية.
ومن هذا المنطلق تأتي هذه القراءة لرواية "خطايا مقصودة" (ميتابوك للنشر 2019)، التي تبدو فيها سيناء بطلة موازية لأبطالها؛ حاضرة في تضاريسها وذاكرتها، وفي أفراح أهلها وأوجاعهم، وفي تاريخها الطويل الممتد بين المقاومة والانكسار، وبين الخوف والأمل.
ومنذ الصفحات الأولى، يأخذنا السلايمة إلى تلك الأرض التي لا يمكن فصل الإنسان عنها، ولا يمكن قراءة حاضرها بمعزل عن تاريخها. إنها سيناء التي تجمع في فضائها بين القسوة والجمال، وبين العزلة والانتماء، وبين النار التي أحرقت بعض تفاصيلها، والنور الذي ظل حاضرًا في وجدان أهلها.
ومن هنا يبدو عنوان هذه القراءة: "سيناء... أرض النور والنار"؛ إذ إن "خطايا مقصودة" ليست مجرد حكاية تُروى، وإنما شهادة على المكان والإنسان، وعلى زمن مضطرب ترك آثاره العميقة في الذاكرة والروح.
وفي هذا السياق، يمكن القول إن عبدالله السلايمة لا يكتب عن سيناء من خارجها، وإنما يكتبها من الداخل؛ يكتب جغرافيتها وذاكرتها، ويستعيد عبر السرد تفاصيل الإنسان السيناوي وهو يواجه التاريخ والعنف والاقتلاع، ويتمسك في الوقت نفسه بحقه في المكان والحياة.
ولعل قصيدة محمود درويش التي استهل بها السلايمة روايته تبدو مدخلًا دالًا إلى هذا العالم؛ إذ يقول:
"هذه الأرض لي... وكنت قديمًا
أحلب النوق راضيًا ومولّه
وطني ليس حزمة من حكايا
ليس ذكرى، وليس حقل أهلّة
هذه الأرض جلد عظمي وقلبي
فوق أعشابها يطير كنخلة".
ومن هنا تبدأ الرحلة في "خطايا مقصودة": رحلة الإنسان في المكان، ورحلة المكان في الذاكرة، ورحلة السرد بين التاريخ والحاضر، وبين الألم والأمل.
قراءة الرواية
يُعدّ عبدالله السلايمة من أوائل من كتبوا الرواية السيناوية التي تؤطّر للمكان وللتحولات الكبرى التي شهدتها سيناء، وتُعلي من شأن السرد التاريخي والاجتماعي والتراثي والفني، عبر مستوياته المتعددة التي يُحسن الكاتب إحكام تفاصيلها، معنىً ومبنىً، من خلال وصف المكان وتمظهراته وآثاره النفسية والعامة.
في روايته "خطايا مقصودة"، يُحيلنا ـ منذ البداية ـ إلى الصحراء، عبر قصيدة محمود درويش التي استهلّ بها روايته.
لقد لخّصت القصيدة بعض مستغلقات رواية بات عنوانها ملغزًا: "خطايا"؛ ذنوب كبرى، "مقصودة" ـ كما يذكر ـ. وحاولت القصيدة فكّ شيفرتها والكشف عن مضامينها الرامزة، لتظل «خطايا مقصودة» شاهدًا على زماننا، وعلى حياتنا في سيناء.
فالخطايا التي يكابدها إنسان البادية تعكس مظاهر الصحراء بكل ما فيها، وتستشرف أفقًا يتغيّاه الكاتب/السارد لهذه البادية، بوصفها وطنًا وذاتًا مقهورة تعيش هناك، على حافة الحياة؛ تنظر إلى الوطن بوصفه توجّهًا وقضية كبرى للوجود: وجودها هي، ووجود الآخرين الذين يتحفزون لقهر أهوال الصحراء من جهة، ومواجهة الأخطار التي تهددهم عبر مسيرة الزمن من جهة أخرى.
إنهم ينادون بحقهم في الحياة، حيث المكان هنا هو الوطن، ومكان القبيلة، والانتماء الروحي والفيزيائي للذات التي تتريّض على مفردات البيئة.
كما تتعرض الرواية للأحداث التاريخية التي مرت بها سيناء على مدار عصورها، منذ عصور الفراعنة الأوائل، وانتهاءً بغزو الإرهاب لها؛ ذلك الإرهاب الذي يشوّه الحب والمكان والتاريخ، ويريد محو تفاصيل المكان، بينما يتشبث أهلها بالمقاومة والدفاع عن حقهم في الحياة والمواطنة.
لتظل الرواية سردًا للمكان، من خلال الواقع الاجتماعي والسياسي والاقتصادي، ولتصبح "ديوان البادية" الذي يسجل ويروي ويستعيد ـ عبر تقنيات الاسترجاع، والتضمين، والمعادل الموضوعي، والترميز ـ الحقب التي مرت، والأحداث التي تواكبت عبر الزمان والمكان.
وكأن السارد العليم شاهدٌ على المكان والأحداث، يقول ليعكس واقع عصر الإرهاب الذي عاشه المواطنون بين مطرقة الدواعش وسندان أجهزة الدولة.
يقول عبر الرواية:
"أدار محرك السيارة وانطلق غاضبًا مواصلًا سيره. لاذ كل منا بصمته حزينًا للحظات على ما يحدث للديار التي كانت حتى وقت قريب عامرة بالسلام والألفة والمحبة، وأضحت الآن خرابًا يدمي القلوب حزنًا، وكان كافيًا لإظلام أي طاقة أمل لدى أهلها في غدٍ أفضل.
غدٍ، قال السائق: يبدو أن شمسه لن تشرق أبدًا. وتعبيرًا عن غضبه وقنوطه، تساءل وهو يضرب المقود بقبضة يده: يا إلهي، إلى متى هذا الجحيم؟! لقد كنا نعيش جحيمًا واحدًا، وأصبحنا الآن نعيش بين جحيمين. التفت نحوي قائلًا في استغراب: إن كلًّا من الطرفين لا يروننا سوى حشرات تستحق السحق تحت نعالهم...
وكما لو كان يلومني على صمتي، تساءل مندهشًا: لِمَ أنت صامت هكذا؟ فلتقل شيئًا؟
"أحيانًا يكون الصمت أبلغ من الكلام"، رددت محاولًا قطع الطريق عليه، قبل أن يستدرجني للحديث في أمور من المؤكد أن الخوض فيها سوف يودي بي في النهاية إلى أحد أمرين: إما الاغتيال على يد الجماعات المتطرفة، أو الاعتقال والزج بي في السجن. فما أدراني أي الطرفين يؤيد الرجل، الدولة أم جماعة "الإخوان"؟
ولأن الشك سيد الموقف، والكل مشتبه به، حرصت، منذ بدأت الدولة حربها على الجماعات الإرهابية، على عدم الدخول في نقاشات لا طائل منها سوى تعريض نفسي للأذى. تجنبًا له، قلت للسائق: من الأفضل أن يتابع سيره، ويدعني من الحديث فيما لا فائدة منه."
. (الرواية، ص 8)
إنه حال سيناء ـ الآن ـ يرصده كما هو، وكما رآه. إنها رواية السيرة عبر المكان؛ سيرة الذات، وحكاية البدوي مع المستعمر، وحكاية الإنسان مع الظلم التاريخي، وحكاية سيناء.
يسرد لنا الراوي ـ عبر المكان ـ أحداثًا وأماكن، ويعبر بنا عبر الجبال والهضاب إلى الذات والمجتمع. ويحيلنا إلى ذواتنا العاجزة المقهورة تحت ركام الإرهاب وقبضة القوة من جانب الجيش؛ وهو الضحية ـ كما يسرد ـ يدفع فاتورة جرم لم يرتكبه، ولإرث تاريخي وأيديولوجي وعقائدي ليس طرفًا فيه.
إنها الرواية التي تعكس النضال الوطني ضد الصهاينة. تقول الرواية.
"رد صابر قائلًا: لقد تراجع "اليهود" عن قرارهم في إقامة المستعمرة...!"
"ولم يكن الوفد مهتمًا بالسلام، ولا يعنيه مساندتهم كما زعموا، بقدر ما وجد في مأساتنا فرصة مثالية، حاولوا استغلالها ببشاعة، ليُظهروا لرأيهم العام أنهم الأفضل والأجدر بحكم دولتهم من حزب "الليكود"
. (الرواية، ص 32)
إنها الرحلة عبر مسيرة السرد؛ رحلة الشتات والهلع الأكبر، في ظل الخوف من بطش الإرهاب والقتل. لذا لا غرو أن نراه ـ عبر مسيرة السرد ـ يسافر في المكان عبر الزمن، ويصف لنا سيناء وذاته المقهورة، وحال السكان الذين هُجّروا منها، وتشردوا وقُتلوا وذُبحوا بفعل فاعل.
فهم "الخطايا المقصودة"، والذنب الأعظم الذي ينتظر الثأر من الخارجين عن الملة، أولئك الذين يتلذذون بالقتل ومناظر الدماء الهادرة. لذا كان الهروب إلى أماكن أخرى، وحياة مغايرة، ينشد فيها الأمن والأمان عبر روابي سيناء وتضاريسها الجمالية الشاهقة.
يقول:
"قبل أن تنطلق السيارة، كان قد خطط مسبقًا للذهاب إلى "جنوب سيناء"، والاستقرار بالقرب من "جبل موسى" ودير سانت كاترين؛ ففي ذلك المكان المقدس يمكنه الشعور بالطمأنينة والسلام اللذين ينشدهما على الدوام، وممارسة طقوس حياته على الطريقة البدائية القديمة، والتمتع قدر الإمكان بجمال وروعة الطبيعة، وبعزلته التي ذهب إليها بمحض اختياره، لمقاطعة العالم واعتزال شروره...
...فمنذ أعوام كثيرة مضت عاش بين نسيانها وذكراها، ومنذ بدأت رحى الحرب تدور في دياره، لا تجيء ذكراها إلا على فترات متباعدة، فما تسببه الحرب من أحزان ومآسٍ كان كفيلًا بأن يُنسيه "سُهيلا".
. (الرواية، ص 143)
إنه حب المكان، والوطن، وحب الكتابة والبوح، والتذكار عبر المكان والسكون، لصحراء النور والنار؛ حيث تتبدى جماليات السرد. إلا أن مشهدية الوصف أصابتها صاعقة، حين تهادى أزيز الطائرات من فوقه، وتم التعامل معه على أنه إرهابي.
وعبر مسيرة السرد التي تكسر جوقة المشهد، يتدخل السارد، الراوي العليم، ليسجل عبر الكتابة تفاصيل الأحداث، والظلم، والبراءة التي تُنتهك دون وازع.
يقول الراوي:
"جاشت بصدره جراح قديمة وجديدة، أشعرته برغبة مفاجئة في الكتابة؛ فثمة أشياء كثيرة مؤلمة يمكنه الكتابة عنها الآن، وقد لا يجد الفرصة فيما بعد. رأى في تلك الرغبة التي اجتاحته فجأة فرصة ثمينة عليه أن يغتنمها، فالكتابة، كما يُقال: "ضرورة كالحياة، وحقيقة كالموت". عليه أن يسجل كل ما كان وما زال يعذبه، وما سوف يسبب له ولذويه مستقبلًا المزيد من العذاب...
...وأذهلني في اليوم التالي أن راحت الفضائيات تتبارى في عرض وجهه مشوهًا، وراح مذيعوها يتنافسون في الإعلان بحماس عن سقوط خائن آخر من كبار قادة "داعش"، ويؤكدون بحماس أشد أنه لن يكون الأخير. ومن ثم توالت الاتصالات، تبارك هذا الإنجاز العظيم...".
(الرواية، ص 144)
خاتمة
ويبقى القول إن عبدالله السلايمة عاشق سيناء، الهائم بتفاصيلها، كراهبٍ في المكان، وثائرٍ طوال الوقت؛ ينحاز إلى جانبها المضيء، ويحارب ما يعتريها من ظلام قيمي: النُّظم المحرَّمة، وظلم المرأة، والتعصب الأعمى للقبيلة، في مواجهة كل الأعراف والقيم الإنسانية الكبرى.
ويظل ـ في كل كتاباته ـ مخلصًا للمكان، ساردًا للواقع، مؤرخًا للتاريخ، رافضًا للظلم، وباحثًا عن القيم الإنسانية النبيلة الكبرى.






























ش

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى