أ. د. عادل الاسطة - كأس نبيذ حزنا على موت الكلب... قصة قصيرة

مساء على غير العادة آثرت ذلك المساء الماطر عدم الذهاب إلى مطعم الطلبة في جامعة بون، ووجدت نفسي أسير باتجاه محطة قطار الشوارع الذي أستقله، كل مساء، للوصول إلى المنزل الذي أقيم فيه. تاركاً خلفي قاعةَ الاستشراق ومكتبة الجامعة التي تقع مباشرة على نهر الراين وفضلت، أيضآ، اختصار الوقت فلم أذهب إلى سوق الخضار في وسط المدينة لأشتري منه، كالعادة، ما أراه مناسباً أو ما أوصتني به ربة الأسرة التي أقيم عندها. ولم أنتظر طويلاً، فقد جاء القطار في موعده المحدد بالضبط. تذكرت ما قرأته في مجلة "فلسطين الثورة" عن دقة الألمان وكيف أن المرء يضبط ساعته في أثناء قدوم القطار الذي يصل دائماً في الموعد المحدد له، فإذا ما كان هناك خلل بلغ المسؤولون المسافرين، وأخذت أنظر، باستمرار، إلى الساعة، شاعراً بعدم الرضا لهذه العودة المبكرة. كان على أن أظل حتى منتصف الثامنة على ألأقل، خاطبت نفسي" سأظل شرقياً حتى النخاع، وستظل عادة الخجل تلازمني، هنا أيضا، على الرغم من أن العائلة عاملتني منذ اليوم الأول على أني واحد من أفرادها، وأعطتني، بناء على ذلك، مفتاح المنزل".
والحقيقة أنني فكرت، وأنا في القطار، أن أعود وأزور الطالبة العربية عبير، ولكنني بقيت في القطار حتى المحطة الأقرب للمنزل الذي أقيم فيه، وبعد خمس دقائق من السير على الأقدام وجدت نفسي أمام المنزل. أخرجت المفتاح وأدرته في أكرة الباب ودخلت، ألقيت على الزوج والزوجة وابنهما تحية المساء فردوا عليها بمثلها، وإن كانت ثمة رنة حزن تطغى على أصواتهم، وكانت الزوجة، خلافاً للعادة، حزينة، ولم أستفسر إن كان ثمة شيء ما. دخلت إلى غرفتي ووضعت الكتب على الطاولة ثم استلقيت على السرير منتظراً الساعة الثامنة للجلوس معا أمام التلفاز والإصغاء إلى نشرة الأخبار. وما هي الا لحظات قليلة، واذا بالزوجة تناديني، أصغيت إليها وهي تخبرني انها وزوجها وابنها في طريقهم إلى الطبيب البيطري لمعالجة الكلب، وطلبت مني، إن اتصلت بها أمها العجوز التي تقيم في المدينة نفسها، أن أرد على الهاتف وأبلغ أمها أنها ستعود بعد ساعة.
عدت إلى سريري وأخذت أتصفح الجريدة التي تحضرها الزوجة كل صباح. وشعرت بحزن مماثل لذلك الحزن الذي لاحظته على محيا الزوجة وهي تتحدث معي. بحثت، في الجريدة، عن أخبار الوطن المحتل وتلك التي تتعلق بالوضع المتأزم في الكويت، ولم أعقب على ما جرى في المنزل كما كنت أفعل، من قبل، دائماً: " هناك، في العالم الثالث، لا يجد الناس طعاماً، وهنا يخصص، في المتاجر، قسم خاص لطعام الكلاب والقطط. هناك يموت العشرات ولا يحزن الناس عليهم كما يحزن الناس هنا على موت كلب". بل إنني غالباً، ما كنت أعطي طفلتي النقود لتلقيا بها في الطاقية التي وضعها صاحب الكر الهزيل على الأرض من أجل أن يطعم نفسه وكره ايضاً. وكنت أفرح لفرح الطفلتين، تماماً كما كنت اتابع حركات الناس وهم يتجمعون حول الرجل، كما كانوا يتجمعون جول عازفي الموسيقى القادمين من بلدان أمريكا الجنوبية، وكنت أخاطب زوجتي قائلاً "بالتأكيد سوف يتهم من يفعل هذا في بلادنا بالجنون".
ألقيت الجريدة جانباً وفكرت في الأمر ثم تذكرت حواراً جرى بيني وبين بعض الطلبة الألمان حول ما يجري في لبنان. وكان الطلبة يناقشون بفتور، كما لو أن شيئاً عادياً هو الذي يحدث، وأذكر أنني، بعد ذلك الحوار، عدت إلى غرفتي حزيناً وأنا أهمس: "كأن الناس هنا لا يهمهم من العالم، هناك، الا النفط!". وأخذت مع الأيام أقرأ أخبار الحرب في لبنان كما أقرأ أي خبر آخر في الجريدة وأكتفي بتكرارا ما قاله الطلبة الألمان "إنها حرب مجنونة" وكنت أهمس: " ولا أدري إن كنت سأصل إلى ما وصلت إليه، بخصوص فلسطين، إن طال فيها ما يجري وطالت غربتي أيضآ" وآثرت، بعد جلسات عديدة مع الطلبة، الا أتحدث كثيراً عن الانتفاضة التي لم تكن، لهم بعد مدة من الزمن، الشيء المهم الوحيد في هذه الدنيا، كما كنت أوحي لهم في البداية، آثرت ذلك حتى لا أفقد صداقاتهم ومحاورتهم التي كنت أستفيد منها على غير صعيد.
وعادت الزوجة وزوجها وابنهما، وضعت الجريدة جانباً وخرجت الى الصالة لأبلغها أن أمها لم تتصل ولأستفسر، أيضآ، عن حالة الكلب، وبعد لحظة صمت قالت الزوجة بلهجة فيها قدر كبير من الحزن: لقد آثر الطبيب أن يعطيه إبرة حتى ينفق، فحالته صعبة وإن تعافى فلن يعمر طويلاً". وصمت كما صمتوا، وبعد دقائق أخذ زوجها يواسيها ويسألها عن نوع الكلب الذي ستشتريه، غير أنها طلبت من زوجها ألا يخوض، الآن، في هذا الأمر، وأنها لن تنسى كلبها بهذه السهولة ،حتى لو حل محله كلب آخر أجمل وأفضل نوعاً. وأحسستُ ، وأنا أصغي إليها ، أنها تتحدث عن كائن عزيز جداً عليها، وتذكرت حالتها وهي تحدثني، قبل أيام، عن موت جار لها في بناية مجاورة، وهمست في سري: "إنها لم تبد يومها حزينة إلى هذا الحد، على الرغم من أن الرجل مات ولم يلتفت إلى موته إلا بعد أيام ، وبالتحديد حين افتقده أحد معارفه".
وأخذت الزوجة تتحدث عن الكلب منذ اللحظة الأولى التي اقتنته فيها، ذهبت إلى البوفيه وأحضرت البومين من الصور خاصين به وأخذت تريني الصور وتشرح لي عن حياته معهم في بلجيكا حيث أقاموا سنوات عديدة، كما أخبرتني عن إقامته معهم في سويسرا التي يسافرون إليها مرتين في العام للإقامة في منزلهما الريفي. وكنت أصغي إليها وأنا أبدو جاداً حزينا كما لو أنني في مأتم شاب في بلادنا. فلقد استطاعت الزوجة، وهي تحدثني عنه، أن تسيطر، من خلال لغتها الحزينة، على مشاعري. وكانت تتساءل عما سيلم بابنتيها حين تسمعان خبر موته، فقد كانت إحدى هاتين تسأل عن الكلب، حين تتصل بأمها، كما تسأل عن أي فرد آخر من أفراد العائلة.
وقد لاحظت وأنا أقيم في منزل العائلة، أن الكلب كان يشغل حيزاً من وقت الزوجة. كانت هذه تصحو كل صباح في السادسة في أيام الشتاء الباردة، وتخرج والكلب ليتمشيا معاً نصف ساعة أو يزيد، تعود بعدها نشطة جداً. وكانت ملاحظتها الأولى، في أثناء حديثها بعد عودتها دون الكلب، تتركز حول مشوار الصباح، فقد خاطبت زوجها قائلة" وماذا سأفعل غداً صباحاً؟". وتابعت حديثها: ومع من سأتحدث في أثناء غيابك عن المنزل؟. لقد كانت، بعد ذهاب زوجها إلى العمل، تخرج والكلب ثانية، وكان الكلب الذي يبتعد عنها في أثناء التقائه بكلب آخر يتيح لها فرصة التعرف على الآخرين، وهكذا كانت تتجاذب معهم أطراف الحديث، وقد تعقد مع أصحاب الكلاب الأخرى صداقات جديدة.
ولم أجرؤ، وأنا أصغي إلى الكلام، على مخاطبة الزوجة أو زوجها واخبارهم بما يجري عندنا، في الأرض المحتلة، كما لم أطلب منها أن نذهب إلى صالة التلفاز لنشاهد نشرة الأخبار المصورة ونعرف ما جد من تطورات على الجبهة العراقية. ولا أدري لماذا شعرت أنني سأبدو مبتذلاً لو أقدمت على فعل ذلك، وبخاصة أنني أيضآ كنت أتابع أخبار الأرض المحتلة والعراق للحظات سرعان ما انصرف بعدها إلى مشاغلي الخاصة التي كنت أنفق لأجلها الساعات الطويلات، تماما كما كنت أذهب إلى كافتيريا الجامعة وأجلس مع الفتيات وأخوض معهن في موضوعات أخرى غير موضوع الحرب، على الرغم من سخونته.
وآثرت الصمت والإصغاء إلى كلام العائلة، وأخذت افكر فيما يعنيه الكلب لها، وتذكرت ما قرأته من قصص مختلفة عن الكلاب وعلاقتها بالإنسان في الأدبين العالمي والعربي، تذكرت قصة توماس مان وقصة توفيق فياض "الكلب سمور"، وهمست : لعل احترامهم للانسان هو الذي جعلهم يحترمون الكلب ايضاً، أما نحن فلا نحترم الانسان فكيف نحزن على موت الكلب، كما يحزنون". وحين اقترح الزوج أن نشرب النبيذ بهذه المناسبة حزنا لم اتردد في احتسائه، وكنت أفعل ذلك وأنا اراقب الزوجة وهي تصب ما تبقى من الزجاجة في كأسها، ولم تكتف بها فقد أحضرت زجاجة أخرى وواصلت احتساء النبيذ فيما ذهبت الى غرفتي واستلقيت على سريري مفكراً في أمر الكلب والحرب والوطن وأشياء أخرى.
* * *

الأيام الفلسطينية ١٩٩٦
الزمن القصصي شتاء ١٩٩١

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى