التقى الثعلبان: الغربي والشرقي. كان يمكنهما ألا يلتقيا، لكن قدراً جغرافياً جمع بينهما . كان يمكنهما أن يكونا متباعدين عن بعضهما بعضاً، لكن تاريخاً يشير إلى أشياء أخرى خلاف هذه المقولة، ويؤكّد أن هناك ما لم يجهر المؤرخون بحقيقته. طبعاً هذا ما تفتَّق عنه لقاء الثعلبين، وهما ثعلبان، وليس أي شيئين، أي كائنان آخران، ومن خلال مشاهد حوارية، متقطعة، ومستغرقة لأزمنة سجّلت بينهما، لا ينبغي التقليل من سخونته، وفي بعض الأحيان من ود ما .
ربما ليس عندي تسجيل لحظة بداية اللقاء، لأؤرخ لها، أو لأسمّي مكان اللقاء بالذات، وأجواء اللقاء الذي لا يمكن أـن يكون عادياً بمناسبته، وإن كنت أكتب ما يشبه القصة، وقد تُحتسَب حكاية، أو رواية سندبادية، فلا يُطلَب مني التأكيد لأي عبارة يتفوه بها أيٌّ منهما، فأنا على يقين، من أن واقعة كهذه، يمكن نسجها بصيغ شتى. هذا أقصى ما يمكن قوله.
كان الثعلب الغربي يتباهى برأسه المغزلي كثيراً، وهو ما أجده طريفاً، ومقبولاً للبدء :
-أرأيت أيها الثعلب الشرقي كم هو جميل رأسي ؟ هلّا حاولتَ النظر في جماله الذي لا نظير له؟ هل نعمتَ برأس يشق غمار الريح مثل رأسي الذي تنكسر عليه هيبة الريح ؟
كلام أطلقه الثعلب الغربي في هواء المكان، وأراده إعلاماً للثعلب الشرقي.
لم يرق كلام الثعلب الغربي للثعلب الشرقي، لا في طريقة التعبير، ولا نبرة الصوت، ولا في الهيئة التي صاحبت أسلوب التهجئة منه، فحرك ذيله مروحياً:
-سأكون أكثر دقة منك، حين أشير إليك بالثعلب الغربي. هذه أولاً، أما ثانياً، فهو أنه ينبغي ألا تلخص هيئتك برأسك الصغير هذا، الذي يسهل على الريح تطييره أو رمْيه جانباً، أما عني، فانظر إلى ذيلي، بما أنك تتحدث عن رأسك. إنه دواماتي، إنه يحدد مساري، وأعرَف به كثيراً.
قهقه الثعلب الغربي بشكل كاف، إلى درجة أن ذنبه استقام، بحيث تنبه إليه دود الأرض. ليتابع الثعلب الشرقي سرد تباهيه: والأهم، هو أن تركّز على قوائمي التي تمسك الأرض كالكلاليب. لا بد أنك تعرف هذه ؟ أليست هذه كلاليب تلك التي تعلق بالأجسام؟
وليضيف المزيد: قوائمي هي هكذا، إلى درجة أنني أشد الأرض إلي، كما أنني أشد نفسي إليها. أرأيتني كيف أتكلم بفصاحة تفتقدها، وأنت لا تكف عن التفاخر ببلاغتك. بلاغتي عملية، قوائمية. انظر إلي !
ارتفع مراراً عن الأرض، ووجهه مركَّز عليها، وبدا خفيفاً في حركاته.
وجد الثعلب الغربي نفسه، مضطراً إلى الاعتراف بحركته اللافتة، وحتى إعجابه الضمني بها، إنما مع تحفظ:
-نعم، أعترف بقدرتك حتى على الشقلبة، سوى أنك تبالغ في حركاتك، ومحاولتك لفت أنظار من حولك، وكأنّي بك تريد التأكيد على أنك الوحيد والمميّز بهذه الحركات...خفف من حركاتك.
لم يرتح الثعلب الشرقي لكلام الثعلب الغربي في النهاية، رغم أنه سُرَّ بداية لنظرته وهي تسجّل اعترافه لمدى إعجابه بما قام به من حركات، وقبل أن يعبّر بصراحة آلمته :
-يا لك من محدود التفكير. أنت مشدود إلى أنانيتك، ولهذا لا تراني كما أنا .
وأطلق الثعلب الغربي ريحاً، انتقل أثرها إلى الثعلب الشرقي في الحال، فامتعض مما شمَّه:
-هذا هو أنت. أنت فسّاء..ضليع في أمور الفساء. ألا تخجل من نفسك ؟
قفز الثعلب الغربي في الهواء. تفاجأ الثعلب الشرقي وهو يراه يقفز عالياً، ودار في مكانه، وهو يحفر في الأرض الناعمة، راسماً أشكالاً مختلفة، ورد عليه الثعلب الغربي:
-أرأيت كم أنت غر! أنت لا تعرف من تكون. إن جسمنا نحن سلالة الثعالب لا يقدر على حبْس الغازات في داخله، فلماذا نخجل، وممَّ نخجل، ونحن نخلص لطبيعتنا، وإذا كان الذي نطلقه، يخفف عن جسمنا ضغطاً؟ هلّا نظرتَ إلى جسمك المنتفخ، لا بد أنه ممتلىء غازات. أخشى أنك معتاد على شم فسائك من الداخل، وأنت تتظاهر كراهية له. جسمك الآن كرَة، إذا ضغطت عليها قليلاً ستنفجر فساء، يملأ المكان، ويصيبك بالدوخة والدوار يا الثعلب الشرقي .
-لقد نلت مني أيها الثعلب الغربي، إنما...
سؤال أطلقه الثعلب الشرقي باتجاهه دون تحفظ .
-إنما ماذا..؟
سؤال أطلقه الثعلب الغربي كسهم مارق من جهته.
استدرك الثعلب الشرقي قائلاً، وبنوع من الخيلاء:
-إنما لا زلت تصر على أنك في المسار الصحيح. أيعقل أن يهتدي أحدنا نحن الثعالب بمؤخرته حين يفسي؟ إنها تغريبة ثعالبية، بدعة لم أسمع بها من قبل. هل أعيدها على مسامعك ؟
دار الثعلب الغربي حول نفسه، ثم وقف على قائمتيه الخلفيتين، ونطنط قليلاً، وهو يصدر صوتاً يشبه القهقهة، ثم توقف، ليسود صمت، ودار حول نفسه دورتين، ووقف منتصباً أكثر على قائمتيه المذكورتين كما لو أنه نصْب تذكاري، مثبتاً عينيه على الثعلب الشرقي:
-أترى هذه الرحابة الأرضية ؟
هز الثعلب الشرقي رأسه، ورد عليه بسخرية:
-قلها الجبال ذات الثلوج والضباب أيها الثعلب الغربي، إنها الجبال التي تتغني بها كعادتك، وربما عادة أسلافك الذين تعرفهم جيداً !
فدار الثعلب الغربي حول الثعلب الشرقي، ورد عليه بعبارات جلية المخارج:
-يا لك من جاهل بأسرار الجغرافية، يا المتفاخر بالجبل الأجرد، ولكم أضاعَه جبله، ولم يحمه من الآخرين. أما بالنسبة إلي، أنا الثعلب الغربي، ففي هذه الجبال كما تسمّيها، والرحابة والشموخ كما أريد أن أسمّيها، تكمن ذاكرة أجدادي وهي متجذرة فيها، كانت ملعبنا الكبير، فعندما أتوغل فيها، أشعر بالراحة، وأستطيع قطْعها من الجهتين، وأنا مغمض العينين، أتستطيع ذلك أيها البائس ؟
-هكذا من دون بوصلة ؟
سؤال أطلقه الثعلب الشرقي، كما لو أنه كان جاهزاً!
قفز الثعلب الغربي في الهواء، ونشر قهقهة عريضة في المكان، ليردَّ قائلاً، وهو يوجه قائمته الأمامية إلى أسفل بطنه من الخلف:
-إنها هنا، انظر جيداً، بوصلتي خصيتي. أأعجبك ذلك ؟
امتعض الثعلب الشرقي، وهو يردُّ عليه:
-يا لك من سفيه، لم أجد ثعلباً معدوم الحياء، فاقد التهذيب مثلك .
قهقه الثعلب الغربي، ووجَّه إليه القائمة ذاتها تلك التي لامس بها خصيته:
-منذ متى أصبحت عفيف اللسان يا الثعلب الشرقي ها؟ إياك أن تقول أنك أصبحت متصوفاً . أنا أعيش طبيعتي، وبطبيعتي الثعلبية استطعت الحفاظ على نفسي ومكانتي. وأنت أين حدودك ؟
نكس الثعلب الشرقي رأسه، وبقي لبعض الزمن، كأنه عصا مكسورة، وردَّ عليه بحدّة:
-لقد أهنتني. أهنتني، ما كان عليك أن تقسو علي، مهين جداً أن تفسو على نظيرك الثعلب، مهما كان نوع الخلاف بيننا. أنسيت من تكون، ومن أكون. هل فكَّرت في هذه ؟
هز الثعلب الغربي رأسه كجرس في رقبة نعجة، ورد شامتاً:
-لأجل مصلحتك، لأجل مصلحتك. أنت ثعلب ولست بثعلب بتصرفاتك.
-ها قد بدأتَ بنصْحي، رغم أنك تعرف خبرتي بالجهات، أكثر منك بكثير .
أمعن الثعلب الغربي النظر في الثعلب الشرقي لبعض الوقت، وتوقف عن الحركة :
-أيها الثعلب الغربي، ماذا دهاك، أأصابك الدوار من رائحة فسائك ؟
قالها الثعلب الشرقي، وهو ينظر إلى الثعلب الغربي شذراً. فرد عليه هذا مباشرة:
-أشك في أنك ثعلب، من طينتنا. من أين جئت بهذا اللسان الضال . الزم مكانك قليلاً.
اقترب منه، فما كان من الثعلب الشرقي إلا أن تراجع إلى الوراء ، وهو متشنج، ورفع قائمتيه:
-ماذا تفعل أيها الثعلب الغربي. إياك والاقتراب مني. بيننا مسافة، لا تتجاوزها.. احذر .
استمر الثعلب الغربي في تقدمه وبهدوء، وهو يقول له:
-أي مسكون بالخوف أنت أيها الثعلب...الثعلب الشرقي..اطمئن لن يصيبك ضرٌّ مني.
قالها، وهو يلامس ظهر الثعلب الشرقي، وفجأة ضغط بإصبعه على بطنه. اضطرب الثعلب الشرقي على أثرها، حيث انبعثت رائحة فساء في المكان المعلوم، بصوت مسموع. كانت رائحة حادة، أكثر من كونها فساء، كانت أقرب إلى الضرطة، ضرطة حقيقية.
جفل الثعلب الشرقي، وتلبَّك. فضحك الثعلب الغربي مما سمع ورأى:
-أرأيت كم هي كريهة رائحة فسائك الضرطة أيها الثعلب الشرقي. بضغط خفيف، لم تتحمل مؤخرتك. كم أنت تكابر، وتتجاهل طبيعتك. حلَّفتك بالله، ألم ترتح الآن ؟
لم يرد عليه الثعلب الشرقي، إنما أدار له ظهره، مغلقاً عينيه. رآه الثعلب الغربي، فعلَّق عليه:
-يا لك من أحمق يا الثعلب الشرقي، إنني أشفق عليك. دعني أسمعْك، وأعلمك بما أنت غافل عنك. لنتصارح كما نحن الثعالب، لنكن كما نحن. قل عنّي ما تشاء: مغرور، متفاخر، طائش...الخ إلى آخر النعوت التي أعلمها جيداً عن طريقك، ومن هو مثيلك، إنما هناك ما نسيتَه من طباعنا نحن سلالة الثعالب. الثعلب وُهِب المكر، لأنه يعرف حقيقة قوته، يتمسكن، حتى يتمكن، أنا هذا النوع الذي تستخف به، ثم ...
-ثم ماذا يا الثعلب الغربي ؟ أفقدتَ توازنك ؟
-ثم انظر إلى هناك !
قالها الثعلب الغربي !
نظر الثعلب الشرقي، فأبصر نمراً على مبعدة، واستفسر عن مغزى إشارته . رد الثعلب الغربي بصوت هادئ:
-إنه نمر. أتعرف كم هو قوي هذا النمر؟ انظر إليه وهو يصطاد فريسة، انتظر قليلاً، سوف أتودد إليه، سوف لن يعترض على اقترابي منه. إنها علاقة تاريخية، فأنا أعترف بقوته، لكي أحسن البقاء، سوف يقدّم شريحة لحم كبيرة كعادته، تشبعني سريعاً. انظر إلي.
قالها واقترب من النمر وهو يلتهم من لحم فريسته الغزال، وتوقف على مبعدة منه، واستغرب الثعلب الشرقي، حين أبصر النمر الذي يعرفه جيداً، لأنه يعيش في الجوار، وهو يقتطع شريحة لحم كبيرة من فخذ الغزال، ويرميها إليه.
بعد مرور بعض الوقت، رجع الثعلب الغربي، وهو رافع رأسه عالياً، ووجَّه كلامه إلى نظيره، وهو يرمي بالمتبقّي من تلك الشريحة إلى الثعلب الشرقي:
-أتعرف ماذا قال لي؟ لماذا نظيرك واقف في مكانه. طمأنته بقولي على أنك لا تستطيع الحراك كثيراً, شك في الأمر، لكنه تجاهل الموقف، لعله سخر منك، ومن تصرفك الذي يفسّر ثقتك الزائدة بنفسك. ولا بد أنك عشت كثيراً مثل هذا الجوع الذي تعيشه الآن. كُل من فضلي، أنت لا تستحق أن تكون ثعلباً .
-لقد ذللتَ نفسك لذلك النمر. فأين هو الثعلب الماكر فيك بعد الآن ؟
قالها الثعلب الشرقي وهو يفتح شدقيه، كما لو أنه يسحب المزيد من الهواء إلى جوفه.
ساد صمت غريب بينهما، ثم ركّز الثعلب الغربي بناظريه على رأس الثعلب الشرقي الذي بادره بالسؤال التالي في الحال:
-غريبة هي نظرتك إلي يا الثعلب الغربي؟ ماذا بعد ؟
رفع الثعلب الغربي قائمته الأمامية اليمنى، موجّهاً إياها إلى رأس الثعلب الشرقي:
-أذناك فقدتا طولهما المعهود!
في الحال مرّر الثعلب الشرقي قائمته الأمامية اليمني على أعلى رأسه، لأكثر من مرة، وبدا خائفاً، وهو ينظر جهة الثعلب الغربي، حيث أذناه بدورهما فقدتا طولهما المعهود :
-حتى أذناك يا الثعلب الغربي .
سريعاً، هو الآخر لمس أذنيه، ودار حول نفسه، وهو يتفحص المكان، كما لو أنه يبحث عن شيء سقط منه، وتساءل لأكثر من مرّة:
-ماذا يجري ؟
اتسعت عينا الثعلب الشرقي، ثم قال موضّحاً:
-لعلّي عرفتُ السبب، وربما نسيته يا الثعلب الغربي ؟
استعجل الثعلب الغربي الجواب منه:
-أي سبب ؟ يبدو أن هناك علّة ما .
قال الثعلب الشرقي، بنبرة لا تخفي خوفاً:
-تذكرتُ للتو، ما سمعتُه من جدّي نقلاً عن جده هو الآخر، أن أياً منا حين يتنكر لأصله،أو منا يخالف أصله، سيرى ما لا يتمناه.
ألحَّ عليه الثعلب الغربي بتقديم الجواب المنتظر سريعاً، فكان رد الثعلب الشرقي:
-كلما أمضى الثعلب وقتاً في الابتعاد عن حقيقة كونه ثعلباً، سوف يطرأ عليه تغييرٌ يصدمه .
-لا بد أنك تمزح. قلها بصراحة أنك تمزح. تعرفني لا أحب المزاح. المزاح أصلاً مرفوض من سلالتنا نحن الثعالب. ثم أنسيتَ ما كنت عليه قبل الآن بقليل ؟
-لا! لم أنس . حاول أن تسمّي شيئاً لا قبَل للثعلب به، وسوف ترى تأكيداً على ذلك .
- أي شيء كان ؟
-نعم، أي شيء كان. انتظر، وانظر إلي.
ثم بدأ الثعلب الشرقي في وصف نفسه وقوتها. في الحال قصُر ذيله كثيراً، فضحك الثعلب الغربي، لكنه ما أن باشر بالضحك، حتى شعر بمؤخرته عارية، فأثارت مرأى مؤخرته ضحك الثعلب الشرقي. ضحك كثيراً، فبدا رأسه أصلع. وهكذا شعر الثعلبان أنهما يفقدان في كل مرة بعضاً من هيئتهما الثعلبية، فارتعب الاثنان، ليستفسر الثعلب الغربي عما يجري، فرد الثعلب الشرقي في الحال، وهو متضايق مما يجري:
-هناك خطبٌ جلل فيما نقوم به . يظهر جلياً أننا نسينا من نكون. ماذا فعلنا، ونحن نتكلم كأننا وُهِبنا الكلام المطلوب؟ لقد تصرفنا خلاف طبيعتنا، وكما أتذكر، لا بد أننا فيما لو استمرينا بالضحك لمرأى بعضنا بعضاً، سنفقد كل علامة ثعلبية فينا، فالثعالب ليس من شيمها التقابل بالطريقة هذه، وكان علينا ألا نتقابل، ونتواجه بالطريقة هذه . نعم ، تذكرت كل شيء الآن.
رد الثعلب الغربي وداخَله رعب كبير:
-نعم، نعم، كيف نسيت هذا، يا لذاكرتي البائسة، أتذكر الآن حرفياً ما نقله إلي جدي عن جده التليد، أليس هذا ما سمعته عن جدك، وهو بدوره سمعه عن جده التليد ؟
هز الثعلب الشرقي رأسه، وهو يغمض عينيه ويفتحهما على وسعهما:
-يا لنا من أحمقين، جدنا الأول واحد، واحد أوحد هو جدنا يا فاقد الذكرة.
هز الثعلب الغربي رأسه علامة الموافقة، وليعلق:
-كان علي أن أدرك ذلك منذ البداية.
وبعد التقاطه لأنفاسه اللاهثة، قال:
-لا بد أننا نسينا من نكون، سوف تتلبسنا هيئة بشرية. يا للسخف. أليس كذلك؟
قالها، ليفاجأ الاثنان وهما على حافة هاوية نبهتهما إلى ما هما عليه.
-ماالعمل ؟
سأل الثعلب الغربي، فجاوبه الثعلب الشرقي:
-هناك طريقة واحدة، علينا تداركها قبل فوات الأوان، حين ننظر إلى بعضنا بعضاً ثعلبين وكفى، الزمن يتداركنا، ونحن على وشك نفاد فرصة الخلاص، كما يبدو .
رد الثعلب الغربي متوتراً:
-قلها، قلها سريعاً.
-حالة واحدة تبقينا ثعلبين كما كان جدُّنا الثعلب الأول: أن تنسى من تكون إلا أن تكون الثعلب، وأن أنسى من أكون، إلا أن أكون الثعلب، وبهذا الشكل نضمن المتبقي من حياتنا، ويمكننا القفز فوق هذه الهاوية، لا ثعلب غربي، لا ثعلب شرقي، لا أي ثعلب آخر، مالنا وما نسمّيه. إنما ثعلب وكفى.
صرخا معاً، وبأعلى صوتهما:
-نحن الثعلبان الثعلبان الثعلبان الثعلَـ...وهناك النمر الذي يمكن التعويل عليه في أعمال مشتركة لنا، هكذا تكون الحياة، وعلينا الحفاظ عليها كما هي، طالما تستجيب لما نريد، ولنجعل هذا المكان محميّة لنا ما بقي دهرنا..
وقفزا بكل قوتهما !
اختفت الهاوية، وظهر الثعلبان بعد قفزتهما الطويلة إثر صراخهما ذاك، ثعلبين حقيقيين، وهما ينطلقان، ويتشقلبان فوق العشب معاً، وملؤهما مرح وسرور. بينما كان النمر ينظر إليه من عل ٍ، وهو يبتسم، ويردد : لا بد أن يعرفا دوري هنا، بدوني لن يبقى لهما أثر !
ربما ليس عندي تسجيل لحظة بداية اللقاء، لأؤرخ لها، أو لأسمّي مكان اللقاء بالذات، وأجواء اللقاء الذي لا يمكن أـن يكون عادياً بمناسبته، وإن كنت أكتب ما يشبه القصة، وقد تُحتسَب حكاية، أو رواية سندبادية، فلا يُطلَب مني التأكيد لأي عبارة يتفوه بها أيٌّ منهما، فأنا على يقين، من أن واقعة كهذه، يمكن نسجها بصيغ شتى. هذا أقصى ما يمكن قوله.
كان الثعلب الغربي يتباهى برأسه المغزلي كثيراً، وهو ما أجده طريفاً، ومقبولاً للبدء :
-أرأيت أيها الثعلب الشرقي كم هو جميل رأسي ؟ هلّا حاولتَ النظر في جماله الذي لا نظير له؟ هل نعمتَ برأس يشق غمار الريح مثل رأسي الذي تنكسر عليه هيبة الريح ؟
كلام أطلقه الثعلب الغربي في هواء المكان، وأراده إعلاماً للثعلب الشرقي.
لم يرق كلام الثعلب الغربي للثعلب الشرقي، لا في طريقة التعبير، ولا نبرة الصوت، ولا في الهيئة التي صاحبت أسلوب التهجئة منه، فحرك ذيله مروحياً:
-سأكون أكثر دقة منك، حين أشير إليك بالثعلب الغربي. هذه أولاً، أما ثانياً، فهو أنه ينبغي ألا تلخص هيئتك برأسك الصغير هذا، الذي يسهل على الريح تطييره أو رمْيه جانباً، أما عني، فانظر إلى ذيلي، بما أنك تتحدث عن رأسك. إنه دواماتي، إنه يحدد مساري، وأعرَف به كثيراً.
قهقه الثعلب الغربي بشكل كاف، إلى درجة أن ذنبه استقام، بحيث تنبه إليه دود الأرض. ليتابع الثعلب الشرقي سرد تباهيه: والأهم، هو أن تركّز على قوائمي التي تمسك الأرض كالكلاليب. لا بد أنك تعرف هذه ؟ أليست هذه كلاليب تلك التي تعلق بالأجسام؟
وليضيف المزيد: قوائمي هي هكذا، إلى درجة أنني أشد الأرض إلي، كما أنني أشد نفسي إليها. أرأيتني كيف أتكلم بفصاحة تفتقدها، وأنت لا تكف عن التفاخر ببلاغتك. بلاغتي عملية، قوائمية. انظر إلي !
ارتفع مراراً عن الأرض، ووجهه مركَّز عليها، وبدا خفيفاً في حركاته.
وجد الثعلب الغربي نفسه، مضطراً إلى الاعتراف بحركته اللافتة، وحتى إعجابه الضمني بها، إنما مع تحفظ:
-نعم، أعترف بقدرتك حتى على الشقلبة، سوى أنك تبالغ في حركاتك، ومحاولتك لفت أنظار من حولك، وكأنّي بك تريد التأكيد على أنك الوحيد والمميّز بهذه الحركات...خفف من حركاتك.
لم يرتح الثعلب الشرقي لكلام الثعلب الغربي في النهاية، رغم أنه سُرَّ بداية لنظرته وهي تسجّل اعترافه لمدى إعجابه بما قام به من حركات، وقبل أن يعبّر بصراحة آلمته :
-يا لك من محدود التفكير. أنت مشدود إلى أنانيتك، ولهذا لا تراني كما أنا .
وأطلق الثعلب الغربي ريحاً، انتقل أثرها إلى الثعلب الشرقي في الحال، فامتعض مما شمَّه:
-هذا هو أنت. أنت فسّاء..ضليع في أمور الفساء. ألا تخجل من نفسك ؟
قفز الثعلب الغربي في الهواء. تفاجأ الثعلب الشرقي وهو يراه يقفز عالياً، ودار في مكانه، وهو يحفر في الأرض الناعمة، راسماً أشكالاً مختلفة، ورد عليه الثعلب الغربي:
-أرأيت كم أنت غر! أنت لا تعرف من تكون. إن جسمنا نحن سلالة الثعالب لا يقدر على حبْس الغازات في داخله، فلماذا نخجل، وممَّ نخجل، ونحن نخلص لطبيعتنا، وإذا كان الذي نطلقه، يخفف عن جسمنا ضغطاً؟ هلّا نظرتَ إلى جسمك المنتفخ، لا بد أنه ممتلىء غازات. أخشى أنك معتاد على شم فسائك من الداخل، وأنت تتظاهر كراهية له. جسمك الآن كرَة، إذا ضغطت عليها قليلاً ستنفجر فساء، يملأ المكان، ويصيبك بالدوخة والدوار يا الثعلب الشرقي .
-لقد نلت مني أيها الثعلب الغربي، إنما...
سؤال أطلقه الثعلب الشرقي باتجاهه دون تحفظ .
-إنما ماذا..؟
سؤال أطلقه الثعلب الغربي كسهم مارق من جهته.
استدرك الثعلب الشرقي قائلاً، وبنوع من الخيلاء:
-إنما لا زلت تصر على أنك في المسار الصحيح. أيعقل أن يهتدي أحدنا نحن الثعالب بمؤخرته حين يفسي؟ إنها تغريبة ثعالبية، بدعة لم أسمع بها من قبل. هل أعيدها على مسامعك ؟
دار الثعلب الغربي حول نفسه، ثم وقف على قائمتيه الخلفيتين، ونطنط قليلاً، وهو يصدر صوتاً يشبه القهقهة، ثم توقف، ليسود صمت، ودار حول نفسه دورتين، ووقف منتصباً أكثر على قائمتيه المذكورتين كما لو أنه نصْب تذكاري، مثبتاً عينيه على الثعلب الشرقي:
-أترى هذه الرحابة الأرضية ؟
هز الثعلب الشرقي رأسه، ورد عليه بسخرية:
-قلها الجبال ذات الثلوج والضباب أيها الثعلب الغربي، إنها الجبال التي تتغني بها كعادتك، وربما عادة أسلافك الذين تعرفهم جيداً !
فدار الثعلب الغربي حول الثعلب الشرقي، ورد عليه بعبارات جلية المخارج:
-يا لك من جاهل بأسرار الجغرافية، يا المتفاخر بالجبل الأجرد، ولكم أضاعَه جبله، ولم يحمه من الآخرين. أما بالنسبة إلي، أنا الثعلب الغربي، ففي هذه الجبال كما تسمّيها، والرحابة والشموخ كما أريد أن أسمّيها، تكمن ذاكرة أجدادي وهي متجذرة فيها، كانت ملعبنا الكبير، فعندما أتوغل فيها، أشعر بالراحة، وأستطيع قطْعها من الجهتين، وأنا مغمض العينين، أتستطيع ذلك أيها البائس ؟
-هكذا من دون بوصلة ؟
سؤال أطلقه الثعلب الشرقي، كما لو أنه كان جاهزاً!
قفز الثعلب الغربي في الهواء، ونشر قهقهة عريضة في المكان، ليردَّ قائلاً، وهو يوجه قائمته الأمامية إلى أسفل بطنه من الخلف:
-إنها هنا، انظر جيداً، بوصلتي خصيتي. أأعجبك ذلك ؟
امتعض الثعلب الشرقي، وهو يردُّ عليه:
-يا لك من سفيه، لم أجد ثعلباً معدوم الحياء، فاقد التهذيب مثلك .
قهقه الثعلب الغربي، ووجَّه إليه القائمة ذاتها تلك التي لامس بها خصيته:
-منذ متى أصبحت عفيف اللسان يا الثعلب الشرقي ها؟ إياك أن تقول أنك أصبحت متصوفاً . أنا أعيش طبيعتي، وبطبيعتي الثعلبية استطعت الحفاظ على نفسي ومكانتي. وأنت أين حدودك ؟
نكس الثعلب الشرقي رأسه، وبقي لبعض الزمن، كأنه عصا مكسورة، وردَّ عليه بحدّة:
-لقد أهنتني. أهنتني، ما كان عليك أن تقسو علي، مهين جداً أن تفسو على نظيرك الثعلب، مهما كان نوع الخلاف بيننا. أنسيت من تكون، ومن أكون. هل فكَّرت في هذه ؟
هز الثعلب الغربي رأسه كجرس في رقبة نعجة، ورد شامتاً:
-لأجل مصلحتك، لأجل مصلحتك. أنت ثعلب ولست بثعلب بتصرفاتك.
-ها قد بدأتَ بنصْحي، رغم أنك تعرف خبرتي بالجهات، أكثر منك بكثير .
أمعن الثعلب الغربي النظر في الثعلب الشرقي لبعض الوقت، وتوقف عن الحركة :
-أيها الثعلب الغربي، ماذا دهاك، أأصابك الدوار من رائحة فسائك ؟
قالها الثعلب الشرقي، وهو ينظر إلى الثعلب الغربي شذراً. فرد عليه هذا مباشرة:
-أشك في أنك ثعلب، من طينتنا. من أين جئت بهذا اللسان الضال . الزم مكانك قليلاً.
اقترب منه، فما كان من الثعلب الشرقي إلا أن تراجع إلى الوراء ، وهو متشنج، ورفع قائمتيه:
-ماذا تفعل أيها الثعلب الغربي. إياك والاقتراب مني. بيننا مسافة، لا تتجاوزها.. احذر .
استمر الثعلب الغربي في تقدمه وبهدوء، وهو يقول له:
-أي مسكون بالخوف أنت أيها الثعلب...الثعلب الشرقي..اطمئن لن يصيبك ضرٌّ مني.
قالها، وهو يلامس ظهر الثعلب الشرقي، وفجأة ضغط بإصبعه على بطنه. اضطرب الثعلب الشرقي على أثرها، حيث انبعثت رائحة فساء في المكان المعلوم، بصوت مسموع. كانت رائحة حادة، أكثر من كونها فساء، كانت أقرب إلى الضرطة، ضرطة حقيقية.
جفل الثعلب الشرقي، وتلبَّك. فضحك الثعلب الغربي مما سمع ورأى:
-أرأيت كم هي كريهة رائحة فسائك الضرطة أيها الثعلب الشرقي. بضغط خفيف، لم تتحمل مؤخرتك. كم أنت تكابر، وتتجاهل طبيعتك. حلَّفتك بالله، ألم ترتح الآن ؟
لم يرد عليه الثعلب الشرقي، إنما أدار له ظهره، مغلقاً عينيه. رآه الثعلب الغربي، فعلَّق عليه:
-يا لك من أحمق يا الثعلب الشرقي، إنني أشفق عليك. دعني أسمعْك، وأعلمك بما أنت غافل عنك. لنتصارح كما نحن الثعالب، لنكن كما نحن. قل عنّي ما تشاء: مغرور، متفاخر، طائش...الخ إلى آخر النعوت التي أعلمها جيداً عن طريقك، ومن هو مثيلك، إنما هناك ما نسيتَه من طباعنا نحن سلالة الثعالب. الثعلب وُهِب المكر، لأنه يعرف حقيقة قوته، يتمسكن، حتى يتمكن، أنا هذا النوع الذي تستخف به، ثم ...
-ثم ماذا يا الثعلب الغربي ؟ أفقدتَ توازنك ؟
-ثم انظر إلى هناك !
قالها الثعلب الغربي !
نظر الثعلب الشرقي، فأبصر نمراً على مبعدة، واستفسر عن مغزى إشارته . رد الثعلب الغربي بصوت هادئ:
-إنه نمر. أتعرف كم هو قوي هذا النمر؟ انظر إليه وهو يصطاد فريسة، انتظر قليلاً، سوف أتودد إليه، سوف لن يعترض على اقترابي منه. إنها علاقة تاريخية، فأنا أعترف بقوته، لكي أحسن البقاء، سوف يقدّم شريحة لحم كبيرة كعادته، تشبعني سريعاً. انظر إلي.
قالها واقترب من النمر وهو يلتهم من لحم فريسته الغزال، وتوقف على مبعدة منه، واستغرب الثعلب الشرقي، حين أبصر النمر الذي يعرفه جيداً، لأنه يعيش في الجوار، وهو يقتطع شريحة لحم كبيرة من فخذ الغزال، ويرميها إليه.
بعد مرور بعض الوقت، رجع الثعلب الغربي، وهو رافع رأسه عالياً، ووجَّه كلامه إلى نظيره، وهو يرمي بالمتبقّي من تلك الشريحة إلى الثعلب الشرقي:
-أتعرف ماذا قال لي؟ لماذا نظيرك واقف في مكانه. طمأنته بقولي على أنك لا تستطيع الحراك كثيراً, شك في الأمر، لكنه تجاهل الموقف، لعله سخر منك، ومن تصرفك الذي يفسّر ثقتك الزائدة بنفسك. ولا بد أنك عشت كثيراً مثل هذا الجوع الذي تعيشه الآن. كُل من فضلي، أنت لا تستحق أن تكون ثعلباً .
-لقد ذللتَ نفسك لذلك النمر. فأين هو الثعلب الماكر فيك بعد الآن ؟
قالها الثعلب الشرقي وهو يفتح شدقيه، كما لو أنه يسحب المزيد من الهواء إلى جوفه.
ساد صمت غريب بينهما، ثم ركّز الثعلب الغربي بناظريه على رأس الثعلب الشرقي الذي بادره بالسؤال التالي في الحال:
-غريبة هي نظرتك إلي يا الثعلب الغربي؟ ماذا بعد ؟
رفع الثعلب الغربي قائمته الأمامية اليمنى، موجّهاً إياها إلى رأس الثعلب الشرقي:
-أذناك فقدتا طولهما المعهود!
في الحال مرّر الثعلب الشرقي قائمته الأمامية اليمني على أعلى رأسه، لأكثر من مرة، وبدا خائفاً، وهو ينظر جهة الثعلب الغربي، حيث أذناه بدورهما فقدتا طولهما المعهود :
-حتى أذناك يا الثعلب الغربي .
سريعاً، هو الآخر لمس أذنيه، ودار حول نفسه، وهو يتفحص المكان، كما لو أنه يبحث عن شيء سقط منه، وتساءل لأكثر من مرّة:
-ماذا يجري ؟
اتسعت عينا الثعلب الشرقي، ثم قال موضّحاً:
-لعلّي عرفتُ السبب، وربما نسيته يا الثعلب الغربي ؟
استعجل الثعلب الغربي الجواب منه:
-أي سبب ؟ يبدو أن هناك علّة ما .
قال الثعلب الشرقي، بنبرة لا تخفي خوفاً:
-تذكرتُ للتو، ما سمعتُه من جدّي نقلاً عن جده هو الآخر، أن أياً منا حين يتنكر لأصله،أو منا يخالف أصله، سيرى ما لا يتمناه.
ألحَّ عليه الثعلب الغربي بتقديم الجواب المنتظر سريعاً، فكان رد الثعلب الشرقي:
-كلما أمضى الثعلب وقتاً في الابتعاد عن حقيقة كونه ثعلباً، سوف يطرأ عليه تغييرٌ يصدمه .
-لا بد أنك تمزح. قلها بصراحة أنك تمزح. تعرفني لا أحب المزاح. المزاح أصلاً مرفوض من سلالتنا نحن الثعالب. ثم أنسيتَ ما كنت عليه قبل الآن بقليل ؟
-لا! لم أنس . حاول أن تسمّي شيئاً لا قبَل للثعلب به، وسوف ترى تأكيداً على ذلك .
- أي شيء كان ؟
-نعم، أي شيء كان. انتظر، وانظر إلي.
ثم بدأ الثعلب الشرقي في وصف نفسه وقوتها. في الحال قصُر ذيله كثيراً، فضحك الثعلب الغربي، لكنه ما أن باشر بالضحك، حتى شعر بمؤخرته عارية، فأثارت مرأى مؤخرته ضحك الثعلب الشرقي. ضحك كثيراً، فبدا رأسه أصلع. وهكذا شعر الثعلبان أنهما يفقدان في كل مرة بعضاً من هيئتهما الثعلبية، فارتعب الاثنان، ليستفسر الثعلب الغربي عما يجري، فرد الثعلب الشرقي في الحال، وهو متضايق مما يجري:
-هناك خطبٌ جلل فيما نقوم به . يظهر جلياً أننا نسينا من نكون. ماذا فعلنا، ونحن نتكلم كأننا وُهِبنا الكلام المطلوب؟ لقد تصرفنا خلاف طبيعتنا، وكما أتذكر، لا بد أننا فيما لو استمرينا بالضحك لمرأى بعضنا بعضاً، سنفقد كل علامة ثعلبية فينا، فالثعالب ليس من شيمها التقابل بالطريقة هذه، وكان علينا ألا نتقابل، ونتواجه بالطريقة هذه . نعم ، تذكرت كل شيء الآن.
رد الثعلب الغربي وداخَله رعب كبير:
-نعم، نعم، كيف نسيت هذا، يا لذاكرتي البائسة، أتذكر الآن حرفياً ما نقله إلي جدي عن جده التليد، أليس هذا ما سمعته عن جدك، وهو بدوره سمعه عن جده التليد ؟
هز الثعلب الشرقي رأسه، وهو يغمض عينيه ويفتحهما على وسعهما:
-يا لنا من أحمقين، جدنا الأول واحد، واحد أوحد هو جدنا يا فاقد الذكرة.
هز الثعلب الغربي رأسه علامة الموافقة، وليعلق:
-كان علي أن أدرك ذلك منذ البداية.
وبعد التقاطه لأنفاسه اللاهثة، قال:
-لا بد أننا نسينا من نكون، سوف تتلبسنا هيئة بشرية. يا للسخف. أليس كذلك؟
قالها، ليفاجأ الاثنان وهما على حافة هاوية نبهتهما إلى ما هما عليه.
-ماالعمل ؟
سأل الثعلب الغربي، فجاوبه الثعلب الشرقي:
-هناك طريقة واحدة، علينا تداركها قبل فوات الأوان، حين ننظر إلى بعضنا بعضاً ثعلبين وكفى، الزمن يتداركنا، ونحن على وشك نفاد فرصة الخلاص، كما يبدو .
رد الثعلب الغربي متوتراً:
-قلها، قلها سريعاً.
-حالة واحدة تبقينا ثعلبين كما كان جدُّنا الثعلب الأول: أن تنسى من تكون إلا أن تكون الثعلب، وأن أنسى من أكون، إلا أن أكون الثعلب، وبهذا الشكل نضمن المتبقي من حياتنا، ويمكننا القفز فوق هذه الهاوية، لا ثعلب غربي، لا ثعلب شرقي، لا أي ثعلب آخر، مالنا وما نسمّيه. إنما ثعلب وكفى.
صرخا معاً، وبأعلى صوتهما:
-نحن الثعلبان الثعلبان الثعلبان الثعلَـ...وهناك النمر الذي يمكن التعويل عليه في أعمال مشتركة لنا، هكذا تكون الحياة، وعلينا الحفاظ عليها كما هي، طالما تستجيب لما نريد، ولنجعل هذا المكان محميّة لنا ما بقي دهرنا..
وقفزا بكل قوتهما !
اختفت الهاوية، وظهر الثعلبان بعد قفزتهما الطويلة إثر صراخهما ذاك، ثعلبين حقيقيين، وهما ينطلقان، ويتشقلبان فوق العشب معاً، وملؤهما مرح وسرور. بينما كان النمر ينظر إليه من عل ٍ، وهو يبتسم، ويردد : لا بد أن يعرفا دوري هنا، بدوني لن يبقى لهما أثر !