يحيى بركات -الانتخابات تتحرك... والمجتمع خارج الكادر من يختار الذين سيطلبون منا أن نختارهم؟

أسأل الناس عن انتخابات الثامن والعشرين من تشرين الثاني،
فلا أسمع كثيرًا من الأسئلة عن البرامج، ولا عن القوائم، ولا عن الأسماء التي قد تدخل المجلس التشريعي بعد عشرين عامًا من الغياب.

أسمع شيئًا آخر.

«كل شيء مرتب».
«كذبة كبيرة».
«اللي بدهم إياه راح ينجح».
«اللي على الكرسي راح يبقى على الكرسي».

جمل قصيرة، لكنها أثقل من خطب طويلة.
والغريب أن هذه الجمل تُقال في الوقت الذي لا يبدو فيه شيء في الطابق السياسي مرتبًا فعلًا.

هناك، الأبواب لا تهدأ.

وفود تدخل وأخرى تغادر. هواتف تعمل ليلًا. خصومات قديمة يعاد ترتيبها. تحالفات لم يكن ممكناً تخيل بعضها قبل سنوات يجري البحث فيها اليوم. حماس قررت المشاركة. التيار الإصلاحي عاد بقوة إلى قلب الحركة السياسية. قوى وشخصيات تبحث عن موقعها. فصائل تقيس المسافة بينها وبين هذا التحالف أو ذاك. فتح الرسمية تعيد حساباتها، بينما بدأ الحديث عن احتمال التأجيل يتسلل باكرًا إلى المقالات والتحليلات.

في الأعلى حركة تكاد لا تتوقف.
وفي الأسفل سكون محيّر.

هنا يبدأ السؤال.
ماذا جرى للمجتمع الفلسطيني حتى أصبحت انتخابات يفترض أنها انتخاباته تتحرك أمامه وكأنها شأن الآخرين؟

ليست المشكلة أن الفصائل تتحالف.
ولا أن الأحزاب تختار مرشحيها.
هذا حقها الطبيعي.

المشكلة أن الأمر تحول، بهدوء ومن دون نقاش تقريبًا، إلى قاعدة غير مكتوبة: القوى السياسية تصنع القوائم، تختار الأسماء، تتفاوض على المواقع، ثم يأتي المجتمع في اليوم الأخير ليختار بين ما اختاره الآخرون.

حتى النقد أصبح يتحرك داخل هذه القاعدة.

نسأل: كيف ستختار فتح مرشحيها؟ من ستضع حماس على قائمتها؟ هل تتوحد القوائم الفتحاوية؟ من سيدخل التحالف الواسع؟ ماذا سيفعل اليسار؟ وأي المستقلين سيجدون طريقهم إلى هذه القائمة أو تلك؟

أسئلة مشروعة.
لكن سؤالًا أبسط يكاد يضيع بينها:
من قال إن دور المجتمع يبدأ بعد أن تصبح الورقة جاهزة؟

فالناخب يستطيع أن يكون حرًا تمامًا خلف العازل، وأن يضع إشارته حيث يريد، ومع ذلك تبقى هناك مرحلة كاملة سبقت دخوله إلى الغرفة لم يكن شريكًا فيها.

من كتب الأسماء على الورقة؟
من اختارها؟
من قرر أن هذا الشخص يمثل الناس ولا يمثلهم ذاك؟
ومن منح التنظيمات والتيارات والتحالفات وحدها حق صناعة الخيارات، ثم ترك للمجتمع حق المفاضلة بينها؟

قد يبدو السؤال نظريًا، لكنه في الحقيقة يمس جوهر الشرعية.

لأن الديمقراطية ليست فقط حرية الاختيار بين المرشحين.

هي أيضًا حق المجتمع في أن يكون حاضرًا في صناعة من سيصبحون مرشحين.

وهنا تظهر المفارقة التي تزداد وضوحًا كل يوم.

القوى السياسية تتحرك لأنها تعتقد أن الانتخابات يمكن أن تغيّر مواقعها.

أما قطاعات واسعة من المجتمع فتستقبلها ببرود لأنها لا تعتقد أن الانتخابات ستغيّر موقعها في القرار.

الفصائل تحسب المقاعد.
التيارات تحسب الأصوات.
التحالفات تحسب ما يضيفه هذا الطرف وما يسحبه ذاك.

أما المواطن فيحسب الراتب الناقص، وكلفة الخبز، وقسط الجامعة، وثمن الدواء، ويضع عينه على أرض يخشى أن يأتي مستوطن غدًا فيستولي عليها، أو على بيت يخشى أن يقتحمه الجيش قبل الفجر.

وفي غزة، ليست الانتخابات أول سؤال يطرحه من يعيش تحت الخيمة أو بين الركام ويبحث عن الماء والدواء والغذاء ومصير بيت لم يعد موجودًا.

هذا لا يعني أن المجتمع لا يهتم بالسياسة.
بل ربما يعني شيئًا أخطر:
أنه فقد الثقة بأن تدخله فيها سيغيّر شيئًا.

حين يقول المواطن: «كل شيء مرتب»، فهو لا يقول إن الانتخابات لا تعنيه.

هو يقول إن النتيجة، في ظنه، تُصنع في مكان آخر.

وحين يقول: «اللي على الكرسي راح يبقى على الكرسي»، فهو لا يتحدث فقط عن شخص.

هو يتحدث عن تجربة طويلة تراكمت في وعيه حتى انفصل عنده الفعل عن النتيجة.

لم يعد يرى خطًا واضحًا بين صوته وبين التغيير.
وهذا أخطر من اللامبالاة.
فاللامبالي يمكن أن يستيقظ.
أما من اقتنع بأن صوته لا يبدل شيئًا، فإنه يحتاج أولًا إلى أن يستعيد ثقته بأن الفعل ما زال ممكنًا.

لكن قبل أن نحاسب المجتمع على سكونه، يجب أن نسأل سؤالًا آخر:

أين يذهب إذا أراد أن يتحرك؟

لو اجتمع آلاف المعلمين وقالوا: لدينا أشخاص نريدهم في المجلس، فما الآلية؟

لو أراد الأطباء أو المهندسون أو الفنانون أو الكتاب أو العمال أو المزارعون أو الشباب أو النساء أو الحركة الطلابية أن يفرزوا من داخلهم شخصيات يرونها جديرة بالتمثيل، أين يفعلون ذلك؟

أي مؤسسة تستقبل هذه الإرادة وتحولها من رأي اجتماعي إلى فعل سياسي؟

ربما هنا تكمن إحدى العقد الكبرى.

نطالب المجتمع بأن يشارك، بينما أدوات مشاركته ضعفت أو أُفرغت أو أصبحت بدورها جزءًا من المحاصصة السياسية.

النقابة لم تعد دائمًا نقابة فقط.

والاتحاد لم يعد دائمًا اتحادًا فقط.

والجامعة لا تتحول بسهولة إلى مساحة سياسية مستقلة.

والحركة الثقافية والفنية التي يفترض أن ترى المشهد من خارج حسابات المقاعد تبدو، هي الأخرى، أقل حضورًا من حجم اللحظة.

وهذا هو الجزء الأكثر إرباكًا.
يمكن أن نفهم إنهاك المواطن.
لكن ماذا عن المثقف؟
ماذا عن المفكر؟
ماذا عن الأكاديمي؟
ماذا عن الفنان والكاتب والطالب والحركة الثقافية التي كانت يومًا جزءًا من تشكيل الوعي الوطني لا مجرد شاهد عليه؟

لا يكفي أن تتحول هذه النخب إلى جمهور يتابع مباراة التحالفات: من دخل، من خرج، من اقترب، من ابتعد، ومن أخذ هذا المقعد أو ذاك.

وظيفة المثقف ليست فقط أن يصف حركة الكاميرا.
أحيانًا عليه أن يسأل:
لماذا بقي بطل الفيلم خارج الكادر؟

ومع ذلك، لا أريد أن أظلم المجتمع ولا أن أصفه بالموت أو النوم.
المجتمع يتكلم.

لكن كلامه بقي في البيت والمقهى والسيارة ومجموعات الأصدقاء.

غضب موجود.
سخرية موجودة.
رفض موجود.
فقدان ثقة موجود.

لكن كل ذلك لم يتحول بعد إلى قوة سياسية منظمة.

مجتمع غاضب لكنه مبعثر.
رافض لكنه بلا أداة.
يعرف ما لا يريده، لكنه لم يجد بعد الطريق الذي يصنع به ما يريده.

وفي اللحظة نفسها، تتحرك في الأعلى قوة أخرى تمامًا.

القوة المنظمة.
من لديه ماكينة انتخابية يصبح مهمًا.
من لديه كتلة أصوات يصبح مهمًا.
من لديه تمويل يصبح مهمًا.
من لديه علاقات إقليمية ودولية يصبح مهمًا.
من يستطيع أن يدخل إلى غرفة التفاوض وفي يده شيء يمكن حسابه يصبح مطلوبًا.

وهكذا تصبح السياسة شيئًا فشيئًا سوقًا لموازين القوة.

ولهذا لا أستغرب أن تتحول التحالفات إلى مركز المشهد.

ولا أستغرب أن يصبح تيار خرج من فتح، لكنه يمتلك تنظيمًا وحضورًا وعلاقات ومالًا وقدرة على الحشد، أكثر جاذبية في لحظة انتخابية من عشرات الكوادر والمثقفين والمفكرين الذين يملكون تاريخًا وتجربة وكفاءة لكنهم لا يدخلون إلى الغرفة حاملين معهم كتلة جاهزة من الأصوات.

هنا لا يعود السؤال متعلقًا بفتح وحدها.

إنه سؤال عن النظام السياسي كله:

هل أصبح وزن اللاعب يقاس بقدرته على التأثير في ميزان القوة أكثر مما يقاس بقدرته على تمثيل المجتمع؟

وهنا أيضًا ينبغي النظر إلى ارتفاع الحديث عن احتمال تأجيل الانتخابات.

هناك عقبات حقيقية، لا يجوز إنكارها أو التقليل منها.

القدس.

الاحتلال.

الاعتقالات.

المناطق المصنفة «ج».

الوضع الكارثي في غزة.

سجل الناخبين.

حرية الحركة.

القدرة على تنظيم اقتراع في مساحة جغرافية ممزقة وتحت احتلال يملك أن يعرقل العملية في أكثر من موضع.

كل ذلك حقيقي.

لكن يظل من حقنا أن نسأل:

لماذا يرتفع الحديث عن التأجيل في اللحظة نفسها التي أصبحت فيها النتيجة أقل قابلية للتوقع؟

فالمشهد الذي بدا لبعض القوى عند إعلان موعد الانتخابات ربما لم يعد هو نفسه.

حماس ستشارك.

تحالفات جديدة تتشكل.

التيار الإصلاحي أصبح لاعبًا لا يمكن تجاهله.

احتمال تعدد القوائم الفتحاوية أو ظهور قوى فتحاوية خارج الإطار الرسمي قائم.

الاستطلاعات لا تعطي القوتين الكبيرتين راحة كبيرة، بل تكشف مساحة واسعة من المجتمع لا ترى في أي منهما الخيار الذي تريده لقيادتها.

وفوق كل ذلك، تبقى ذاكرة 2006 حاضرة في الخلفية.

ليست لأن التاريخ يعيد نفسه حرفيًا.

لكن لأن تلك الانتخابات علمت الجميع أن الصندوق قد يقول شيئًا مختلفًا تمامًا عما تقوله الغرف التي تسبقه.

لا أملك دليلًا يتيح لي القول إن أحدًا قرر تأجيل الانتخابات خوفًا من النتيجة.

ولا أريد أن أحول السؤال إلى اتهام.

لكن من حق المجتمع أن يعرف:

هل الخوف من العقبات وحدها، أم أن هناك أيضًا خوفًا من صندوق لم يعد أحد قادرًا على ضمان ما سيخرجه؟

أما الموقف الإسرائيلي فلا أراه محسومًا بعد.

الاحتلال قادر على العرقلة، وهذا واضح.

لكن إسرائيل نفسها ذاهبة إلى انتخابات تسبق الاستحقاق الفلسطيني، ومن المبكر الآن التعامل مع قرار لم يصدر بعد باعتباره قدرًا نهائيًا.

وقد تكون هذه مفارقة أخرى في المشهد.

الناس يقولون:

«كل شيء مرتب».

بينما الطبقة السياسية نفسها تتصرف كأن لا شيء مضمون.

ولو كانت النتائج معروفة فعلًا، لما رأينا كل هذا الارتباك.

ولا كل هذه التحالفات.

ولا هذا الركض خلف القوى والأسماء.

ولا هذا القلق من المفاجآت.

ربما المجتمع منسحب لأنه يعتقد أن النتيجة محسومة، بينما القوى السياسية في حالة استنفار لأنها تعرف أنها ليست كذلك.

وهنا، وسط هذا كله، أرى نافذة لا ينبغي أن نغلقها بالسخرية أو اليأس.

هناك إشارات إلى بحث بعض القوى عن كوادرها التي ابتعدت، وعن أكاديميين ومثقفين وشباب وفعاليات وطنية وحركة طلابية، وعن مساحات أوسع من الإطار التنظيمي الضيق.

هذه الإشارات قد تكون مجرد حساب انتخابي.

وقد تكون بداية شيء آخر.

وأمام فتح هنا فرصة خاصة.

لا لأنها وحدها مطالبة بالتغيير، ولا لأننا نبحث عن طريقة لإنقاذها من خسارة محتملة، وإنما لأنها ما زالت في مركز النظام السياسي الفلسطيني، ولأن تاريخها وحجمها يجعلان قدرتها على فتح الباب أكبر من قدرة كثيرين غيرها.

إذا أرادت أن تستعيد مكانتها في المجتمع، فلا أرى الطريق في البحث أولًا عمن يضيف إليها أصواتًا.

الطريق يبدأ من استعادة من يستطيعون أن يضيفوا إلى فكرتها ودورها.

كوادرها التي ابتعدت أو أُبعدت.

مفكروها.

مثقفوها.

أكاديميوها.

فنانوها.

كتابها.

شبابها.

نساؤها.

أصحاب الخبرة والتجربة فيها.

لا لتضعهم على قائمة جاهزة.

بل لتجلس وتسمع.

لأن المؤتمر الذي يغلق الأبواب قد ينتج صورة من التماسك داخل القاعة، لكنه قد يكتشف بعد ذلك أن جزءًا من الحيوية والتجربة والقوة قد أصبح خارجها.

وقد تكون استطلاعات الرأي والتحالفات الجديدة مرآة أكثر صدقًا من التصفيق داخل المؤتمر.

وربما يكون الخطأ الأكبر أن تفهم فتح الرسالة باعتبارها: نحتاج إلى تحالف أقوى.

بينما قد تكون الرسالة الأعمق:

نحتاج إلى حركة أوسع من جديد.

حركة تستعيد علاقتها بالمجتمع قبل أن تستعيد أصواته.

لكن ما أقوله لفتح لا أعفي منه حماس.

فإذا كانت حماس تتجه إلى التحول من قوة تحكم وتحمل السلاح إلى قوة سياسية تشارك في النظام، فإن التحول لا يكتمل بتبديل الاسم أو الموقع.

الحزب السياسي يُختبر بقبوله التعددية، والحريات، وتداول السلطة، والمساءلة، وحق المجتمع في أن يقول له نعم اليوم ولا غدًا.

ولا أعفي اليسار.

فاليسار لا يستعيد دوره بمجرد أن يجمع فصائله في قائمة موحدة.

يستعيده عندما يعود إلى حيث كان يجب أن يكون أصلًا: إلى الجامعة، والنقابة، والعامل، والفلاح، والحركة الثقافية، والشباب، والأسئلة الاجتماعية التي تجعل الفكر السياسي حيًا لا ذكرى حزبية.

ولا أعفي المستقلين.

فالمستقل ليس مستقلًا لأنه بلا بطاقة حزبية.

الاستقلال الحقيقي أن يستطيع أن يقول «لا» لمن أوصله إذا تعارضت إرادة من أوصله مع المصلحة العامة.

ولا أعفي أي تحالف جديد من السؤال نفسه.

فليس كل ما يولد خارج المؤسسة القديمة جديدًا بالضرورة.

يمكن أن نستبدل غرفة بغرفة.

ونخبة بنخبة.

ووجوهًا بوجوه.

ثم نبقي المجتمع في المكان نفسه.

لهذا لا أبحث عن «قائمة مجتمع» تضاف على عجل إلى سوق القوائم.

ذلك قد يعيد إنتاج المشكلة نفسها بثوب مختلف.

أبحث عن شيء أسبق من القائمة:

مساحة للمجتمع.

مساحة يستطيع فيها الطالب والفلاح والعامل والطبيب والمهندس والفنان والكاتب والأكاديمي والمرأة والشاب وأهل المخيم والقرية والمدينة وأبناء شعبنا في المهاجر أن يناقشوا السؤال قبل الاسم.

من نريد أن يمثلنا؟

ما معايير النزاهة؟

ما حدود المساءلة؟

كيف نمنع الفساد؟

كيف نحمي الحريات؟

كيف نعيد بناء منظمة التحرير على أسس تمثيلية؟

كيف نحمي استقلال القضاء؟

كيف نعيد الاعتبار إلى التداول الحقيقي للسلطة؟

كيف يصبح المشروع الوطني إطارًا يجمع المختلفين بدل أن يصبح شعارًا يتنافس الجميع على احتكاره؟

ومن داخل هذه الأسئلة، يمكن أن تولد الأسماء.

لا العكس.

اعتدنا أن نبحث عن الأشخاص أولًا، ثم نطلب منهم أن يقدموا لنا البرامج.

ربما علينا هذه المرة أن نصنع الفكرة أولًا، ثم نبحث عمّن يستطيع حملها.

وهذا هو الحامل السياسي الذي أراه ممكنًا.

ليس حزبًا جديدًا بالضرورة.

ولا جبهة ضد فتح.

ولا جبهة ضد حماس.

ولا محاولة لإقصاء الفصائل.

بل حالة وطنية مجتمعية تجعل من المجتمع مركز الجاذبية، وتدفع القوى السياسية إلى أن تعيد تعريف نفسها وعلاقتها بالناس.

يمكن للفتحاوي أن يبقى فتحاويًا.

ولليساري أن يبقى يساريًا.

ولمن يختار حماس أن يبقى داخلها.

وللمستقل أن يحافظ على استقلاله.

لكن فوق هذه الانتماءات كلها يجب أن توجد مساحة أوسع:

المجتمع الفلسطيني ومشروعه الوطني.

وهنا فقط يصبح الحديث عن «شركاء لا أتباع» أكثر من عبارة جميلة.

فالشراكة لا تبدأ عندما تدعو الناس إلى الطاولة بعد أن تكون قد وضعت الطعام وحددت المقاعد.

الشراكة تبدأ عندما يشارك الجميع في اختيار الطاولة نفسها.

وقد يقول قائل:

فاقد الشيء لا يعطيه.

وكيف نطلب من قوى ساهمت في إنتاج الأزمة أن تصبح هي أداة الخروج منها؟

السؤال مشروع.

ولهذا لا أراهن على أن تغير البنى السياسية نفسها من تلقاء ذاتها.

ولا أنتظر مخلّصًا جديدًا.

ولا أظن أن «المزبطة تغيّر ختمها» بسهولة.

لكنني أراهن على القوى الحية الموجودة داخل هذه القوى وخارجها.

على الكادر الذي لم يمت فيه السؤال.

على المثقف الذي لم يتحول إلى شاهد.

على الطالب الذي لا يريد أن يرث الانقسام.

على العامل والفلاح اللذين يعرفان أن السياسة ليست ترفًا لأنها تدخل إلى لقمة عيشهما وأرضهما.

على الفلسطيني في المخيم الذي لم يصبح المخيم بالنسبة إليه مجرد عنوان للذاكرة.

وعلى الفلسطيني في المهاجر الذي لا ينبغي أن يبقى شاهدًا على قرار وطني يُصنع بعيدًا عنه.

هؤلاء هم من يستطيعون أن يدفعوا الأحزاب إلى التغيير.

لا لأنهم ينتظرون من الأحزاب أن تمنحهم الحق.

بل لأنهم يستعيدونه.

فالشرعية لا تنزل من أعلى.

ولا تنتقل بالوراثة.

ولا يكفي أن يقول تنظيم: أنا حملت البندقية يومًا، إذن لي حق تمثيلكم إلى الأبد.

ولا يكفي أن يقول مسؤول: أنا في المؤسسة، إذن أنا الشرعية.

ولا يكفي أن يقول مستقل: أنا خارج الأحزاب، إذن أنا المجتمع.

الشرعية يجب أن تُبنى من جديد.

كل مرة.

ومن الناس.

وهنا أصل إلى نهاية لا أريدها أن تكون نهاية.

لأنني إن أكملت وحدي وأعطيت الإجابات كلها، سأقع في الخطأ نفسه الذي حاول هذا المقال أن يناقشه.

سأتحدث باسم المجتمع.

لذلك أتوقف هنا.

وأضع الفكرة أمام القارئ.

أمام المثقف والمفكر والأكاديمي والطالب.

أمام الفنان والكاتب.

أمام العامل والفلاح.

أمام المرأة والشاب.

أمام ابن المدينة وابن القرية وابن المخيم.

وأمام أبناء شعبنا في المهاجر والشتات.

وأضعها أمام الفتحاوي والحمساوي واليساري والمستقل، وأمام من فقد ثقته بالجميع.

لا أطلب منكم أن توافقوا على ما كتبت.

أريد أن أعرف أين أخطأت.

ماذا ينقص هذه الفكرة؟

هل يستطيع المجتمع أن ينتج حاملًا سياسيًا يوجه المرحلة من دون أن يتحول هو نفسه إلى نخبة جديدة تستولي على صوته؟

كيف يمكن أن ينتقل من الشكوى إلى الفعل؟

كيف نخلق المساحة التي يستطيع الناس فيها أن يرشحوا من يثقون بهم قبل أن يُطلب منهم الاختيار بين أسماء أعدها الآخرون؟

وكيف نعيد للمثقف والفنان والجامعة والنقابة والحركة الطلابية والقرية والمخيم والشتات دورهم في صناعة المستقبل؟

هذه الأسئلة لا أملك حق الإجابة عنها وحدي.

ولا ينبغي لأحد أن يملك هذا الحق.

ربما يبدأ التغيير من هنا.

من أن يتوقف الجميع قليلًا عن الحديث باسم المجتمع...

ويبدأ المجتمع بالكلام.

فالانتخابات، إن جرت، ستنتهي في يوم.

أما السؤال الذي سيبقى بعدها فهو:

من يصنع الشرعية؟

ولذلك لا أريد أن تكون آخر لقطة في هذا المقال صوت كاتبه.

أريد أن تبتعد الكاميرا.

أن تخرج من الغرفة.

أن تمر في الشارع.

في الجامعة.

في المصنع.

في الحقل.

في المخيم.

في المدينة والقرية.

وتصل إلى أبعد مكان يوجد فيه فلسطيني ما زال يرى نفسه جزءًا من هذه الحكاية.

ثم تتوقف.

وتترك له الكلمة.

لأن المرحلة المقبلة لا تحتاج فقط إلى قيادة جديدة.

تحتاج إلى مجتمع يستعيد قدرته على إنتاج القيادة.

يحيى بركات
27 /8/ 2026



FB_IMG_1787830862706.jpg

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى