علي سيف الرعيني -|الخيارات المؤقته !!

ليس بالضرورة أن يكون الإنسان فاشلا ولا أن تكون حياته خالية من الإنجازات قد يكون موظفًا ناجحا أو أبا مسؤولا أو شخصية اجتماعية محبوبة وربما ينظر إليه الآخرون بإعجاب، ولا يعرفون أن خلف هذا النجاح سؤالًا صغيرا ظل يكبر بصمت وماذا عني أنا؟
منذ طفولتنا نتعلم كيف نكون كما يريد الآخرون نسمع كثيرا كن طبيب كن مهندس كن موظف مرموق احصل على وظيفة جيدة لا تخيّب ظن عائلتك لا تختلف كثيرا لا تخاطر لا تقل ما تفكر فيه ولا تذهب بعيدا عن الطريق الذي رسمناه لك وهكذا دون أن نشعرقد يتحول الإنسان من صاحب حلم إلى منفذ لتوقعات الآخرين يمر العمر وتصبح الخيارات التي كانت مؤقتة قرارات نهائية والأشياء التي قلنا عنها لاحقًا سنوات كاملة الرحلة التي نحلم بها الدراسة التي تمنينا إكمالها المشروع الذي كنا نراه ممكنا وحتى الكلمات التي كان ينبغي أن نقولها في وقتها نقول لأنفسنا دائما:عندما تتحسن الظروف
لكن الظروف لا تتحسن دائما بالطريقة التي ننتظرها والحياة لا تمنحنا ضمانا بأن الغد سيكون أكثر رحمة من اليوم
المشكلة ليست في أن يتحمل الإنسان مسؤولياته فالمسؤولية جزء أصيل من الحياة ولا يمكن أن نعيش لأنفسنا وحدها. المشكلة تبدأ حين يتحول إرضاء الآخرين إلى مشروع عمر وحين يصبح خوفنا من خذلانهم أكبر من خوفنا من خذلان أنفسنا
إنسان اختار تخصصا لا يحبه لأن الأسرة أرادته له؟
وشخص بقي في عمل يستنزفه لأنه يخشى كلام الناس؟ حلم مات في بدايته لأن صاحبه كان ينتظر موافقة الجميع؟
وشخص عاش سنوات طويلة وهو يبتسم في المكان الخطأ فقط لأن الاعتراف بأنه أخطأ في الطريق كان أكثر إيلاما من الاستمرار فيه؟
في مجتمعاتناكثيرا ما يُقاس النجاح بما يظهر على السطح وظيفة منزل سيارة منصب دخل حضور اجتماعي. لكن هناك نجاحا آخر لا تلتقطه الصور ولا تكتبه السير الذاتية: أن تصل إلى حياة تشبهك
أن تستيقظ صباحا دون أن تشعر أنك تؤدي دورا ليس لك
أن تعمل فيما تستطيع أن تمنحه من قلبك
أن تقول لا حين يكون نعم ظلما لنفسك
أن تختار أصدقاءك بعناية وأن تمنح وقتك لمن يستحقه، وأن تعرف متى تتوقف عن الركض خلف باب لا يُفتح
ليس المقصود أن ينسحب الإنسان من مسؤولياته أو أن يضع رغباته فوق حقوق الآخرين، بل أن يعيد ترتيب العلاقة بينه وبين ذاته
فالإنسان الذي يهمل نفسه طويلا لا يصبح بالضرورة أكثر عطاء أحيانا يصبح أكثر تعبا وأكثر غضبا وأكثر قابلية للانطفاء وحين يتراكم هذا الإهمال قد يبدأ في تحميل الآخرين مسؤولية حياة لم يخترها هو أصلا
والحقيقة القاسية أن لا أحد يستطيع أن يعيش حياتنا بدلا منا قد يساعدنا الآخرون، وقد ينصحوننا وقد يحبوننا بصدق لكنهم لا يستطيعون أن يحملوا عنا السنوات التي ضاعت ولا الأحلام التي دفناها ولا الأسئلة التي خفنا من مواجهتها
لهذا ليست العودة إلى النفس أنانية كما قد يظن البعض أحيانا تكون ضرورة لإنقاذ ما تبقى من العمر
قد تبدأ العودة بسؤال بسيط جدا: ماذا أريد أنا؟
ليس ماذا يريد أبي أو أمي أوشريكي أو أصدقائي أوالمجتمع
ثم يأتي السؤال الأصعب: هل الحياة التي أعيشها الآن تقودني إلى الإنسان الذي أريد أن أكونه؟ قد لا تكون الإجابة مريحة لكنها ضرورية
فبعض الناس يحتاجون إلى تغيير وظيفة وبعضهم إلى إنهاء علاقة تستنزفهم وآخرين إلى استعادة حلم قديم وربما يحتاج البعض فقط إلى أن يتوقف قليلًا عن محاولة إرضاء الجميع
ليس مطلوبا أن نهدم حياتنا كي نبدأ من جديد. أحيانا يكفي أن نغيّر اتجاها صغيرا أن نستعيد عادة أحببناها، أن نقرأ أن نتعلم أن نكتب، أن نسافر حين نستطيع، أن نمنح أنفسنا وقتًا بعيدا عن الضجيج أو أن نتصالح مع فكرة أننا لسنا مطالبين بأن نكون النسخة التي يتوقعها الآخرون منا
والأجمل أن الإنسان لا يفقد حقه في البدء لمجرد أنه تأخر
قد تأتي بعض البدايات متأخرة لكنها تأتي أكثر نضج وصدق فالشجرة التي تأخرت في الإثمار لا تصبح عديمة القيمة والحلم الذي تأجل سنوات لا يفقد بالضرورة قدرته على الحياة
العمر ليس فقط ما مضى، بل ما تبقى منه أيضا
لذلك ربما لا ينبغي أن نسأل أنفسنا كم سنة ضاعت بل ماذا سنفعل بالسنوات القادمة
فأقسى أنواع التأخر ليس أن تصل متأخرا إلى وظيفة أومكان أو حلم أقساه أن تصل إلى نهاية الطريق ثم تكتشف أنك كنت طوال الوقت تعيش حياة اختارها لك الآخرون.
حينها لا يكون الندم على ما لم نملكه بل على أنفسنا التي تركناها تنتظر طويلا عند أول الطريق.
ولعل أجمل ما يمكن أن يفعله الإنسان في منتصف الرحلة أو حتى قرب نهايتها أن يلتفت إلى ذلك الصوت الخافت الذي ظل يسكنه كل هذه السنوات ويقول له أخيرا
أعرف أنني تأخرت عليك لكنني عدت
وربما تكون تلك الجملة ببساطتها بداية حياة كاملة !!

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى