د. عاطف سلامة - أحد عشر جروًا...

حين ضاقت غزة بأهلها، بدأ الأستاذ مصطفى رحلة النزوح التي تشبه الطريق إلى المجهول: من غزة إلى خان يونس، ومن خان يونس إلى رفح، ومن رفح إلى الوسطى، حتى انتهى به المطاف في بلدة تسمى الزوايدة.
كانت الزوايدة، وسط ذلك الخراب، تبدو كأنها بقعة نجت من غضب السماء. لم تنجُ تمامًا؛ لها شهداؤها وبيوتها المهدمة ونازحوها، لكنها ظلت أكثر خضرة وهدوءًا، تتنفس بين أشجارها حياةً خجولة، كأن الحرب لم تستطع أن تجد طريقها إلى كل أغصانها.
استأجر مصطفى بيتًا صغيرًا تحيط به جنينة.
وفي اليوم الثالث، ظهرت بيلا.
كلبة شوارع هزيلة، بلون الغبار، تمشي بحذر، وكأنها هي الأخرى نزحت من مكان لا تعرفه. كان أهل الحارة قد أطلقوا عليها اسم «بيلا»، ولم يعد أحد يعرف لماذا.
كانوا يطعمونها حين يتوفر الطعام، وحين يشحّ كانت تعرف طريقها إلى مكبات النفايات. تأكل من فتات الناس، ثم تعود.
شيئًا فشيئًا، صار بيت مصطفى محطتها.
كانت تأتي، تنظر إليه، ثم تجلس.
قالت زوجته: يبدو أنها أحبت البيت.
أجاب مصطفى: ربما لأنها لم تجد بيتًا غيره.
في يوم آخر، جاءت بيلا ومعها كلب ذكر. وقف الاثنان أمام الباب.
قال مصطفى: وهذا؟
قالت زوجته: يبدو أنه زوجها.
ضحك: يا سلام! حتى الكلاب وجدت شريكًا في النزوح!
صار الاثنان يخرجان معًا ويعودان معًا، ويقتسمان الطعام والظل والحديقة.
ثم جاء الخبر الذي لم يكن مصطفى ينتظره.
قالت زوجته: بيلا حامل.
نظر إليها طويلًا، ثم إلى الكلبة. حتى في الحرب... هناك من يفكر في المستقبل!
بعد أسابيع، استيقظ على صوت غريب.
نويص متواصل.
خرج إلى الجنينة.
توقف.
ظل واقفًا لحظات.
ثم قال: يا الله!
كانت الجراء الصغيرة تتدافع فوق بعضها.
واحد...
اثنان...
ثلاثة...
واصل العد... حتى بلغ أحد عشر.
نادَى زوجته: تعالي.
خرجت.. نظرت.. قالت: ما شاء الله.
قال: ما شاء الله ماذا؟
ضحكت.
أحد عشر.
جلس مصطفى على حافة الباب.
كان ينظر إليها وكأنه يحاول حل مسألة حسابية.
أحد عشر.
لم يكن يعرف أن الكلبة تستطيع أن تحمل كل هذا المستقبل في بطنها.
ومنذ ذلك الصباح، تحولت الجنينة إلى عالم آخر: جراء تتدافع، أمٌّ تخرج وتعود بحثًا عن الطعام، وكلب ذكر يحوم حول المكان، وأصوات لا تنام.
كان الطعام يقل. والحرب، التي نزح منها مصطفى، كانت قد نزحت معه إلى مطبخه أيضًا.
في إحدى الليالي، اندلع عراك بين الكلاب. خرج مصطفى، فإذا بأربعة كلاب جديدة قد انضمت إلى القافلة.
صرخ: من دعاكم؟
لم تجبه الكلاب.
أغلَق الباب وقال لزوجته: غدًا... ينتهي هذا الاحتلال.
في الصباح، خرج بالمكنسة.
طارد الكلاب.
وجمع الجراء الأحد عشر في كرتونة، وحملها نحو مكب النفايات.
كان يمشي مثقلًا بالكرتونة وبشيء يشبه الذنب.
أوقفه رجل: ماذا تحمل؟
— جراء.
— للبيع؟
تردد مصطفى لحظة. ثم قال: نعم.
— بكم؟
— خمسون.
ضحك الرجل: قبل قليل كنت ستلقيها هناك!
ابتسم مصطفى: الحرب تغيّر الأسعار... وتغيّر الآراء.
دفع الرجل خمسين شيكلًا، وحمل جروًا.
ثم جاء آخر.
ثم ثالث.
وفي دقائق، صار الناس يلتفون حول الكرتونة كما يلتفون حول أي شيء نادر في زمن الندرة.
جرو هنا... وخمسون شيكلًا هناك.
وحين عاد مصطفى إلى البيت، كانت الكرتونة فارغة، وفي جيبه 550 شيكلًا.
وقف أمام الباب.
كانت بيلا تنتظره.
نظر إليها.
نظرت إليه.
دخلت خلفه.
وضع لها الطعام، فأكلت بسرعة، ثم رفعت رأسها.
طرق الباب.
رجل: أستاذ مصطفى... نريد جروًا.
— خلصوا.
— خلصوا؟
— كلهم.
عاد الرجل حزينًا.
جلس مصطفى. ظل ينظر إلى بيلا. كانت تأكل.
قال: بيلا...
رفعت رأسها.
— أنتِ... ممكن تعمليها مرة ثانية؟
توقفت عن الأكل.
ابتسم مصطفى. وأخذ يحسب.
أحد عشر. في خمسين. خمسمئة وخمسون.
قال في سره: "لماذا لا؟"
ثم نظر إلى الكلب الذكر، وقال: وأنت أيضًا... يبدو أن لك مستقبلًا هنا.
ضحك.
لكن ضحكته انطفأت سريعًا. فهو لم يكن يضحك على الكلاب. كان يضحك على نفسه. وعلى الحرب.
وعلى الإنسان حين تدفعه الحاجة إلى أن يرى في كل شيء فرصة للنجاة.
قبل الحرب كان مصطفى يعرف مهنته كمدرس، ويعرف كيف يعيش. أما الآن، فقد صار يعرف سعر الجرو. وصار يفكر في الولادة بوصفها دخلًا.
في الحرب، لا يسأل الناس: "ماذا كنت تعمل؟"
بل يسألون: "ماذا تستطيع أن تبيع؟"
نظر مصطفى إلى بيلا، ثم إلى الجنينة، وقال: يبدو أن النزوح علّمنا ما لم تعلمنا إياه الحياة.
خرجت بيلا إلى الشارع. تبِعها الذكر.
وقف مصطفى عند الباب، يراقبهما. كانا يمشيان معًا، كما جاءا أول مرة.
قال مبتسمًا: اذهبا... ابحثا عن رزق الغد. ثم أغلق الباب.
وخلفه بقي بيت صغير في الزوايدة، وجنينة خضراء، ورجل نزح من مدينة إلى أخرى، حتى انتهى به المطاف إلى تجارة لم يكن يعرف أنها موجودة.
هكذا تفعل الحرب بالناس: تسلبهم ما يعرفون، ثم تجبرهم على اختراع حياة من الأشياء التي لم يفكروا يومًا أنها تصلح للحياة.
تمت،،،

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى