لم يكتف "أشرف العشماوي" بالتشويق في روايته "السيمفونية الأخيرة" كما هو معتاد في أعماله، إنما صاغ هذا التشويق بحروف جذابة تعبر عن نضوج من نوع خاص لقلم المؤلف تزيد من متعة القراءة.
فنحن عندما نمسك برواية فإن مايروينا هو ليس فقط ما يرويه المؤلف من حدوتة، إنما الطريقة التي يروي بها، حيث بدت كتابته هنا وكأنه يعزف بالكلمات مستلهما البناء السيمفوني منذ استهل الرواية بالكلمات التالية التي حملت توقيعه وبدت مثل الحركة الأولى في السيمفونية:
"بعض الحكايا تروى بنظرة،
بدمعة،
بصوت الخطى،
بكف تلوح في آخر الدرب
من بعيد
دون وداع أو ملتقى".
وانسابت بعد ذلك الحركات السيمفونية التي عزفت الحكاية التي لم أتعاطف خلالها مع البطل، فهو عبر الرواية يتعامل مع الحياة باعتبار أن هناك من يلقي الأوامر، وأن هناك من ينفذها، وقد ظل ينفذ أوامر لا تروق له، مع ذلك ينفذها بحذافيرها ولا يأخذ موقفا معارضا سواء في بيته مع جدته التي ربته بحزم من خلال شخصيتها التي ورثت فيها ملامح الحدة من أسرتها البوليسية العريقة، حيث ظل ينفذ أوامرها، ثم أوامر رؤسائه خلال العمل بالمراسم في رئاسة الجمهورية مع كل من الرئيس "أنور السادات"، ومن بعده مع الرئيس "حسني مبارك" في أجواء تنطق بأن أي كلمة من الرئيس لا يجوز أن يراجعه فيها أحد.
وعلى الجانب الآخر نراه عندما تتاح له الفرصة يقوم هو بدور الذي يأمر ولا يريد اعتراضا على أوامره، فالمرأة التي أحبها يقرر أن يتركها وهي تنفذ، ثم أن يعود إليها وهي تنفذ عدة مرات.
إلى أن فاض بها وأحبت سواه ولم تنفذ قراره بأن يعود إليها، فإذا به يستغل منصبه الذي انتقل إليه في "أمن الدولة" ليسجن زوجها، بل ويخفيه قسريا سنوات طوال. ونراه لا يشعر فقط بالغيرة من زوج حبيبته، إنما يشعر أيضا بالغيظ منه عندما يستجوبه لأنه يلمس قدرة ذلك الزوج اليساري صاحب المواقف الوطنية على ألا ينفذ أوامره على الرغم من أنه أسيره وراء القضبان.
إنها حالة من الركون إلى السلطة التي يستبيح خلالها من يملك الصولجان رقاب العباد، هذه الإستباحة والإفتراء على سجين لا يمكن تبريرها بأية أسباب نفسية أو اجتماعية لبطل الرواية ورغبته في الزواج ممن صارت زوجة للسجين الذي يحتجزه ظلما.
وقد كان وجداني طوال قراءتي للرواية يرفض الجمع ما بين القسوة والاستبداد والظلم وبين الفن في شخص بطل الرواية الذي يعزف على "الكمان" ويعشق الموسيقى.
قد يختلف البعض مع مشاعري باعتبار أن حاكم مثل "هتلر" كان في طفولته محبا للفنون التشكيلية، ثم جرى ما جرى. إنما لا خلاف على أن لكل ظالم حكاية، وأيضا أن لكل ظالم نهاية.
ولقد صاغ "أشرف العشماوي" نهاية الظالم في روايته ببراعة عند الوصول إلى ما نستطيع أن نصفه بأنه الحركة الأخيرة في السيمفونية التي حشد فيها المؤلف بالكلمات على المسرح عناصر مشهد مبهر لبطل الرواية وهو يعزف على آلة "الكمان" التي اشتهر بالعزف عليها أمام جمهوره الكبير الذي لا يعلم شيئا عن حقيقة عمله السابق بأمن الدولة في وزارة الداخلية، وإذا بالميكروفون ينتقل من صوت الموسيقى إلى صوت تسجيلات استجوابه الظالم لزوج حبيبته اليساري.
كنت أفضل أن يكون هذا هو المشهد الختامي في الرواية حيث تصاعدت الأحداث بما يتناسب مع الفينالة في السيمفونيات.
فتمنيت أن يحذف المؤلف الصفحتين الأخيرتين التي أعقبت عزف السيمفونية الأخيرة تاركا للقارئ حرية إكمال الحكاية.
فلا كلام يجب أن يعقب دوي الحركة الأخيرة في تلك السيمفونية، ففي هذه الفينالة قرأنا أو سمعنا أو شاهدنا بالكلمات الظالم وهو مفضوح بالتسجيلات التي تدينه على رؤوس الأشهاد، ورأينا انكماشه وضآلته وهشاشته.
حيث استطاع المؤلف أن يحول التعبير المصري الشعبي عن الفضيحة التي بجلاجل إلى فضيحة عبر سيمفونية حيث "الفينالة" التي تبدو كأنها إعلان بالأضواء والطبول وصوت النفير عن أن "لك يوم يا ظالم".
فنحن عندما نمسك برواية فإن مايروينا هو ليس فقط ما يرويه المؤلف من حدوتة، إنما الطريقة التي يروي بها، حيث بدت كتابته هنا وكأنه يعزف بالكلمات مستلهما البناء السيمفوني منذ استهل الرواية بالكلمات التالية التي حملت توقيعه وبدت مثل الحركة الأولى في السيمفونية:
"بعض الحكايا تروى بنظرة،
بدمعة،
بصوت الخطى،
بكف تلوح في آخر الدرب
من بعيد
دون وداع أو ملتقى".
وانسابت بعد ذلك الحركات السيمفونية التي عزفت الحكاية التي لم أتعاطف خلالها مع البطل، فهو عبر الرواية يتعامل مع الحياة باعتبار أن هناك من يلقي الأوامر، وأن هناك من ينفذها، وقد ظل ينفذ أوامر لا تروق له، مع ذلك ينفذها بحذافيرها ولا يأخذ موقفا معارضا سواء في بيته مع جدته التي ربته بحزم من خلال شخصيتها التي ورثت فيها ملامح الحدة من أسرتها البوليسية العريقة، حيث ظل ينفذ أوامرها، ثم أوامر رؤسائه خلال العمل بالمراسم في رئاسة الجمهورية مع كل من الرئيس "أنور السادات"، ومن بعده مع الرئيس "حسني مبارك" في أجواء تنطق بأن أي كلمة من الرئيس لا يجوز أن يراجعه فيها أحد.
وعلى الجانب الآخر نراه عندما تتاح له الفرصة يقوم هو بدور الذي يأمر ولا يريد اعتراضا على أوامره، فالمرأة التي أحبها يقرر أن يتركها وهي تنفذ، ثم أن يعود إليها وهي تنفذ عدة مرات.
إلى أن فاض بها وأحبت سواه ولم تنفذ قراره بأن يعود إليها، فإذا به يستغل منصبه الذي انتقل إليه في "أمن الدولة" ليسجن زوجها، بل ويخفيه قسريا سنوات طوال. ونراه لا يشعر فقط بالغيرة من زوج حبيبته، إنما يشعر أيضا بالغيظ منه عندما يستجوبه لأنه يلمس قدرة ذلك الزوج اليساري صاحب المواقف الوطنية على ألا ينفذ أوامره على الرغم من أنه أسيره وراء القضبان.
إنها حالة من الركون إلى السلطة التي يستبيح خلالها من يملك الصولجان رقاب العباد، هذه الإستباحة والإفتراء على سجين لا يمكن تبريرها بأية أسباب نفسية أو اجتماعية لبطل الرواية ورغبته في الزواج ممن صارت زوجة للسجين الذي يحتجزه ظلما.
وقد كان وجداني طوال قراءتي للرواية يرفض الجمع ما بين القسوة والاستبداد والظلم وبين الفن في شخص بطل الرواية الذي يعزف على "الكمان" ويعشق الموسيقى.
قد يختلف البعض مع مشاعري باعتبار أن حاكم مثل "هتلر" كان في طفولته محبا للفنون التشكيلية، ثم جرى ما جرى. إنما لا خلاف على أن لكل ظالم حكاية، وأيضا أن لكل ظالم نهاية.
ولقد صاغ "أشرف العشماوي" نهاية الظالم في روايته ببراعة عند الوصول إلى ما نستطيع أن نصفه بأنه الحركة الأخيرة في السيمفونية التي حشد فيها المؤلف بالكلمات على المسرح عناصر مشهد مبهر لبطل الرواية وهو يعزف على آلة "الكمان" التي اشتهر بالعزف عليها أمام جمهوره الكبير الذي لا يعلم شيئا عن حقيقة عمله السابق بأمن الدولة في وزارة الداخلية، وإذا بالميكروفون ينتقل من صوت الموسيقى إلى صوت تسجيلات استجوابه الظالم لزوج حبيبته اليساري.
كنت أفضل أن يكون هذا هو المشهد الختامي في الرواية حيث تصاعدت الأحداث بما يتناسب مع الفينالة في السيمفونيات.
فتمنيت أن يحذف المؤلف الصفحتين الأخيرتين التي أعقبت عزف السيمفونية الأخيرة تاركا للقارئ حرية إكمال الحكاية.
فلا كلام يجب أن يعقب دوي الحركة الأخيرة في تلك السيمفونية، ففي هذه الفينالة قرأنا أو سمعنا أو شاهدنا بالكلمات الظالم وهو مفضوح بالتسجيلات التي تدينه على رؤوس الأشهاد، ورأينا انكماشه وضآلته وهشاشته.
حيث استطاع المؤلف أن يحول التعبير المصري الشعبي عن الفضيحة التي بجلاجل إلى فضيحة عبر سيمفونية حيث "الفينالة" التي تبدو كأنها إعلان بالأضواء والطبول وصوت النفير عن أن "لك يوم يا ظالم".