فاتن صبحي - سماء من ورق..

هل رأيت مدينةً تعلو التل كتاجٍ من نور؟
منذ سنوات، لا تغيب عن عيني؛ أراها كل ليلة من نافذتي، تشتعل كنجمةٍ هاربة من السماء، وتتلالأ كأنها تهمس إليّ. يتحدثون عنها كأنها وطنٌ لم يولد بعد؛ أبواب لا تُفتح إلا للحالمين، وطرقات تصعد إلى حيث لا يصل التعب، وساحات تستقبل القادمين من كل صوب كأنهم أبطال عادوا من حرب طويلة.
تأملتها طويلًا وحلمت بها.
تخيلت خلف أسوارها ما يشبهني؛ مكانًا أجد فيه نفسي التي بحثت عنها طويلًا، وألتقي بأرواح طالما تمنيت أن أعرفها. وكلما لمع أحد أبراجها، شعرت أن نورًا منها يناديني.
لبيت النداء، وفتحت لي أبوابها.
وقفت أمام الحارس.
نظر إليّ طويلًا، ثم سأل:
ـ لماذا جئتِ؟
قلت:
ـ لأرى ما وراء الضوء.
ابتسم، ثم تنحى عن الباب.
دخلت.
في الوهلة الأولى، بدا كل شيء كما حلمت؛ وجوه تبتسم، وأيدٍ تمتد للترحيب، وأصوات تتعالى بالثناء، وأناس يفتحون لك أبوابهم قبل أن تعرف أسماءهم.
سرت بينهم كمن عثر أخيرًا على وطنه.
في إحدى المساءات، جلست إلى جواري امرأة لم أكن أعرفها إلا منذ أيام. أمسكت يدي، وسألتني عن الشيء الذي حملني إلى المدينة.
للمرة الأولى، شعرت أن أحدًا يريد أن يعرفني حقًا.
فتحت لها قلبي.
حدثتها عن مدينة صغيرة تسكنني، عن نوافذ لم تُفتح بعد، وعن طرق أتمنى أن أمشيها يومًا، وعن تفاصيل لم أقلها لأحد.
ظلت تصغي.
لم تقاطعني.
وحين انتهيت، ضغطت على يدي وقالت:
ـ بعض الأحلام لا ينبغي أن تبقى حبيسة القلب.
ابتسمت لها.
في المساء التالي، خرجت إلى الساحة الكبرى، فإذا بالناس قد ازدحموا حول امرأة تقف في منتصفها.
اقتربت.
توقفت قدماي.
كانت تتحدث.
عن مدينة صغيرة تسكنها امرأة، عن نوافذ لم تُفتح بعد، وعن طرق لم تطأها قدم، وعن تفاصيل دقيقة أعرفها كما أعرف ملامح وجهي.
لم تكن تتحدث عني.
كانت تتحدث بي.
رفعت عيني إليها.
التقت عيناها بعيني.
للحظة، خُيّل إليّ أنها ارتبكت.
ثم واصلت.
وحين انتهت، دوى التصفيق.
أما أنا، فبقيت في مكاني، أتحسس الفراغ الذي تركته كلماتي في داخلي.
وبينما كنت أسير منفردة، أحادث نفسي، لفت انتباهي عند طرف الساحة امرأة جالسة وحدها.
لم تكن تبكي، لكن انحناءة كتفيها كانت تقول إن في داخلها ما أثقلها حتى أعجزها عن حمل نفسها.
ظللت أراقبها لحظات.
ثم سقط شيء من يدها، فمدت يدها نحوه، ولم تستطع.
اقتربت منها.
ـ هل أنتِ بخير؟
رفعت وجهها إليّ.
لم تجب.
فقط نظرت إليّ بعينين غارقتين في حزن لا يعرف الكلام.
جلست إلى جوارها.
ومنذ ذلك اللقاء، صارت تجد في كتفي متسعًا لأثقالها؛ تأتي كلما ضاق بها الطريق، وتترك عندي ما يعجز قلبها عن حمله.
أصغي.
أواسي.
وأجمع شتاتها كلما تناثر.
حتى جاء مساءٌ احتجت فيه إلى كتفٍ أُسند إليه تعبي.
ذهبت إليها.
طرقت بابها.
فتحت.
نظرت إليّ سريعًا.
قلت:
ـ جئت إليكِ هذه المرة.
ابتسمت.
لكنها لم تسأل.
بدأت تتحدث عن نفسها؛ عن تعبها، وعن أمر جديد يقترب منها، وعن أشياء كثيرة لم أجد بينها موضعًا واحدًا أضع فيه وجعي.
وقفت صامتة.
لم تطردني.
لم تؤذني.
لكنها لم ترني.
وحين عدت، أدركت أن بعض الأبواب لا تُغلق في وجهك؛ تظل مفتوحة فقط لتكتشف أن لا مكان لك خلفها.
منذ ذلك المساء، تغيرت عيناي.
صرت أرى ما وراء الابتسامات، وما تخفيه الأيدي حين تصفق، وما يتوارى خلف القرب حين تنتهي الحاجة.
وفي ليلة متأخرة، وبينما أسير في أحد الأزقة، لفت انتباهي باب صغير لم أره من قبل.
دفعته.
خلفه درج يهبط إلى أسفل المدينة.
نزلت.
كلما هبطت درجة، خفت الضوء في الأعلى، حتى وصلت إلى قاعة واسعة.
كانت المرايا تغطي جدرانها من كل جانب.
اقتربت من إحداها.
لم تعكس وجهي.
ارتبكت.
اقتربت أكثر، فإذا بكل ما مرّ بي في المدينة يلمع على سطحها.
رفعت يدي إلى وجهي.
ثم نظرت.
هناك، في عمق المرآة، رأيت ما لم أرغب في رؤيته.
لم تكن تعكس الوجوه...
كانت تكشف ما وراءها.
وقفت طويلًا.
ثم صعدت إلى البوابة.
كان الحارس ينتظرني.
نظر إليّ وسأل:
ـ وهل وجدتِ ما كنتِ تبحثين عنه؟
نظرتُ خلفي إلى المدينة؛ إلى أبراجها التي كانت تلمع كما حلمت بها ذات ليلة.
ثم ابتسمت.
ومضيت عائدة إلى بيتي.
الحالة
مغلق و غير مفتوح للمزيد من الردود.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
الحالة
مغلق و غير مفتوح للمزيد من الردود.
أعلى