سليمان يوسف - مرايا لا تعكس الوجوه.. بل تكشف ما أخفاه الزمن.. قراءة نقدية

IMG-20260829-WA0002.jpg ليست المرآة في هذا النص مجرد سطح يعكس وجهًا، وإنما تتحول إلى كائن شعوري يقف بين الإنسان وذاكرته، بين ما كان وما أصبح، وبين صورة الذات كما عرفناها قديمًا، وصورتها التي صنعها الزمن دون استئذان.

في نص «مرايا»، يكتب صاحب النص الغياب لا بوصفه غياب شخص فحسب، وإنما باعتباره فقدًا للطريق، واضطرابًا في الذاكرة، وتصدعًا في صورة الإنسان عن نفسه.


IMG-20260829-WA0003.jpg


منذ البداية:

«لا شيء يكسر هذا الغيابْ،
كأننا ضللنا الطريق»

نحن أمام غياب لا تقدر الكلمات على اختراقه. فالغائب ليس بعيدًا فقط، وإنما الطريق إليه نفسه قد اختفى.

ثم يأتي السؤال:

«فكيف أجدكَ أيها الظلُّ
تحتَ شجرةِ الروح؟»

وهنا تبدأ المرايا الحقيقية للنص؛ فالظل ليس شخصًا واضح الملامح، بل صورة باهتة للحضور. و«شجرة الروح» ليست مكانًا ماديًا، وإنما فضاء داخلي تختزن فيه الذات وجوه من مروا بها.

ثم تأتي صورة شديدة الكثافة:

«وقد غابت ظبية البهاءِ عن الكلام»

فالبهاء هنا لا يغيب عن الوجه، وإنما يغيب عن الكلام نفسه.

وكأن اللغة فقدت قدرتها على أن تكون جميلة، لأن صاحبها فقد من كان يمنحها المعنى.

وهذا يقودنا إلى إحدى الأفكار المحورية في النص:

الكلام قد يكون أحيانًا سببًا في انكسار الحكاية.

يقول:

«في دائرة الكلام قد تنكسر الحكاية
مثل إناء زجاجي»

الصورة هنا واضحة وقوية؛ فالحكاية كائن هش، والكلام قد يحفظها، لكنه قد يكسرها أيضًا.

وهذه مفارقة إنسانية عميقة؛ لأن بعض العلاقات لا تفسدها الأحداث بقدر ما تفسدها الكلمات التي قيلت في اللحظة الخطأ.

ثم تأتي:

«فترتج الأرض بأحمالها الثقيلة»

فيتضخم أثر الكلمة حتى يصبح زلزالًا نفسيًا، لا مجرد صوت عابر.

ويستمر حضور المرآة في النص:

«لا أحب انكسار المرايا
بين أجنحة الريح»

والمرآة هنا ليست زجاجًا فقط، بل ذاكرة الصورة.

فالمرآة إذا انكسرت لا تحطم الزجاج وحده، وإنما تحطم القدرة على رؤية الذات كاملة.

وهنا تكتسب عبارة العنوان «مرايا» معناها الأعمق: نحن أمام مرايا متعددة؛ مرآة الحبيب، ومرآة الزمن، ومرآة الروح، ومرآة الجسد، ومرآة الذاكرة.

ثم يذهب النص إلى منطقة أكثر شاعرية:

«قد تغمز الغيمة عتمة الليل،
حين يصطاد البرق نوم الظلال»

إنها لغة تعتمد على تبادل الأدوار بين عناصر الطبيعة.

الغيمة تغمز.

والبرق يصطاد.

والظلال تنام.

والليل يصبح فضاءً يقظًا للحكاية.

وهذه الصور لا تقدم الطبيعة بوصفها خلفية للمشهد، وإنما تجعلها شريكًا في التجربة النفسية.

ثم يأتي السؤال:

«هل أخاف منك يا وقتي،
أم أخاف عليك؟»

وهذه من أكثر الجمل دلالة في النص.

فالعلاقة مع الزمن هنا ملتبسة.

هل يخاف الإنسان من الزمن لأنه يأخذ منه؟

أم يخاف عليه لأنه يمضي ولا يعود؟

وهنا يتحول الزمن من مفهوم مجرد إلى كائن تربطه بالمتكلم علاقة عاطفية.

ثم تأتي صورة العطش إلى الكلام:

«لا همس يسقي سمعي،
كي ينمو الكلام فيه»

إنها استعارة جميلة تجعل الكلام نباتًا، والهمس ماءً، والأذن أرضًا قابلة للإنبات.

لكن هذه الأرض عطشى.

وهذا يعني أن الصمت في النص ليس راحة، بل جدبًا لغويًا وروحيًا.

ثم تأتي جملة شديدة الأهمية:

«أنت يا ظلي تشبهني»

وهنا تنكشف العلاقة بين «الأنا» و«الآخر».

الظل ليس مجرد شخص غائب، وإنما يمكن أن يكون الجزء الآخر من الذات؛ ذلك الجزء الذي نبحث عنه خارجنا، بينما هو يسكننا.

ولهذا يقول:

«ترعى غنمك في حقل بعيد،
ثم تخرج لنا بحكاية
ترسم معالم دهشتنا»

الصورة هنا تنتقل من عالم داخلي غامض إلى مشهد ريفي بسيط: الراعي، والغنم، والحقل، والحكاية.

وهذا التداخل بين البسيط والفلسفي يمنح النص خصوصيته؛ فهو لا يشرح أفكاره، بل يتركها في صور مفتوحة للتأويل.

ثم تصل القصيدة إلى قلبها الحقيقي:

«لو نظرنا في مرآتنا الآن،
لما عرفنا صورنا»

هذه ليست مرآة الوجه فقط.

إنها مرآة العمر.

فقد يتغير الإنسان حتى يصبح غريبًا عن صورته القديمة.

ويؤكد ذلك:

«لقد هشّمها الزمن
وتآكلت ملامحها»

وهنا يصبح الزمن فاعلًا لا محايدًا؛ فهو يهشم، ويأكل، ويمحو.

إنها صورة قاسية للشيخوخة، لكنها لا تتوقف عند الجسد.

ولهذا يأتي السؤال الأعمق:

«فهل هي شيخوخة الروح،
أم نوح الجسد؟!»

وهذه من أقوى مناطق النص؛ لأنها تضعنا أمام ثنائية فلسفية:

هل الذي يشيخ فينا هو الجسد؟

أم أن الروح نفسها قد تنهك من كثرة ما مر بها؟

و«نوح الجسد» تعبير يفتح بابًا واسعًا للتأويل؛ فالجسد هنا لا يبكي دموعًا فقط، وإنما يحمل تاريخًا من الفقد والانتظار والعبور.

وفي المقطع الأخير يعود المتكلم إلى المكان:

«كنت أرمي نظري في ممرات العبور»

والعبور هنا ليس مجرد انتقال من مكان إلى آخر، وإنما يمكن قراءته باعتباره عبور العمر نفسه.

ثم تأتي «الضفة الأخرى»، وهي من الرموز المتكررة في الأدب الوجودي والوجداني؛ ضفة هنا وضفة هناك، حاضر وماضٍ، أنا وآخر، حياة وغياب.

لكن الجميل أن الضفة الأخرى لا تصمت:

«تمد ثرثراتها للحصى اللامع»

فتصبح الحصى مستمعًا، والمكان محاورًا، والثرثرة ماءً أو صوتًا ممتدًا عبر المسافة.

ثم يختم النص بصورة:

«كأنها الكلام المعجون بحبر اللهفة
الملأى بتيه الحجر الملقى هناك»

وهنا يعود النص إلى ثنائيته الأساسية: الكلام والصمت.

فالكلام موجود، لكنه معجون باللهفة.

والحجر موجود، لكنه تائه.

وكأن الأشياء كلها تحمل شيئًا من الإنسان.

الحجر تائه مثلنا.

والضفة بعيدة مثل الغائب.

والمرآة مكسورة مثل الذاكرة.

والظل يشبهنا أكثر مما نعرف.

إن نص «مرايا» لا يقدم حكاية بالمعنى التقليدي، وإنما يقدم حالة تأملية مفتوحة، تعتمد على الصورة الشعرية، والانزياح، وتشخيص الطبيعة، وتداخل الأزمنة والأمكنة.

وهو نص يحتاج إلى قارئ لا يبحث عن معنى واحد ونهائي، لأن جماله يكمن في تعدد أبوابه.

فالمرآة قد تكون الحبيب.

وقد تكون الذات.

وقد تكون العمر.

وقد تكون الذاكرة.

وقد تكون الوطن الذي لم نعد نعرف صورته القديمة.

ولعل أجمل ما يفعله النص أنه لا يسألنا فقط: من غاب؟
بل يدفعنا إلى السؤال الأصعب:

ماذا بقي منا بعد كل هذا الغياب؟

فربما لا تكون المأساة أن نفقد شخصًا...

بل أن يأتي يوم نقف فيه أمام المرآة، فنكتشف أن الشخص الذي كنا نعرفه في انعكاسها القديم...

لم يعد موجودًا.
النص
( مرايا). لاشيءَ يكسرُ هذا الغيابْ، كأننا ضللنا الطريقَ، فكيف أجدكَ أيها الظلُّ تحتَ شجرةِ الروحِ، وقدْ غابتْ ظبية البهاءِ عن الكلامْ؟.
في دائرة الكلام قد تنكسر الحكاية مثل اناء زجاجي،فترتجُّ الأرضُ بأحمالها الثقيلة؟.
لااحب انكسارَ المرايا بين اجنحة الريحِ،قد تغمز الغيمةُ عتمةَ الليلِ،
حين يصطادُ البرقُ نومَ الظلالِ،يوحي اليها بيقظةٍ عابرة؟.
هل اخافُ منكَ ياوقتي،ام اخافُ عليكْ؟،
لاهمس يسقي سمعي ،كي ينمو الكلام فيه؟،
انتَ ياظلّي تُشبهني ،ترعى غنمكَ في حقل بعيدٍ،ثم تخرج لنا بحكاية ترسم معالمَ دهشتنا.
لو نظرنا في مرآتنا الآن،لما عرفنا صورنا التي نام في معالمها الخبرُ القديم،
لقد هشّمها الزمن وتآكلت ملامحها،
فهلْ هي شيخوخة الروح،ام نوح الجسد؟!.
كنت أرمي نظري في ممرّات العبور
والضفة الأخرى تمدُّ ثرثراتها للحصى اللامع
كأنها الكلام المعجون بحبر اللهفة
الملأى بتيهِ الحجرِ الملقى هناك.



بقلم الاديب سليمان يوسف
سوريا

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى