خالد عطية - بين إعادة تفعيل المؤسسة وإعادة تأسيس وظيفتها

في الحراك الجديد للاتحاد العام للكتاب والأدباء الفلسطينيين

لا يمكن النظر إلى الحراك الذي يشهده الاتحاد العام للكتاب والأدباء الفلسطينيين، وإعادة تفعيل فروعه في عدد من الساحات الفلسطينية والعربية، باعتباره مجرد نشاط ثقافي أو نقابي منفصلاً عن اللحظة السياسية الفلسطينية الراهنة. فالمؤسسات الوطنية لا تتحرك في فراغ، كما أن إعادة تنظيمها لا تنفصل عن الأسئلة الكبرى التي تواجه المشروع الوطني الفلسطيني في مرحلة تتعرض فيها القضية لتحولات عميقة، وتنكشف فيها حدود كثير من البنى والصيغ التي حكمت العمل الوطني لعقود.

ومن هنا، فإن تقدير الجهد المبذول لإعادة وصل الكتاب والأدباء الفلسطينيين في الوطن والشتات، واستعادة حيوية الاتحاد ودوره، لا يعفينا من طرح السؤال الأهم: هل نحن أمام محاولة لإعادة بناء المؤسسات الوطنية على أسس جديدة، أم أمام إعادة تفعيل البنى القائمة وتجديد شرعيتها من دون مراجعة عميقة لوظيفتها ومسؤوليتها عن المأزق الذي وصلنا إليه؟
ليس هذا السؤال اعتراضاً على وجود الاتحاد، ولا انتقاصاً من الجهود التي يبذلها القائمون عليه، ولا حكماً مسبقاً على نوايا أحد. إنه، في جوهره، سؤال يتعلق بطبيعة اللحظة الفلسطينية نفسها، وبقدرتنا على التمييز بين إعادة تحريك المؤسسة وبين إعادة التفكير في وظيفتها.
فالمؤسسة يمكن أن تستعيد نشاطها، وتعقد مؤتمراتها، وتوسع فروعها، وتستعيد حضورها في ساحات كانت قد غابت عنها، من دون أن يعني ذلك بالضرورة أنها استعادت قدرتها على أداء وظيفتها الوطنية. كما أن تجديد الحركة لا يعني بالضرورة تجديد البنية، وأن استعادة النشاط لا تعني، بالضرورة، استعادة القدرة على إنتاج فعل وطني قادر على مواجهة التحولات الجديدة.
وهنا تكمن المسألة.
إن الأزمة الفلسطينية لم تعد أزمة نقص في المؤسسات أو الأطر والتنظيمات. فلدى الفلسطينيين مؤسسات كثيرة، وتاريخ طويل من الأطر السياسية والنقابية والثقافية والشعبية. لكن السؤال الذي تفرضه المرحلة هو: هل ما تزال هذه المؤسسات قادرة على أداء الوظيفة التي أنشئت من أجلها؟ وهل ما تزال بنيتها وآليات عملها وعلاقاتها بمنظومة التمثيل والقرار السياسي قادرة على الاستجابة للتحولات التي يعيشها الشعب الفلسطيني؟
فالمشكلة قد لا تكون في غياب المؤسسة، بل في المسافة التي يمكن أن تنشأ مع الزمن بين المؤسسة ووظيفتها؛ حين تستمر البنية بينما تتغير الظروف التي أنشئت من أجلها، وحين يصبح الحفاظ على استمرار المؤسسة أهم من قدرتها على تجديد وظيفتها.
ولهذا لا يكفي، في تقديري، أن نعيد تشغيل المؤسسات كما كانت، لأن الأزمة قد لا تكون في توقفها عن العمل فقط، بل في الطريقة التي أصبحت تعمل بها، وفي الوظيفة التي انتهت، تدريجياً، إلى أدائها.
إن إعادة تفعيل المؤسسة قد تتحول، في بعض الحالات، إلى عملية لتجديد شرعية البنية القائمة، من دون أن ترافقها مراجعة حقيقية لمسؤولية هذه البنية عن الأزمة الوطنية. وعندها يصبح النشاط مؤشراً على الحركة، لكنه لا يصبح بالضرورة مؤشراً على التغيير.
ومن هنا تبرز ضرورة المراجعة والنقد.
فالمراجعة ليست هدماً للمؤسسة، والنقد ليس خروجاً على الوطنية. على العكس، قد يكون العجز عن مراجعة الذات هو أحد أخطر أشكال العجز الوطني. فالمؤسسة التي تفقد قدرتها على مساءلة نفسها تتحول، بمرور الزمن، إلى بنية تدافع عن استمرارها أكثر مما تدافع عن الغاية التي أُنشئت من أجلها.
إن السؤال النقدي لا ينبغي أن يُنظر إليه بوصفه تهديداً للمؤسسة، بل بوصفه شرطاً من شروط بقائها حية وقادرة على التجدد. لأن المؤسسة الوطنية التي لا تستطيع أن تسأل نفسها: أين أخطأنا؟ وما الذي تغير؟ وهل ما زلنا قادرين على أداء دورنا؟ هي مؤسسة تخاطر بأن تبقى حاضرة شكلاً، فيما تتراجع وظيفتها فعلاً.
وفي الحالة الفلسطينية، تصبح هذه المراجعة أكثر إلحاحاً. فنحن نعيش لحظة تاريخية لا تسمح بالاستمرار في التعامل مع الأزمة باعتبارها مجرد خلل عابر في الأداء، أو نتيجة ظروف خارجية وحدها. فالاحتلال والاستعمار الاستيطاني والعدوان عوامل أساسية في إنتاج الواقع الفلسطيني، لكن ذلك لا يعفينا من مساءلة بنيتنا الوطنية وأدوات عملنا وصيغ تمثيلنا وقدرتنا على تحويل تضحيات الشعب وصموده إلى قدرة سياسية وتاريخية.
وهنا تبرز مسألة العلاقة بين المؤسسات الوطنية والمجال السياسي القائم.
فالاتحاد العام للكتاب والأدباء الفلسطينيين ليس مؤسسة تعمل في فراغ سياسي، وهو جزء من المجال الوطني الفلسطيني الأوسع. ومن حق المثقف، بل من واجبه، أن يسأل عن طبيعة العلاقة بين المؤسسة الثقافية والبنية السياسية التي تتحرك في إطارها. فهل تكون الثقافة مجرد امتداد لهذا المجال وإعادة إنتاج لخطابه، أم تحتفظ بقدرتها على مساءلته ونقده؟
إن استقلال المجال الثقافي لا يعني انفصاله عن القضية الوطنية، ولا حياده تجاه الصراع، بل يعني قدرته على الاقتراب من القضية بحرية ومسؤولية، وعلى ممارسة النقد عندما تتحول بعض البنى والسياسات إلى جزء من الأزمة نفسها.
فالثقافة ليست مجرد ملحق للمؤسسة السياسية، وليست مصدراً لإنتاج شرعية جاهزة لها. إن إحدى وظائفها الأساسية هي إنتاج الوعي والأسئلة والنقد، وفتح المجال أمام التفكير في البدائل، لا إعادة إنتاج الإجابات التي فقدت قدرتها على تفسير الواقع أو مواجهة تحولاته.
ومن هنا، فإن السؤال لا يتعلق فقط بقدرة الاتحاد على جمع الكتاب والأدباء وإعادة وصل فروعه، وهي مهمة ذات أهمية حقيقية، وإنما يتعلق أيضاً بطبيعة المجال الذي يمكن أن يفتحه هذا الحراك: هل سيكون فضاءً حقيقياً للمراجعة والنقد؟ وهل يستطيع المثقف داخله أن يسائل السياسات والبنى القائمة؟ وهل يمكن للثقافة أن تحافظ على استقلاليتها النقدية من دون أن تتحول إلى مجرد صدى للسياسة الرسمية؟
هذه الأسئلة لا تقلل من أهمية الاتحاد، بل تنطلق من الإيمان بأهمية دوره. فكلما كانت المؤسسة ذات تاريخ وطني أعمق، أصبحت الحاجة إلى تجديد وظيفتها أكبر. التاريخ يمنح المؤسسة شرعيتها، لكنه لا يستطيع وحده أن يضمن استمرار هذه الشرعية.
فالشرعية ليست ملكية تاريخية دائمة، بل قدرة متجددة على تمثيل الحاجة الوطنية والاستجابة لها.

ولهذا فإن التحدي الحقيقي اليوم هو: كيف نحول أزمة الشرعية إلى فرصة لإعادة بناء الشرعية؟

ولا يعني ذلك رفض المؤسسات القائمة أو القفز فوق تاريخها، وإنما التمييز بين الحفاظ على المؤسسة بوصفها شكلاً، وبين استعادة وظيفتها بوصفها ضرورة وطنية.
إن ما نحتاجه ليس مجرد مؤسسات تعمل، بل مؤسسات تستطيع أن تعرف لماذا تعمل، ولمن تعمل، وما هي الغاية التي يفترض أن تقود عملها. مؤسسات لا تخشى المراجعة، ولا تعتبر النقد تهديداً، ولا تتعامل مع التاريخ باعتباره بديلاً عن المستقبل.

ولهذا فإن الفرق جوهري بين إعادة تفعيل المؤسسة وإعادة تأسيس دورها ووظيفتها.

قد يكون التفعيل ضرورياً، بل وربما يشكل خطوة أولى لا غنى عنها، لكنه لا يكفي وحده. لأن إعادة الحياة إلى مؤسسة لا تعني بالضرورة إعادة الحياة إلى وظيفتها.
أما إعادة التأسيس، فلا تعني بالضرورة البدء من الصفر أو هدم ما هو قائم، وإنما تعني امتلاك الشجاعة الكافية لمساءلة البنية، ومراجعة الوظيفة، ونقد المسار، وإعادة وصل المؤسسة بالحاجات الحقيقية للشعب الفلسطيني وبالتحولات التي فرضتها المرحلة.
وفي هذه اللحظة تحديداً، لا ينبغي أن يكون السؤال: كيف نعيد المؤسسات إلى ما كانت عليه؟ بل: كيف نجعلها قادرة على أن تكون مختلفة عما كانت عليه، وأكثر قدرة على مواجهة ما أصبحنا فيه؟
ذلك هو، في تقديري، جوهر الفرق بين حركة تستعيد الماضي، وحركة تستخدم خبرة الماضي من أجل بناء المستقبل.

خالد صالح عطية
كاتب وباحث
ألمانيا

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى