علي سيف الرعيني -| عندما يسدل الليل الستار !!

في الليل تبدو الذاكرة أكثر جرأة تستعيد تفاصيل ظننا أننا تجاوزناها وتفتح ادراجا قديمة خبأنا فيها رسائل لم نرسلها وعتاب لم نقله ودموع أخفيناها خلف ابتسامة طالما أقنعنا بها الآخرين أننا بخير
لذلك يرتدي الليل أحيانا حداد الماضي لا لأن الإنسان يريد أن يعيش أسيرا له، وإنما لأن بعض الذكريات لا تموت حين تنتهي بل تتحول إلى جزء من تكويننا تسكن في أعماقنا وتظهر كلما مررنا بالمكان نفسه أو سمعنا صوتا يشبه صوتا غائبا أو شممنا رائحة أعادت إلينا زمنا كاملا في لحظة
لكن الحياة رغم قسوتها لا تسمح للليل أن يبقى طويلا
يأتي النهار يفتح نوافذه على العالم، وتنساب أشعته فوق الأشياء التي أرهقها الظلام كأنه يقول لنا إن الحكاية لم تنتهِ بعد في كل صباح فرصة أخرى لنرمم ما انكسر وأن نعيد ترتيب أرواحنا وأن نمنح المستقبل مساحة لم يكن الماضي قادرًا على منحها
فالإنسان لا يعيش بالذكريات وحدها، وإن كانت الذكريات جزءًا من إنسانيته. نحن نمضي لأن الحياة تطلب منا أن نمضي، نحمل معنا ما تعلمناه من الخسارات، لا لكي نبكي عليها إلى الأبد، بل لكي نصبح أكثر فهمًا لأنفسنا وللآخرين
ومع ذلك يبقى جرح الهجر مختلفًا عن سائر الجراح هناك أشخاص لا يؤلمنا غيابهم بقدر ما يؤلمنا أنهم اختاروا الغياب. كان يمكن للأشياء أن تنتهي بسلام، وكان يمكن للكلمات أن تمنح القلب تفسيرًا يليق بما عاشه، لكن الهجر المفاجئ يترك وراءه أسئلة معلقة، وأسوأ ما في الأسئلة التي لا تجد جوابًا أنها تتحول مع الزمن إلى ندوب داخلية
قد تمر السنوات، وتتغير المدن، وتتبدل الوجوه، ويصبح للإنسان بيت آخر، وأصدقاء آخرون، وأحلام جديدة؛ وقد يضحك من قلبه بعد أن كان يظن أن الضحك غادره إلى الأبد. لكنه حين يعود وحيدًا إلى نفسه، قد يجد ذلك الجرح القديم ما زال ينبض في زاوية بعيدة من الروح
ليس لأن الزمن فشل في مداواته، بل لأن بعض الجراح لا تحتاج إلى النسيان كي تلتئم؛ تحتاج إلى التصالح معها
وهنا تكمن حكمة النضج: أن نفهم أن بعض الذين فقدناهم لم يكونوا نهاية الطريق، بل كانوا فصلًا منه. وأن بعض الأبواب التي أُغلقت في وجوهنا كانت، رغم وجعها، تحمينا من البقاء في أماكن لم تعد تشبهنا
ليس كل رحيل خسارة، وليس كل بقاء نجاة
أحيانًا يكون الهجر قاسيًا لأنه ينتزع منا صورةً كنا نريد لها أن تبقى، ثم يجبرنا على اكتشاف أنفسنا بعيدًا عنها. وربما كان أصعب ما في التجربة أننا لا نفقد شخصًا فقط، بل نفقد النسخة من أنفسنا التي كانت موجودة معه
لكن الحياة لا تتوقف عند الذين رحلوا
ثمة نهار ينتظرنا كل صباح، وثمة قلوب جديدة قد تعرف كيف تبقى، وأماكن لم نصل إليها بعد، وأحلام لم تولد بعد. وما دام في الإنسان نفسٌ يتردد، فهناك دائمًا مساحة صغيرة للأمل، حتى وإن بدا الطريق طويلًا ومثقلًا بالندوب
لقد علمتنا الحياة أن التعافي ليس أن تستيقظ ذات صباح وقد نسيت كل شيء؛ التعافي أن تتذكر دون أن تنهار، وأن تمر على الأماكن القديمة دون أن تشعر أنك ما زلت عالقًا فيها، وأن تستطيع أن تقول: نعم، لقد آلمني ما حدث، لكنه لم يعد يملك حياتي
ربما يظل الليل يرتدي حداد الماضي، لكن النهار يظل وفيًا لوعده؛ يأتي كل مرة ليذكرنا بأن بعد العتمة ضوءًا، وبعد الانكسار إمكانية للترميم، وبعد الهجر قدرة على البدء من جديد
فالسنون قد لا تنجح في محو كل الجراح، لكنها تمنحنا شيئًا أكثر قيمة من النسيان: تمنحنا القدرة على حملها دون أن تجعلنا نتوقف عن الحياة وهكذا نمضي
نترك للّيل حقه في البكاء على ما مضى ونمنح النهار حقه في أن يبشرنا بما سيأتي ونضع أيدينا على جرح الهجر لا لنوقظه بل لنقول له بهدوء:
لقد كنتَ جزءا من حكايتي لكنك لن تكون نهايتها!!

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى