الهوية ، اليتم ، الصداقة ، السجن ، الحرب والحب والإغتيال ، على هذه الثيمات ارتكزت تحفة ظل الوشم ، فقام في شموخ صرحها المشيد .
أما زمكانيتها ، فقد دارت رحى أحداثها الطاحنة المتشعبة المؤلمة ، في قلب عاصمة الأوراس _ باتنة _ إبان تسعينيات القرن المنصرم .
وبتقنية الإسترجاع ، حاك العبقري الملهم ، بركاني كمال ، خيوط سردها المبهر الآسر .
وأما شخوصها المختلقين ، فأولهم والد البطل المحوري وحيد ، الحاج إبراهيم الذي ركب الموجة بعد الإستقلال ، وأبحر عمرا طويلا في بحار سياسة عفنة ، ليلفظ آخر عمره كنواة ، وشطب ومحي وأسقط كأي رقم زائد تافه ، من حسابات أجنحة دموية متصارعة على سلطة الحكم ، تفرض منطقها الأرعن بالقوة والحديد والدم والنار ، فيغتال بهمجية في مقهى شعبي بطلقة غادرة .
إبنه الوحيد ، وحيد المتخصص في دراسة الطب ، بعد أن سلبه الموت أمه ،وأذاقه أكأس اليتم وهو في العاشرة من عمره ، تعبره الأيام في غيابها الأليم ، ثقيلة كالرصاص ، بلا فرح ، دون أن يبقي رحيلها القاسي لروحه من ملاذ ، غير كتبه ، فيدفن ذاته المثخنة بالجراح بلا كلل ولا ملل جوف بطونها .
رغم ذلك الهروب المفتعل ، لا يبرحه وجه أمه المتوفاة ، فيظل غارقا بروحه المشتاقة الملتاعة التواقة المتعبة المعذبة في دفئ حنانها المفقود .
وجهها الذي لا تغرب عنه الشمس ولا تغيب ،ولا تمحوه الليالي بدياجيرها .
تلك الأم الرؤوم التي غابت فجأة دون رجوع ،بلا سابق إنذار ولا وداع ، دون أن تحضر أفراحه الصغيرة ، ودون أن تقاسمه همومه وأحزانه المريرة المتغولة .بعد مرارة هذا اليتم الفضيع ، تسرق من عمره سلطة ظالمة جائرة ، عشرة سنين كاملة ، فيلقى به في سجن لامبيز بباتنة ،على إثر تهمة باطلة ، ويفرج عنه بعدما أقفلت قضيته بدعوى خطأ قضائي ،وكأن مأساته برمتها ، لا حدث .
هكذا قضى وحيد عمره السليب ، محاصرا بالمحن من كل الجهات ، مطوقا بالفجائع والإبتلاءات .
سرقوا منه عمره وأحبته ، وكل ما لديه ، إلا وعيه المتقد ، ولغته البكر ، وذاكرته الحية .
ليخوض باستماتة قتاله عل عدة جبهات ساخنة .
أما الشاعرة هيفاء ، فكانت حبه المستحيل الذي انتظره طويلا ، واسترقها منه ورم سرطاني مميت ، وكأن المرض قد تحالف مع الموت ، ليسلباه كل الوجوه التي تتقاسم وشم أمه الجليل .
وأمال جامعية اختارت في دراستها تخصص آداب لغة عربية ، فلكأنها مدينة منكوبة من فرط حرائقها ، وإن لم تكن مجرد امرأة لقيطة مغتصبة ، إذ كانت درة عذراء في محارة حياة مكسورة غير مصونة .
وكريم صديقه الجامعي القادم من مدينة مروانة ، المتشبث ببرنسه العبق بعطر الأجداد تشبث أم وحيد.بوشمها الفخم ،في وجه الموت الذي خطفها في صمت ، بينما غيب كريما عنوة وعلانية ، برصاصة طائشة في مظاهرة طلابية عارمة ، أمام أعين الأشهاد .
لم يكن لقلب وحيد أن يحب امرأة لايحاكي وجهها ، وجه أمه ، بفخامة وشمها العتيد ، الباذخ الجمال والقداسة والجلال .
ذلك القلب النبيل الذي تقاسمت حبه هيفاء وأمال ، وإن كان صعبا أن يتقاسم قلب رجل امرأتان ، فإن الأصعب أن لا يفوز قلبه بأيهما لأسباب قاهرة .
خرج وحيد.من سجن لامبيز ، بعدما قضى عشر سنين في زنازينه ودياجيرها .
عاد.إلى مدينته التي أحبها ، دون أن يدري أن المدن تخون وتنسى أبناءها ، إن أطالوا الغياب ، أغرابا بين شوارعها العتيقة يغدون إن عانقوها بالرجوع والإياب .
فيفرض عليه ألا يقطن إلا في دمه ، ويختار العيش في ذاكرته ، وكم هو مر على المرء أن يجتر أحزانه بذاكرته الدامية .
كثيرا ما ظن أن الحلم لقاح ضد طواعين الحزن وجوائح اليأس والمستحيل ، وأن الذكرى لقاح ضد سكتة الحنين .
لم يعد قلبه اليتيم روضة حب غنآء نضرة ، بل جبهة حرب طاحنة .
حينما أدرك أن الوعي والوحدة محنة ، وأن الغربة جلطة ، والنسيان سكتة ، والذكرى طعنة ، والموت انعتاق جميل .
أدرك أنه حينما نختار الحياة على ما نحب ، نكون قد اخترنا موتا بطيئا مقسطا ، إذ لا حياة جديرة بأن تعاش ، مادامت مفرغة من القيم ، مادامت بلا معنى .
فكان له أن شذ عن القطيع ، حتى لا يعد رأسا من رؤوسه الفارغة ، وصدح بالحق جهارا ، وجلجلت صرخته المدوية ، ومجد الأوشام بدل السادة اللئام ، في وطن ضاق بأحلامنا .
أليست الأوشام في النهاية ، الرغبة الجموح في حضور أزلي ، وأنها أكثر حضورا من الأزمنة والأمكنة ، وأنها أقدس وأبلغ من الصمت ، وأفصح بيانا من اللغة ، وهي مجللة بالقدلسة والوقار ،شأنها شأن الخلاخيل التي لم تكن غير ريشة ، ترسم بصدى رنينها صور الأمهات والجدات في لوحات راسخة على جبين زمن يأبى المضي والرحيل والإندثار ، رغم مرارة اغترابنا .
خرج وحيد من السجن ، ليجد.أن كل الأشياء فقدت ظلالها ، حتى الحقيقة نفسها .
فمالذي أفقد الأشياء حلو مذاقها ، من سرق من الأمكنة دفأها ،ومن الزمن جماله وبراءته ووداعته ونقاءه وبساطته ؟.
الأمكنة ، الأزمنة ، المدن ، هي ذاتها ، لكن من أفقدها ألفها ، وأفرغها من حسنها ، وشوه جمالها ، واغتصب بوحشية عذريتها ، ودنس طهرها وعفافها ؟.
يكمن سر جواب هذا السؤال الفضيع ، في تغير قلوبنا ، دمرنا كل هذه الأشياء الجميلة التي تحوطنا وتسكننا بحقدنا ، حتى ضاقت الأرض والآفاق بفضائع جرائمنا ، وبشاعة غريزة القتل التي لوثت دماءنا .
تشوهت كل هذه الأشياء الجميلة ، مذ تصحرت قلوبنا من قيم التسامح والتكافل والتعايش والرأفة والحب والمواطنة .
الرصاص من يتم المدن ، حينما اغتال وحصد أرواح خيرة أبنائها ، الرصاص والسكاكين من شوه وجه وطننا الجميل .
خاض وحيد.هذه الحرب الطاحنة ، ولم يتترس بغير سلاح الكلمة ،كلمته التى على صوتها أزيز الرصاص ، وهدير الطائرات ، وصلصلة السكاكين الصدئة وهي تذرع لحموم الأبرياء بلا توقف ، بلا رحمة .
ورد على كل خصومه القذرين ، بمخطوط رواية ، قدر لها أن ترى النور ، فتجلت الحقيقة كاملة كشمس ساطعة ،وأطفأ وحيد كشمعة ، بموت غامض يقاسم لغز مقتل أبيه . بعدما غنى بالسرد وجعه ، وضمد بالحكي جرحه وجراحنا .
ظل الوشم ، حكاية الجيل الذي شاخ في ربيع شبابه ، بطاقاته المعطلة في عز عنفوانه وذروة عطائه ، ببراءة طفولته المغتصبة ، بأحلامه المؤودة في مهدها ، بآماله المحنطة في متاحف المستحيل ، بفعل سياسة عاهرة ، سرق كهانها منا الحلم والوطن وكل شيئ جميل .
ظل الوشم ، حكاية قلوب ضائعة على خارطة الوطن الذبيح .
إسترد.من خلالها الكاتب القدير بركاني كمال ، للوشم أبجديته المنسية المغيبة ، واستعاد للهوية سماءاتها الرحيبة المصادرة ، ووهب للكلمة حريتها السليبة ، ونقض ببوحه الجريئ الشجاع ، كل صفقات واتفاقيات العار التي قررت مذ أمد بعيد ، تأميم ألسننا ، وحراسة نوايانا الطيبة .
أتممت قراءة رائعة ظل الوشم ، في باحة مبيت الشباب ، بدائرة بوحمامة ،قبالة نافورتها الجميلة ،في زاوية ركينة ، تحوطني اشجار مخضرة ، وأزاهير نضرة ، يغمرني سكون عميق ، لففت سيجارة عرعار على مهل ، اوقدتها ، سحبت أنفاسا طويلة متتابعة ، حررت من قفص صدري دخانها المتعرج المعربد في الهواء ، تأملت في النخلة الرابضة عند بوابة مدخل المبيت ، حملقت فيها مليا ، ذرعتها بلحظي مرارا ، وهي تطاول علو مبنى المرقد الجميل ، رغم الصيف وجدبه وقيضه ، لم يتحات سعفها ، إذ ظلت محافظة متشبثة باخضرارها ، تأملتها مليا وفكرت ، إهتديت إلى أن الكاتب بركاني كمال، نخلة سامقة مثلها ، إذ يظل في بيئته المقفرة مثلها شامخا ، صامدا ، يكابر بوعيه ، بجراحه ، بكلمته ، بيئة سخية بجحودها اللافت .
جمعي شايبي .
أما زمكانيتها ، فقد دارت رحى أحداثها الطاحنة المتشعبة المؤلمة ، في قلب عاصمة الأوراس _ باتنة _ إبان تسعينيات القرن المنصرم .
وبتقنية الإسترجاع ، حاك العبقري الملهم ، بركاني كمال ، خيوط سردها المبهر الآسر .
وأما شخوصها المختلقين ، فأولهم والد البطل المحوري وحيد ، الحاج إبراهيم الذي ركب الموجة بعد الإستقلال ، وأبحر عمرا طويلا في بحار سياسة عفنة ، ليلفظ آخر عمره كنواة ، وشطب ومحي وأسقط كأي رقم زائد تافه ، من حسابات أجنحة دموية متصارعة على سلطة الحكم ، تفرض منطقها الأرعن بالقوة والحديد والدم والنار ، فيغتال بهمجية في مقهى شعبي بطلقة غادرة .
إبنه الوحيد ، وحيد المتخصص في دراسة الطب ، بعد أن سلبه الموت أمه ،وأذاقه أكأس اليتم وهو في العاشرة من عمره ، تعبره الأيام في غيابها الأليم ، ثقيلة كالرصاص ، بلا فرح ، دون أن يبقي رحيلها القاسي لروحه من ملاذ ، غير كتبه ، فيدفن ذاته المثخنة بالجراح بلا كلل ولا ملل جوف بطونها .
رغم ذلك الهروب المفتعل ، لا يبرحه وجه أمه المتوفاة ، فيظل غارقا بروحه المشتاقة الملتاعة التواقة المتعبة المعذبة في دفئ حنانها المفقود .
وجهها الذي لا تغرب عنه الشمس ولا تغيب ،ولا تمحوه الليالي بدياجيرها .
تلك الأم الرؤوم التي غابت فجأة دون رجوع ،بلا سابق إنذار ولا وداع ، دون أن تحضر أفراحه الصغيرة ، ودون أن تقاسمه همومه وأحزانه المريرة المتغولة .بعد مرارة هذا اليتم الفضيع ، تسرق من عمره سلطة ظالمة جائرة ، عشرة سنين كاملة ، فيلقى به في سجن لامبيز بباتنة ،على إثر تهمة باطلة ، ويفرج عنه بعدما أقفلت قضيته بدعوى خطأ قضائي ،وكأن مأساته برمتها ، لا حدث .
هكذا قضى وحيد عمره السليب ، محاصرا بالمحن من كل الجهات ، مطوقا بالفجائع والإبتلاءات .
سرقوا منه عمره وأحبته ، وكل ما لديه ، إلا وعيه المتقد ، ولغته البكر ، وذاكرته الحية .
ليخوض باستماتة قتاله عل عدة جبهات ساخنة .
أما الشاعرة هيفاء ، فكانت حبه المستحيل الذي انتظره طويلا ، واسترقها منه ورم سرطاني مميت ، وكأن المرض قد تحالف مع الموت ، ليسلباه كل الوجوه التي تتقاسم وشم أمه الجليل .
وأمال جامعية اختارت في دراستها تخصص آداب لغة عربية ، فلكأنها مدينة منكوبة من فرط حرائقها ، وإن لم تكن مجرد امرأة لقيطة مغتصبة ، إذ كانت درة عذراء في محارة حياة مكسورة غير مصونة .
وكريم صديقه الجامعي القادم من مدينة مروانة ، المتشبث ببرنسه العبق بعطر الأجداد تشبث أم وحيد.بوشمها الفخم ،في وجه الموت الذي خطفها في صمت ، بينما غيب كريما عنوة وعلانية ، برصاصة طائشة في مظاهرة طلابية عارمة ، أمام أعين الأشهاد .
لم يكن لقلب وحيد أن يحب امرأة لايحاكي وجهها ، وجه أمه ، بفخامة وشمها العتيد ، الباذخ الجمال والقداسة والجلال .
ذلك القلب النبيل الذي تقاسمت حبه هيفاء وأمال ، وإن كان صعبا أن يتقاسم قلب رجل امرأتان ، فإن الأصعب أن لا يفوز قلبه بأيهما لأسباب قاهرة .
خرج وحيد.من سجن لامبيز ، بعدما قضى عشر سنين في زنازينه ودياجيرها .
عاد.إلى مدينته التي أحبها ، دون أن يدري أن المدن تخون وتنسى أبناءها ، إن أطالوا الغياب ، أغرابا بين شوارعها العتيقة يغدون إن عانقوها بالرجوع والإياب .
فيفرض عليه ألا يقطن إلا في دمه ، ويختار العيش في ذاكرته ، وكم هو مر على المرء أن يجتر أحزانه بذاكرته الدامية .
كثيرا ما ظن أن الحلم لقاح ضد طواعين الحزن وجوائح اليأس والمستحيل ، وأن الذكرى لقاح ضد سكتة الحنين .
لم يعد قلبه اليتيم روضة حب غنآء نضرة ، بل جبهة حرب طاحنة .
حينما أدرك أن الوعي والوحدة محنة ، وأن الغربة جلطة ، والنسيان سكتة ، والذكرى طعنة ، والموت انعتاق جميل .
أدرك أنه حينما نختار الحياة على ما نحب ، نكون قد اخترنا موتا بطيئا مقسطا ، إذ لا حياة جديرة بأن تعاش ، مادامت مفرغة من القيم ، مادامت بلا معنى .
فكان له أن شذ عن القطيع ، حتى لا يعد رأسا من رؤوسه الفارغة ، وصدح بالحق جهارا ، وجلجلت صرخته المدوية ، ومجد الأوشام بدل السادة اللئام ، في وطن ضاق بأحلامنا .
أليست الأوشام في النهاية ، الرغبة الجموح في حضور أزلي ، وأنها أكثر حضورا من الأزمنة والأمكنة ، وأنها أقدس وأبلغ من الصمت ، وأفصح بيانا من اللغة ، وهي مجللة بالقدلسة والوقار ،شأنها شأن الخلاخيل التي لم تكن غير ريشة ، ترسم بصدى رنينها صور الأمهات والجدات في لوحات راسخة على جبين زمن يأبى المضي والرحيل والإندثار ، رغم مرارة اغترابنا .
خرج وحيد من السجن ، ليجد.أن كل الأشياء فقدت ظلالها ، حتى الحقيقة نفسها .
فمالذي أفقد الأشياء حلو مذاقها ، من سرق من الأمكنة دفأها ،ومن الزمن جماله وبراءته ووداعته ونقاءه وبساطته ؟.
الأمكنة ، الأزمنة ، المدن ، هي ذاتها ، لكن من أفقدها ألفها ، وأفرغها من حسنها ، وشوه جمالها ، واغتصب بوحشية عذريتها ، ودنس طهرها وعفافها ؟.
يكمن سر جواب هذا السؤال الفضيع ، في تغير قلوبنا ، دمرنا كل هذه الأشياء الجميلة التي تحوطنا وتسكننا بحقدنا ، حتى ضاقت الأرض والآفاق بفضائع جرائمنا ، وبشاعة غريزة القتل التي لوثت دماءنا .
تشوهت كل هذه الأشياء الجميلة ، مذ تصحرت قلوبنا من قيم التسامح والتكافل والتعايش والرأفة والحب والمواطنة .
الرصاص من يتم المدن ، حينما اغتال وحصد أرواح خيرة أبنائها ، الرصاص والسكاكين من شوه وجه وطننا الجميل .
خاض وحيد.هذه الحرب الطاحنة ، ولم يتترس بغير سلاح الكلمة ،كلمته التى على صوتها أزيز الرصاص ، وهدير الطائرات ، وصلصلة السكاكين الصدئة وهي تذرع لحموم الأبرياء بلا توقف ، بلا رحمة .
ورد على كل خصومه القذرين ، بمخطوط رواية ، قدر لها أن ترى النور ، فتجلت الحقيقة كاملة كشمس ساطعة ،وأطفأ وحيد كشمعة ، بموت غامض يقاسم لغز مقتل أبيه . بعدما غنى بالسرد وجعه ، وضمد بالحكي جرحه وجراحنا .
ظل الوشم ، حكاية الجيل الذي شاخ في ربيع شبابه ، بطاقاته المعطلة في عز عنفوانه وذروة عطائه ، ببراءة طفولته المغتصبة ، بأحلامه المؤودة في مهدها ، بآماله المحنطة في متاحف المستحيل ، بفعل سياسة عاهرة ، سرق كهانها منا الحلم والوطن وكل شيئ جميل .
ظل الوشم ، حكاية قلوب ضائعة على خارطة الوطن الذبيح .
إسترد.من خلالها الكاتب القدير بركاني كمال ، للوشم أبجديته المنسية المغيبة ، واستعاد للهوية سماءاتها الرحيبة المصادرة ، ووهب للكلمة حريتها السليبة ، ونقض ببوحه الجريئ الشجاع ، كل صفقات واتفاقيات العار التي قررت مذ أمد بعيد ، تأميم ألسننا ، وحراسة نوايانا الطيبة .
أتممت قراءة رائعة ظل الوشم ، في باحة مبيت الشباب ، بدائرة بوحمامة ،قبالة نافورتها الجميلة ،في زاوية ركينة ، تحوطني اشجار مخضرة ، وأزاهير نضرة ، يغمرني سكون عميق ، لففت سيجارة عرعار على مهل ، اوقدتها ، سحبت أنفاسا طويلة متتابعة ، حررت من قفص صدري دخانها المتعرج المعربد في الهواء ، تأملت في النخلة الرابضة عند بوابة مدخل المبيت ، حملقت فيها مليا ، ذرعتها بلحظي مرارا ، وهي تطاول علو مبنى المرقد الجميل ، رغم الصيف وجدبه وقيضه ، لم يتحات سعفها ، إذ ظلت محافظة متشبثة باخضرارها ، تأملتها مليا وفكرت ، إهتديت إلى أن الكاتب بركاني كمال، نخلة سامقة مثلها ، إذ يظل في بيئته المقفرة مثلها شامخا ، صامدا ، يكابر بوعيه ، بجراحه ، بكلمته ، بيئة سخية بجحودها اللافت .
جمعي شايبي .