عبدالمنعم الهراق - يوميات بائع كتب.. الرجل الذي سكنته الكتب...

ضمن الوجوه التي لا تُنسى في مكتبتنا، رجل بجلابه التقليدي، يمشي على مهل كأن بينه وبين الزمن هدنة قديمة ، كلما دخل المكتبة شعرت أن الكتب بينها وبينه صحبة تجاوزت حدود القراءة إلى نوع من الألفة العميقة.
حكى لي قصته وهو يتأمل رفوف الكتب بعينين يملؤهما الامتنان ؛ قال إنه أحيل على التقاعد منذ نحو عشرين سنة، فوجد نفسه فجأة أمام أيام طويلة تمتد بلا ملامح واضحة ، بحيث كانت الساعات ثقيلة، والرتابة تزحف إلى حياته بهدوء، إلى أن مدّت الكتب يدها إليه، فانتشلته من وحشة الفراغ كما ينقذ صديق قديم رفيقه من الغرق.
شيئا فشيئا أضحت الكتب عالَما كاملا يسكنه ، فخصص لها الطابق الثاني من منزله حتى كادت تستولي عليه كله ، لم يبق من المكان إلا مطبخ وحمام حافظا على وجودهما بصعوبة، ومع ذلك لم يسلما تماما من زحف الرفوف؛ فقد اقتطع منهما زوايا صغيرة أودع فيها المجلات والدوريات والجرائد، وكأن كل مساحة خالية كانت تستغيث بكتاب يملؤها.
ثم ابتسم وهو يروي حادثة لا يزال يذكرها بوضوح ؛ قال إنه حاول ذات يوم نقل بعض كتبه إلى الطابق الأول، وكان يحمل بعض الأجزاء من كتاب " تاريخ تطوان " للمؤرخ محمد داود رحمة الله عليه ، فإذا بقدمه تنزلق على الدرج، فيهوي إلى الخلف والكتب بين ذراعيه ؛ مرت لحظات قصيرة بدت له دهرا كاملا، لكنه خرج منها سالما على نحو يشبه المعجزة.
ومنذ ذلك اليوم اتخذ قرارا طريفا وجميلا في آن واحد : أن يترك الكتب حيث اختارت أن تقيم، و يعتكف بينها كما يفعل العُبَّاد في خلواتهم ، فلا يغادر عالمه العلوي إلا للنوم أو لقضاء ما لا بد منه من شؤون الحياة، ثم يعود سريعا إلى مملكته الهادئة.
وأنا أستمع إليه، خطر ببالي أن بعض الناس يملكون مكتبات، أما هو فقد أصبحت المكتبة هي التي تملكه،صارت الكتب عنده جيرانا وأصدقاء ورفقاء عمر ، وحين يغلق باب مكتبته خلفه كل مساء، لا يشعر أنه يدخل غرفة مليئة بالكتب، لكن ينتابه ذلك الاحساس بأنه يعود إلى أهله.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى