علي سيف الرعيني -| تحول العقل من اداة للفهم الى مساحة للاستنزاف !!

اليوم حيث لم تعد المشكلة في نقص المعلومات بل في وفرتها الهاتف الذي نضعه إلى جوارنا يمكن أن يحمل في دقائق أخبارا ورسائل ومقاطع ونقاشات ومشكلات الآخرين وبين إشعار وآخر، يجد العقل نفسه أمام مطالب متواصلة بالانتباه وهنا تظهر إحدى مفارقات العصركلما ازدادت قدرتنا على الوصول إلى المعلومات ازدادت حاجتنا إلى القدرة على تجاهل بعضها
يمتلك الإنسان قدرة محدودة على معالجة المعلومات في اللحظة الواحدة. وعندما تتراكم المهام والتنبيهات والقرارات والمشكلات يرتفع ما يعرف في علم النفس المعرفي بالحمل المعرفي
المشكلة ليست دائمًا في صعوبة المهمة بل في اجتماع مهام كثيرة داخل المساحة الذهنية نفسها
قد يكون الشخص في اجتماع بينما يفكر في تقرير لم ينجزه ويراجع رسالة وصلته ويتابع هاتفه ويخطط لمهمة الغد ظاهريًا هو يقوم بشيء واحد لكن ذهنه يعمل على عدة مسارات في الوقت نفسه
النتيجة قد تكون تراجع التركيز، وكثرة النسيان، وبطء اتخاذ القرار، وسرعة الانفعال، والشعور الدائم بأن هناك شيئًا لم يُنجز ليس كل تفكير منتجا هناك تفكير يقود إلى قرار وآخر يعيد إنتاج المشكلة
عندما يستمر الإنسان في استعادة موقف قديم أوتحليل كلمة قيلت له أوتخيل سيناريوهات مستقبلية سلبية دون الوصول إلى خطوة عملية فإنه يدخل في دائرة يمكن وصفها بالإجترارالفكري الفرق مهم بين التفكير في المشكلة والتفكير حولها
إدارة هذا النوع من التفكير لاتعني قمع الأفكار وإنما تحويلها إلى أسئلة عملية أوالاعتراف بأن بعض الأمور لا يمكن حلها الآن
وفي البيئة الرقمية أصبح الانتباه مورد ا تتنافس عليه المنصات والمعلومات والإشعارات قد يبدأ الإنسان يومه برسالة واحدة ثم ينتقل خلال دقائق بين الأخبار والتعليقات والمحادثات والمقاطع هذا التنقل المستمر يستهلك جزءا من طاقته الذهنية حتى عندما لا ينجز مهمة واضحة
لذلك أصبحت إدارة الانتباه جزءا من إدارة الإجهاد إغلاق الإشعارات غير الضرورية، تخصيص أوقات للرسائل تقليل التنقل العشوائي بين التطبيقات، ووضع فترات يومية بلا شاشة، كلها ممارسات تساعد على استعادة قدر من السيطرة على إيقاع اليوم
فالهدوء ليس مجرد غياب الأصوات، بل غياب المطالب المتنافسة على انتباهنا
لا يأتي الإرهاق من القرارات الكبرى وحدها كثرة الاختيارات الصغيرة تستنزف الذهن أيضًا والحيرة بما تبدا اولا وماتترك وماذا تؤجل ؟ وهل توافق اوترفض ؟
وحين تتراكم هذه القرارات فوق مسؤوليات أخرى قد يصبح الإنسان أكثر ترددًا أواندفاعا ولهذا يمكن تخفيف العبء الذهني بتبسيط الخيارات المتكررة، وترتيب الأولويات مسبقًا، وتخصيص أوقات محددة للمهام المتشابهة
الفكرة ليست أن نتخذ قرارات أكثر بل أن نحافظ على طاقتنا الذهنية لما يستحق القرار فعلا
لهذا فإن الراحة ليست مجرد الابتعاد الجسدي عن مكان العمل، بل التوقف المؤقت عن النشاط الذهني المرتبط بالضغط ويجب علينا التركيز على
النوم المنتظم والمشي وممارسة نشاط ممتع والتواصل الإنساني والابتعاد لبعض الوقت عن الشاشات كلها وسائل يمكن أن تساعد على استعادة التوازن بحسب احتياجات كل شخص وظروفه والأهم ألا تصبح الراحة مكافأة مؤجلة إلى ما بعد إنجاز كل شيء لأن الإنسان قد لا يصل إلى تلك النقطة أصلا
ليس عليك أن تستجيب لكل رسالة فورًا ولا أن تتابع كل خبر، ولا أن تدخل كل نقاش ولا أن تحمل مشكلات الآخرين إلى مساحتك الخاصة وبالتالي فإن
الحدود النفسية ليست عزلة ولا قسوة وإنما طريقة لتنظيم الطاقة والانتباه ومن المفيد أيضا استخدام الكتابة لتفريغ الأفكار المزدحمة ما الذي يقلقني؟ وما الذي يقع خارج سيطرتي؟
حين تنتقل هذه الأسئلة من الرأس إلى الورق تصبح الفوضى أكثر قابلية للرؤية وقد يتضح أن بعض المخاوف تحتاج إلى إجراء وبعضها يحتاج إلى وقت وبعضها لا يستحق كل هذا الاستنزاف الإجهاد جزء طبيعي من الحياة لكن استمراره أوتأثيره الواضح في الحياة اليومية يستحق الانتباه
اضطراب النوم المستمر وصعوبة التركيز والتغيرات الملحوظة في المزاج أوتراجع القدرة على العمل وأداء المسؤوليات، كلها إشارات تستحق التعامل معها بجدية
وفي مثل هذه الحالات يمكن أن تكون الاستعانة بمختص في الصحة النفسية وسيلة لفهم الأسباب وتطوير أساليب مناسبة للتعامل معها فالعناية بالصحة النفسية لا ينبغي أن تبدأ بعد الانهيار
لا يمكن أن نعيش بلا ضغوط ولا يمكن أن نمنع العقل من التفكير والقلق والتخطيط المطلوب ليس عقلًا صامتًا بل عقلًا أكثر تنظيمًا
إدارة الإجهاد الذهني تعني أن نميز بين ما يستحق اهتمامنا وما يمكن تأجيله، وبين المشكلة والاجترار حولها، وبين المعلومات التي تفيدنا وتلك التي تستنزف انتباهنا
وفي زمن تتدفق فيه المعلومات بلا توقف قد تصبح الحكمة في معرفة ما الذي لا نحتاج إلى متابعته بقدر ما هي في معرفة ما نحتاج إليه
فالعقل لا يحتاج دائمًا إلى مزيد من المعلومات أوالإجابات أحيانًا يحتاج إلى مساحة هادئة يستعيد فيها قدرته على التمييز
الإجهاد الذهني لا يُدار بكثرة التفكير، وإنما بحسن إدارة التفكير والانتباه والوقت وحين نتعلم أن نعطي كل أمر حجمه وكل مسؤولية وقتها وكل فكرة المساحة التي تستحقها فإننا لا نهرب من الحياة بل نستعيد قدرتنا على عيشها بوعي أكبر !!

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى