يرى الروائي الألماني ( مارتن فالزر )( ١٩٢٧- ٢٠٢٣) : " أن الرواية التي تخلو من مشاهد السيرة الذاتية ليست رواية وإنما هي بحث اجتماعي "
ولم يكن الروائي في قوله متطرفا ، فما ورد في قوله ليس المقولة الشائعة القائلة إن الروائي يكتب ، في حياته ، رواية ناجحة واحدة هي سيرته الذاتية ، وهي مقولة ذكرتني بمقولة (Clive James)
التي صدر بها أنطون شماس روايته الوحيدة " عربسك "( ١٩٨٦) :
" أغلب الروايات الأولى هي سيرة ذاتية مقنعة . هذه السيرة الذاتية هي رواية مقنعة " .
" Most first novels disguised autobiographies. This autobiography is a disguised novel " .
لاحظوا أن ( فالزر ) قال : التي تخلو من مشاهد السيرة الذاتية.
شخصيا كنت أردد مقولة " يكتب الروائي ، في حياته ، رواية ناجحة واحدة هي سيرته "؟ ولما غاب عن ذهني اسم قائلها ، سألت عنه ال. Gemini فأجابني إنها مقولة شائعة ومتداولة في الأوساط الأدبية وبين نقاد الأدب، وليست منسوبة بشكل قطعي وحصري لكاتب أو ناقد واحد بعينه. وأضاف إنها تطرح غالباً في صيغتين متقاربتين هما :
الأولى (المرتبطة بالسيرة): "إن الروائي يكتب رواية واحدة ناجحة في حياته هي سيرته الذاتية"، وتُشير إلى أن العمل الأول أو الأنجح للكاتب عادةً ما يستمد روحه وزخمه الحقيقي من تجاربه الشخصية العميقة وسيرته المُعاشة.
الثانية (المرتبطة بالتكرار): "الروائي لا يكتب إلا رواية واحدة، وما تبقى من أعماله هو تنويعات وإعادات عليها"، والمقصود بها أن الكاتب يدور غالباً حول فكرة مركزية واحدة أو رؤية وجودية موحدة تتكرر في سائر نتاجه الأدبي بأشكال مختلفة. وقد تناول هذه المقولة بالنقاش والتحليل الكثير من الأدباء والنقاد العرب والعالميين (مثل الطيب صالح، وعبد الرحمن منيف، وإبراهيم الكوني) عند حديثهم عن تجاربهم أو عن ظاهرة "كتّاب الرواية الواحدة".
وأنا أدرج مقولة الروائي الألماني تذكرت روايات إلياس خوري و محمود شقير وابراهيم نصرالله وجبرا إبراهيم جبرا وإميل حبيبي وعبد الرحمن منيف وكثيرا ما كتبت عن أعمال هؤلاء أو عن قسم منها ، متكئا على ربط نتاجهم بما أعرفه عن حياتهم أو بما يقولونه في المقابلات التي تجرى معهم أو في شهاداتهم التي يدلون بها في المؤتمرات أو الندوات أو في الكتب التي ينشرونها عن تجربتهم الكتابية.
على سبيل المثال لا أنسى عنوان مقال للكاتب حسن خضر عن إحدى روايات جبرا " جبرا إبراهيم جبرا: سيرة ذاتية متواصلة " ، ولا يغيب عن ذهني ما قاله إميل حبيبي في الحوار الذي أجراه معه غسان زقطان وآخرون في مجلة " مشارف " في العام ١٩٩٦ " عندما كنت أكتب المتشائل كنت أكتب عن نفسي " ، وعندما كتبت عن رواية منيف " أم النذور " التي نشرت بعد رحيله قرأتها في ضوء كتابه " سيرة مدينة " ولاحظت أنها تتكيء على حياته ، محققة مقولة ( جيمس كليف ) ، ولا يخفى على قاريء كتاب نصرالله " طفولتي حتى الآن " أنها تتمحور حول طفولته كأنها رواية سيرية ذاتية.
يقر محمود شقير في أكثر من كتاب له ، وآخرها " الكتابة مهنتي .. الكتابة حياتي : سيرة أدبية "( ٢٠٢٦) بهذا ، فعندما سئل إلى أي مدى تتعايش مع شخصيات رواياتك ، وكيف تؤثر عليك شخصيا ؟ وهل تجد نفسك متأثرا بالامها وأحلامها؟ أجاب :
" هذا التعايش موجود ، لكنه يتفاوت بين شخصية وأخرى ، وكما هو معروف فإن شيئا من روح الكاتب ومشاعره وتجاربه في الحياة تتسرب إلى نصه الروائي بطريقة أو بأخرى ، وأنا لا أنكر أن جزءا من مشاعري وتجاربي في الحياة موجود في الشخصية الرئيسة في أي رواية من رواياتي ، وفي بعض الشخصيات الثانوية في الروايات . لكن من غير الصائب أن يقال إن تلك الشخصية الرئيسة هي أنا في كل تفاصيلها وجزئيات حياتها ... وقد سبق لي ان قلت إن جزءا من سيرتي وسيرة عائلتي يظهر في الروايات " .
ما بين ٢٠١٩ و ٢٠٢٤ كتبت غير مرة عن إشكالية تجنيس ثلاثية إلياس خوري " أولاد الغيتو : إسمي آدم ونجمة البحر ورجل يشبهني " وتساءلت : ما الذي يخلص إليه قارئها ؟ وأثرت الأسئلة الآتية :
- هل يدرجها تحت جنس أدبي واحد هو الرواية ، كما فعل الياس خوري حين كتب دال " رواية " على الغلاف وفي صفحات الرواية الأخيرة تحت مفردة " إشارات " ؟
- وإذا ما أدرجها المرء تحت هذا الدال الذي اطمأن إليه الكاتب بعد حيرته ، فلماذا كتب الياس مقدمة للرواية وأبان فيها عن حيرته التي انعكست بوضوح على الدوال المتعددة المتنوعة التي تنتمي إلى أجناس أدبية لا إلى جنس أدبي واحد ؟
وقلت إننا نستطيع أن نتفهم حيرة آدم الذي لم يكتب الرواية من قبل ، ولكن هل تبدو حيرة الياس مقبولة ، وهو ناقد روائي محترف ؟
لقد خلصت شخصيا إلى أن الياس كتب في هذه الرواية تجربته وسيرته الأدبية والفكرية ورأى فيها خلاصة قراءاته وأفكاره وتساؤلاته ، ومن هنا احتار في تصنيف عمله . فالياس ناقد ودارس أدبي وكاتب مقالة ومؤرخ وروائي ومحاضر جامعي ، وقد حضر فيما كتب كل هذا ، ولذلك تقرأ في الثلاثية الدراسة الأدبية والنقد الأدبي ، والتاريخ ، والسرد الروائي وسرد الحكايات ، وكل ما سبق وغيره يعني أن هناك تجاورا لأجناس أدبية مختلفة في النص الروائي .
في قراءاتي المتواصلة لروايات إلياس كنت ألاحظ أنه موجود فيها لدرجة خلصت فيها إلى أننا بالفعل نقرأ سيرة فكرية أدبية سياسية لكاتبها نفسه.
عادل الأسطة
(مقال الأحد لجريدة الأيام الفلسطينية ٢٠ / ٩ / ٢٠٢٦)
١٤ - ١٧ أيلول ٢٠٢٦
ولم يكن الروائي في قوله متطرفا ، فما ورد في قوله ليس المقولة الشائعة القائلة إن الروائي يكتب ، في حياته ، رواية ناجحة واحدة هي سيرته الذاتية ، وهي مقولة ذكرتني بمقولة (Clive James)
التي صدر بها أنطون شماس روايته الوحيدة " عربسك "( ١٩٨٦) :
" أغلب الروايات الأولى هي سيرة ذاتية مقنعة . هذه السيرة الذاتية هي رواية مقنعة " .
" Most first novels disguised autobiographies. This autobiography is a disguised novel " .
لاحظوا أن ( فالزر ) قال : التي تخلو من مشاهد السيرة الذاتية.
شخصيا كنت أردد مقولة " يكتب الروائي ، في حياته ، رواية ناجحة واحدة هي سيرته "؟ ولما غاب عن ذهني اسم قائلها ، سألت عنه ال. Gemini فأجابني إنها مقولة شائعة ومتداولة في الأوساط الأدبية وبين نقاد الأدب، وليست منسوبة بشكل قطعي وحصري لكاتب أو ناقد واحد بعينه. وأضاف إنها تطرح غالباً في صيغتين متقاربتين هما :
الأولى (المرتبطة بالسيرة): "إن الروائي يكتب رواية واحدة ناجحة في حياته هي سيرته الذاتية"، وتُشير إلى أن العمل الأول أو الأنجح للكاتب عادةً ما يستمد روحه وزخمه الحقيقي من تجاربه الشخصية العميقة وسيرته المُعاشة.
الثانية (المرتبطة بالتكرار): "الروائي لا يكتب إلا رواية واحدة، وما تبقى من أعماله هو تنويعات وإعادات عليها"، والمقصود بها أن الكاتب يدور غالباً حول فكرة مركزية واحدة أو رؤية وجودية موحدة تتكرر في سائر نتاجه الأدبي بأشكال مختلفة. وقد تناول هذه المقولة بالنقاش والتحليل الكثير من الأدباء والنقاد العرب والعالميين (مثل الطيب صالح، وعبد الرحمن منيف، وإبراهيم الكوني) عند حديثهم عن تجاربهم أو عن ظاهرة "كتّاب الرواية الواحدة".
وأنا أدرج مقولة الروائي الألماني تذكرت روايات إلياس خوري و محمود شقير وابراهيم نصرالله وجبرا إبراهيم جبرا وإميل حبيبي وعبد الرحمن منيف وكثيرا ما كتبت عن أعمال هؤلاء أو عن قسم منها ، متكئا على ربط نتاجهم بما أعرفه عن حياتهم أو بما يقولونه في المقابلات التي تجرى معهم أو في شهاداتهم التي يدلون بها في المؤتمرات أو الندوات أو في الكتب التي ينشرونها عن تجربتهم الكتابية.
على سبيل المثال لا أنسى عنوان مقال للكاتب حسن خضر عن إحدى روايات جبرا " جبرا إبراهيم جبرا: سيرة ذاتية متواصلة " ، ولا يغيب عن ذهني ما قاله إميل حبيبي في الحوار الذي أجراه معه غسان زقطان وآخرون في مجلة " مشارف " في العام ١٩٩٦ " عندما كنت أكتب المتشائل كنت أكتب عن نفسي " ، وعندما كتبت عن رواية منيف " أم النذور " التي نشرت بعد رحيله قرأتها في ضوء كتابه " سيرة مدينة " ولاحظت أنها تتكيء على حياته ، محققة مقولة ( جيمس كليف ) ، ولا يخفى على قاريء كتاب نصرالله " طفولتي حتى الآن " أنها تتمحور حول طفولته كأنها رواية سيرية ذاتية.
يقر محمود شقير في أكثر من كتاب له ، وآخرها " الكتابة مهنتي .. الكتابة حياتي : سيرة أدبية "( ٢٠٢٦) بهذا ، فعندما سئل إلى أي مدى تتعايش مع شخصيات رواياتك ، وكيف تؤثر عليك شخصيا ؟ وهل تجد نفسك متأثرا بالامها وأحلامها؟ أجاب :
" هذا التعايش موجود ، لكنه يتفاوت بين شخصية وأخرى ، وكما هو معروف فإن شيئا من روح الكاتب ومشاعره وتجاربه في الحياة تتسرب إلى نصه الروائي بطريقة أو بأخرى ، وأنا لا أنكر أن جزءا من مشاعري وتجاربي في الحياة موجود في الشخصية الرئيسة في أي رواية من رواياتي ، وفي بعض الشخصيات الثانوية في الروايات . لكن من غير الصائب أن يقال إن تلك الشخصية الرئيسة هي أنا في كل تفاصيلها وجزئيات حياتها ... وقد سبق لي ان قلت إن جزءا من سيرتي وسيرة عائلتي يظهر في الروايات " .
ما بين ٢٠١٩ و ٢٠٢٤ كتبت غير مرة عن إشكالية تجنيس ثلاثية إلياس خوري " أولاد الغيتو : إسمي آدم ونجمة البحر ورجل يشبهني " وتساءلت : ما الذي يخلص إليه قارئها ؟ وأثرت الأسئلة الآتية :
- هل يدرجها تحت جنس أدبي واحد هو الرواية ، كما فعل الياس خوري حين كتب دال " رواية " على الغلاف وفي صفحات الرواية الأخيرة تحت مفردة " إشارات " ؟
- وإذا ما أدرجها المرء تحت هذا الدال الذي اطمأن إليه الكاتب بعد حيرته ، فلماذا كتب الياس مقدمة للرواية وأبان فيها عن حيرته التي انعكست بوضوح على الدوال المتعددة المتنوعة التي تنتمي إلى أجناس أدبية لا إلى جنس أدبي واحد ؟
وقلت إننا نستطيع أن نتفهم حيرة آدم الذي لم يكتب الرواية من قبل ، ولكن هل تبدو حيرة الياس مقبولة ، وهو ناقد روائي محترف ؟
لقد خلصت شخصيا إلى أن الياس كتب في هذه الرواية تجربته وسيرته الأدبية والفكرية ورأى فيها خلاصة قراءاته وأفكاره وتساؤلاته ، ومن هنا احتار في تصنيف عمله . فالياس ناقد ودارس أدبي وكاتب مقالة ومؤرخ وروائي ومحاضر جامعي ، وقد حضر فيما كتب كل هذا ، ولذلك تقرأ في الثلاثية الدراسة الأدبية والنقد الأدبي ، والتاريخ ، والسرد الروائي وسرد الحكايات ، وكل ما سبق وغيره يعني أن هناك تجاورا لأجناس أدبية مختلفة في النص الروائي .
في قراءاتي المتواصلة لروايات إلياس كنت ألاحظ أنه موجود فيها لدرجة خلصت فيها إلى أننا بالفعل نقرأ سيرة فكرية أدبية سياسية لكاتبها نفسه.
عادل الأسطة
(مقال الأحد لجريدة الأيام الفلسطينية ٢٠ / ٩ / ٢٠٢٦)
١٤ - ١٧ أيلول ٢٠٢٦