في الثاني من كانون الثاني/يناير 2017، كانت هناك غرفة في رام الله تستحق أن نتوقف عندها قليلًا.
دونالد ترامب فاز بالرئاسة الأميركية، لكنه لم يدخل البيت الأبيض بعد. الرئيس محمود عباس يبحث عن طريق إلى الإدارة الجديدة.
في الغرفة صائب عريقات، وماجد فرج، ورجل الأعمال الأميركي دانيال أربيس، الذي كانت له صلة بجاريد كوشنر.
وهناك رجل آخر.
لا يحمل رتبة في السلطة، ولا مقعدًا في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، ولا موقعًا في قيادة فتح أو حماس.
الدكتور عدنان مجلي.
تقارير صحافية قالت يومها إن الاجتماع كان محاولة لفتح قناة غير مباشرة مع الإدارة الأميركية القادمة، وإن أربيس لم يكن مبعوثًا رسميًا من ترامب. لكن وجود مجلي في تلك الغرفة يترك سؤالًا أبسط وأكثر أهمية:
كيف وصل عالم فلسطيني أميركي، جاء من مختبرات الدواء وعالم الشركات، إلى هنا؟
عدنان مجلي ابن طوباس.
درس الكيمياء الطبية، حصل على الدكتوراه من جامعة إكستر، وأكمل أبحاث ما بعد الدكتوراه في جامعة روتشستر، ثم دخل صناعة الأدوية والتكنولوجيا الحيوية في الولايات المتحدة، قبل أن يؤسس شركاته الخاصة ويبني ثروة وشبكة واسعة من العلاقات.
لكن المختبر والمال وحدهما لا يفسران الرجل.
لهذا نعود للحظة قصيرة إلى واشنطن.
عام 2003.
هناك تأسست «American Task Force on Palestine» بقيادة الطبيب الفلسطيني الأميركي زياد عسلي، وضمت لجنتها التنفيذية الأولى مجموعة لافتة من الأسماء: زياد عسلي، الأكاديمي رشيد الخالدي، رجل الأعمال طلعت عثمان، المحامية ريما علي، جيسي عويدة، هاني المصري، والمحامي جورج سالم.
لم يكن عدنان مجلي بينهم عند التأسيس.
سيأتي لاحقًا عضوًا في مجلس إدارة المؤسسة.
لكن أهمية المحطة ليست في أسماء مجلس إدارة منظمة أميركية فلسطينية مضى على تأسيسها أكثر من عشرين عامًا، بل في طبيعة المكان الذي دخل إليه مجلي.
كانت المؤسسة تقول بوضوح إنها تريد بناء صوت فلسطيني أميركي مستقل يعمل داخل الولايات المتحدة، ويخاطب مؤسساتها وصناع قرارها، ويدافع عن إقامة دولة فلسطينية إلى جانب دولة الاحتلال الإسرائيلي، لا بوصفها حقًا فلسطينيًا فحسب، بل بوصفها أيضًا مصلحة وطنية أميركية.
ولم يبق ذلك مجرد شعار.
بعد عام واحد من تأسيس المؤسسة، كان زياد عسلي ضمن الوفد الأميركي الرسمي إلى جنازة الرئيس الراحل ياسر عرفات، ثم ضمن وفد أميركي لمراقبة الانتخابات الرئاسية الفلسطينية مطلع 2005.
هذه كانت البيئة التي دخل إليها عدنان مجلي لاحقًا.
وفي حفل المؤسسة عام 2008، وقف مجلي ليقول ما يكشف شيئًا مهمًا في تكوينه السياسي: على الفلسطينيين الأميركيين أن يفهموا كيف يعمل النظام الأميركي، وأن يتعلموا التفكير والعمل داخله باعتبارهم أميركيين أيضًا.
لا تحمل هذه الجملة سرًا خفيًا.
ولم نجد، بعد البحث، دليلًا موثوقًا يربط مجلي بأجهزة استخبارات أميركية، ولا ما يثبت عضوية تنظيمية له في الحزب الديمقراطي أو الجمهوري.
لكنها تكشف مدرسة سياسية.
الرجل لم يتعلم أميركا من زيارات السياسيين الفلسطينيين إلى واشنطن.
كان يعيش داخلها.
يعرف عالم الشركات والاستثمار، ويتحرك في بيئة فلسطينية أميركية اختارت أن تبحث عن التأثير من داخل المؤسسة الأميركية نفسها.
ثم بدأ مجلي يتحرك باتجاه الداخل الفلسطيني.
في 2018 لم يعد رجل الأعمال يتحدث عن الاستثمار فقط.
دخل غزة، والتقى قيادات من حماس، ثم طرح مبادرة سياسية لإنهاء الانقسام: عودة السلطة إلى غزة، إدخال حماس في منظمة التحرير، إحياء المجلس التشريعي، إجراء انتخابات عامة، تشكيل حكومة إنقاذ وطني، وإعادة بناء النظام السياسي على أساس الشراكة.
وتحدث عن توحيد القوى المسلحة تحت سلطة وطنية وعن المقاومة الشعبية السلمية في تلك المرحلة.
لكن وسط التفاصيل ظهرت كلمة ستصبح بعد سنوات أكثر أهمية:
الشرعية.
دعا مجلي إلى إشراك الشعب الفلسطيني في القرار وتمكينه من أخذ زمام المبادرة.
غير أن الكاميرا تتوقف عند تفصيل صغير.
عندما تحدث عن كيفية إعادة بناء الشراكة داخل منظمة التحرير، لم يقل الانتخابات فقط.
قال إن التمثيل يمكن أن يقوم على انتخابات عامة، أو استطلاعات رأي مهنية محايدة، أو وسيلة أخرى تتفق عليها الأطراف.
«أو».
كلمة صغيرة، لكنها تفتح سؤالًا كبيرًا:
هل كان صندوق الاقتراع عند مجلي هو مصدر الشرعية، أم واحدًا من طرق الوصول إليها؟
لم يكن الرجل يومها يعلن أنه يريد السلطة. على العكس، عندما بدأت الصحافة تسأل في 2018 و2019 عما إذا كان اسم عدنان مجلي يدخل سباق خلافة محمود عباس، نفى أن يكون لديه مشروع للوصول إلى الرئاسة، وقدم نفسه رجل أعمال يحمل مبادرة للخروج من الأزمة.
لكن السنوات تحركت.
وتحرك معها مجلي.
في 2023 أصبحت لغته أكثر وضوحًا في مسألة الانتخابات وتجديد القيادة والشرعية، وتحدث عن حق الفلسطينيين في اختيار من يقودهم، بل ناقش إمكان استخدام أدوات إلكترونية إذا تعذر الاقتراع التقليدي في القدس.
وفي 2025 كان الرجل يقدم تصورًا أوسع بكثير لما بعد الحرب في غزة: سلطة فلسطينية تملك السيطرة، معالجة وضع التشكيلات المسلحة بالدمج أو التفكيك، احتمال وجود قوة عربية أو دولية، انتخابات تعيد الشرعية، إعادة إعمار واسعة، اقتصاد منتج، ودور أميركي وأوروبي وعربي في الترتيبات القادمة.
هنا لم نعد أمام عالم أدوية دخل السياسة مصادفة.
أمامنا رجل تكوّن لديه، على امتداد سنوات، تصور للدولة والسلطة والسلاح والاقتصاد والعلاقة بالعالم.
ثم جاءت الخطوة التي تغير معنى كل ما سبق.
عدنان مجلي لم يطرح مبادرة جديدة.
أسس حزبًا.
«حزب فلسطين المستقبل».
من هنا تبدأ الحكاية التي تهم الفلسطيني اليوم.
فالذي كان يقترح على فتح وحماس قبل ثماني سنوات كيف تعيدان بناء النظام السياسي، يريد الآن أن يدخل هذا النظام بنفسه.
والذي كان اسمه يُطرح من الخارج بوصفه رجل أعمال قد يدخل السياسة، أصبح مؤسس حزب يستعد لخوض الانتخابات.
حتى الاسم يستحق الوقوف أمامه.
القاموس السياسي الفلسطيني الذي عرفناه منذ عقود امتلأ بكلمات: التحرير، الجبهة، النضال، المقاومة، الوطنية، الشعب.
الحزب الجديد اختار كلمة أخرى:
«المستقبل».
وشعاره:
«فلسطين... مستقبل نبنيه».
ليس «فلسطين نحررها».
ولا «فلسطين نقاوم من أجلها».
بل مستقبل نبنيه.
هل نحن أمام مجرد لغة انتخابية حديثة؟
أم أمام انتقال في تصور السياسة نفسها، من خطاب التحرر الوطني التقليدي إلى خطاب بناء الدولة والاقتصاد والمؤسسات؟
لا يكفي الاسم للإجابة.
لكن البرنامج المعلن يعزز السؤال.
الحزب يتحدث عن «الإنسان أولًا»، وعن اقتصاد منتج، وفرص عمل، وتعليم وصحة وتكنولوجيا، وحكومة رقمية، ومؤسسات نزيهة، ومنافسة بدل المحسوبية، واستثمار يقلل الاعتماد على المساعدات.
ويضع أهدافًا رقمية للمستقبل بدل الاكتفاء بالشعارات.
وفي الوقت نفسه يقول إن التنمية الاقتصادية ليست بديلًا عن الحقوق الوطنية، بل إحدى أدوات القوة والاستقلال.
هذه لغة مختلفة نسبيًا عن لغة الأحزاب الفلسطينية التاريخية.
لكن الحزب لا يدخل أرضًا فارغة.
قبل خمس سنوات فقط، ظهرت في الانتخابات التشريعية التي أُلغيت عام 2021 «قائمة المستقبل» المرتبطة بالتيار الإصلاحي الديمقراطي في فتح ومحمد دحلان.
«المستقبل» عام 2021.
«فلسطين المستقبل» عام 2026.
لا يوجد بين أيدينا دليل يثبت أن حزب مجلي امتداد لتلك القائمة، أو أن محمد دحلان شريك فيه، أو أن الاسم اختير بالتنسيق معه.
ولا يجوز أن نصنع علاقة لأن كلمتين تشابهتا.
لكن من حق القارئ أن يسأل:
هل التشابه في الاسم مصادفة سياسية ولغوية، أم توجد تقاطعات بشرية أو سياسية ستظهر عندما تكتمل قائمة الحزب وقيادته؟
الجواب حتى الآن:
لا نعرف.
وهذه ليست المساحة الوحيدة التي ما زالت في الظل.
فالحزب يعلن أن لديه نظامًا داخليًا، وهيئات ومؤتمرًا عامًا وآليات للانتخابات الداخلية والرقابة والمساءلة.
لكن النص الكامل للنظام والبرنامج لم يكن متاحًا للجمهور حين بحثنا عنه.
وهذا يخلق مفارقة.
الحزب يفتح الباب أمام الناس للانضمام إليه، لكن الناس لا يستطيعون بعد قراءة كل الوثيقة التي تحدد شكل الحزب الذي ينضمون إليه.
ثم تظهر مفارقة أكثر فلسطينية.
يقول الحزب إن عضويته مفتوحة للفلسطينيين والفلسطينيات الذين بلغوا الثامنة عشرة ويقبلون برنامجه ونظامه ويلتزمون العمل الديمقراطي السلمي.
لكن نموذج التسجيل الإلكتروني يطلب رقم هوية فلسطينية.
وهنا تتحول خانة صغيرة في استمارة إلكترونية إلى سؤال سياسي.
ماذا عن الفلسطيني الذي يعيش في مخيم في لبنان ولا يحمل هوية فلسطينية؟
وماذا عن الفلسطيني في الأردن؟
أو تشيلي؟
أو الولايات المتحدة؟
هل «فلسطين المستقبل» حزب للفلسطينيين جميعًا، أم حزب للفلسطينيين الذين يحملون هوية صادرة في الأراضي الفلسطينية؟
والسؤال يصبح أكثر إثارة عندما يكون مؤسس الحزب نفسه رجلًا صنعت تجربته الطويلة في الشتات الأميركي جزءًا أساسيًا من شخصيته العامة والسياسية.
قد يكون في النظام الداخلي الكامل جواب بسيط يحسم المسألة.
لكن ما دام النص غير منشور، يبقى السؤال مفتوحًا.
ثم يأتي السؤال الذي ينبغي ألا يخيف أي حزب يريد الحكم:
من يقف مع عدنان مجلي؟
ليست القضية البحث عن أسماء لتوزيع الاتهامات.
العكس تمامًا.
نريد أن نعرف طبيعة الحزب.
هل نحن أمام حزب بناه مؤسس قوي حول شخصه وموارده؟
أم أمام تيار اجتماعي وسياسي واسع وجد في مجلي رئيسًا له؟
من جاء من فتح؟
من جاء من غزة؟
من القدس؟
من الشتات؟
من الجامعات؟
من رجال الأعمال؟
من المؤسسات الأهلية؟
ومن الشباب والنساء الذين يقول الحزب إنه يريد نقلهم إلى قلب القرار؟
ثم سؤال المال.
من يمول الحزب؟
هل يموله المؤسس؟
هل يعتمد على اشتراكات الأعضاء؟
هل يقبل تبرعات رجال الأعمال؟
هل يستطيع الفلسطيني في الخارج تمويله؟
هل توجد حدود للتبرعات؟
ومن يدقق الحسابات وينشرها؟
لا توجد في هذه الأسئلة تهمة.
على العكس.
عندما يجعل حزب جديد «الشفافية والمساءلة» جزءًا من تعريفه لنفسه، يصبح نشر قواعد تمويله أول امتحان عملي للشعار.
وهناك سؤال أبسط لم نجد له حتى الآن جوابًا كاملًا منشورًا:
ما الوضع القانوني الدقيق للحزب؟
متى سُجل؟
وأمام أي جهة؟
وتحت أي إطار قانوني؟
وما الوثيقة التي تمنحه صفته الحزبية الرسمية؟
هذه ليست أسئلة إجرائية هامشية.
لأن «فلسطين المستقبل» لا يقدم نفسه جمعية تنموية جديدة ولا مركز أبحاث ولا مبادرة لرجل أعمال.
إنه يريد أصوات الفلسطينيين.
وهنا يصبح ماضي عدنان مجلي مهمًا، لكن ليس لكي نحاكم الحزب بماضي مؤسسه.
بل لكي نقارن.
مجلي 2018 قال إن إعادة بناء التمثيل يمكن أن تأتي بالانتخابات أو باستطلاعات الرأي أو بوسيلة تتفق عليها الأطراف.
مجلي 2023 أصبح أكثر وضوحًا في المطالبة بقيادة منتخبة.
ومجلي 2026 يؤسس حزبًا يريد دخول الانتخابات.
هل تغير الرجل؟
أم نضجت الفكرة؟
وهل تحولت مبادرة 2018، بعد ثماني سنوات، إلى مؤسسة سياسية؟
السؤال نفسه يمتد إلى منظمة التحرير، وحماس، والسلاح، والمقاومة، واللاجئين، والقدس، والعلاقة مع دولة الاحتلال الإسرائيلي، والعلاقة مع الولايات المتحدة والعالم العربي.
هذه ليست تفاصيل برنامجية.
إنها التي ستحدد إن كان «فلسطين المستقبل» مجرد حزب انتخابي جديد، أم مشروعًا يحمل تصورًا مختلفًا لإعادة بناء الن
ظام السياسي الفلسطيني.
ولهذا ربما تكون الوثائق التي لم نقرأها بعد أهم من الشعارات التي قرأناها.
النظام الداخلي كاملًا.
البرنامج السياسي كاملًا.
أسماء القيادة والمؤسسين.
قواعد التمويل.
والوثيقة القانونية للحزب.
عندها نستطيع أن نضع أمامنا صورتين.
عدنان مجلي الذي دخل قبل سنوات إلى السياسة من خارج أحزابها التقليدية.
و«فلسطين المستقبل» الذي يريد اليوم أن يدخل من بابها الكبير.
وبين الصورتين أكثر من عشرين عامًا.
من مؤسسة فلسطينية أميركية في واشنطن، إلى مبادرة للمصالحة، إلى نقاش حول الشرعية، إلى تصور لغزة والدولة والاقتصاد، وصولًا إلى حزب سياسي يحمل اسم فلسطين على واجهته.
لكن هنا تنتهي سيرة الرجل.
ويبدأ حق المجتمع في السؤال.
فإذا جرت الانتخابات، لن يقف أمام الفلسطينيين عالم أدوية ناجح، ولا رجل أعمال ثري، ولا رجل يعرف أبواب واشنطن.
سيقـف حزب يطلب أصواتهم.
وحينها لن يكون السؤال:
من يعرف عدنان مجلي؟
ولا:
من يعرفه عدنان مجلي؟
بل سؤال أكثر بساطة، وأكثر صعوبة:
ما هي «فلسطين المستقبل» التي تريدون من الفلسطينيين أن يمنحوكم أصواتهم لبنائها؟
فالاسم يستطيع أن يعد بالمستقبل.
أما المستقبل نفسه...
فلا يمنحه الاسم شرعيته.
الناس يفعلون.
يحيى بركات
20/9/2026
دونالد ترامب فاز بالرئاسة الأميركية، لكنه لم يدخل البيت الأبيض بعد. الرئيس محمود عباس يبحث عن طريق إلى الإدارة الجديدة.
في الغرفة صائب عريقات، وماجد فرج، ورجل الأعمال الأميركي دانيال أربيس، الذي كانت له صلة بجاريد كوشنر.
وهناك رجل آخر.
لا يحمل رتبة في السلطة، ولا مقعدًا في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، ولا موقعًا في قيادة فتح أو حماس.
الدكتور عدنان مجلي.
تقارير صحافية قالت يومها إن الاجتماع كان محاولة لفتح قناة غير مباشرة مع الإدارة الأميركية القادمة، وإن أربيس لم يكن مبعوثًا رسميًا من ترامب. لكن وجود مجلي في تلك الغرفة يترك سؤالًا أبسط وأكثر أهمية:
كيف وصل عالم فلسطيني أميركي، جاء من مختبرات الدواء وعالم الشركات، إلى هنا؟
عدنان مجلي ابن طوباس.
درس الكيمياء الطبية، حصل على الدكتوراه من جامعة إكستر، وأكمل أبحاث ما بعد الدكتوراه في جامعة روتشستر، ثم دخل صناعة الأدوية والتكنولوجيا الحيوية في الولايات المتحدة، قبل أن يؤسس شركاته الخاصة ويبني ثروة وشبكة واسعة من العلاقات.
لكن المختبر والمال وحدهما لا يفسران الرجل.
لهذا نعود للحظة قصيرة إلى واشنطن.
عام 2003.
هناك تأسست «American Task Force on Palestine» بقيادة الطبيب الفلسطيني الأميركي زياد عسلي، وضمت لجنتها التنفيذية الأولى مجموعة لافتة من الأسماء: زياد عسلي، الأكاديمي رشيد الخالدي، رجل الأعمال طلعت عثمان، المحامية ريما علي، جيسي عويدة، هاني المصري، والمحامي جورج سالم.
لم يكن عدنان مجلي بينهم عند التأسيس.
سيأتي لاحقًا عضوًا في مجلس إدارة المؤسسة.
لكن أهمية المحطة ليست في أسماء مجلس إدارة منظمة أميركية فلسطينية مضى على تأسيسها أكثر من عشرين عامًا، بل في طبيعة المكان الذي دخل إليه مجلي.
كانت المؤسسة تقول بوضوح إنها تريد بناء صوت فلسطيني أميركي مستقل يعمل داخل الولايات المتحدة، ويخاطب مؤسساتها وصناع قرارها، ويدافع عن إقامة دولة فلسطينية إلى جانب دولة الاحتلال الإسرائيلي، لا بوصفها حقًا فلسطينيًا فحسب، بل بوصفها أيضًا مصلحة وطنية أميركية.
ولم يبق ذلك مجرد شعار.
بعد عام واحد من تأسيس المؤسسة، كان زياد عسلي ضمن الوفد الأميركي الرسمي إلى جنازة الرئيس الراحل ياسر عرفات، ثم ضمن وفد أميركي لمراقبة الانتخابات الرئاسية الفلسطينية مطلع 2005.
هذه كانت البيئة التي دخل إليها عدنان مجلي لاحقًا.
وفي حفل المؤسسة عام 2008، وقف مجلي ليقول ما يكشف شيئًا مهمًا في تكوينه السياسي: على الفلسطينيين الأميركيين أن يفهموا كيف يعمل النظام الأميركي، وأن يتعلموا التفكير والعمل داخله باعتبارهم أميركيين أيضًا.
لا تحمل هذه الجملة سرًا خفيًا.
ولم نجد، بعد البحث، دليلًا موثوقًا يربط مجلي بأجهزة استخبارات أميركية، ولا ما يثبت عضوية تنظيمية له في الحزب الديمقراطي أو الجمهوري.
لكنها تكشف مدرسة سياسية.
الرجل لم يتعلم أميركا من زيارات السياسيين الفلسطينيين إلى واشنطن.
كان يعيش داخلها.
يعرف عالم الشركات والاستثمار، ويتحرك في بيئة فلسطينية أميركية اختارت أن تبحث عن التأثير من داخل المؤسسة الأميركية نفسها.
ثم بدأ مجلي يتحرك باتجاه الداخل الفلسطيني.
في 2018 لم يعد رجل الأعمال يتحدث عن الاستثمار فقط.
دخل غزة، والتقى قيادات من حماس، ثم طرح مبادرة سياسية لإنهاء الانقسام: عودة السلطة إلى غزة، إدخال حماس في منظمة التحرير، إحياء المجلس التشريعي، إجراء انتخابات عامة، تشكيل حكومة إنقاذ وطني، وإعادة بناء النظام السياسي على أساس الشراكة.
وتحدث عن توحيد القوى المسلحة تحت سلطة وطنية وعن المقاومة الشعبية السلمية في تلك المرحلة.
لكن وسط التفاصيل ظهرت كلمة ستصبح بعد سنوات أكثر أهمية:
الشرعية.
دعا مجلي إلى إشراك الشعب الفلسطيني في القرار وتمكينه من أخذ زمام المبادرة.
غير أن الكاميرا تتوقف عند تفصيل صغير.
عندما تحدث عن كيفية إعادة بناء الشراكة داخل منظمة التحرير، لم يقل الانتخابات فقط.
قال إن التمثيل يمكن أن يقوم على انتخابات عامة، أو استطلاعات رأي مهنية محايدة، أو وسيلة أخرى تتفق عليها الأطراف.
«أو».
كلمة صغيرة، لكنها تفتح سؤالًا كبيرًا:
هل كان صندوق الاقتراع عند مجلي هو مصدر الشرعية، أم واحدًا من طرق الوصول إليها؟
لم يكن الرجل يومها يعلن أنه يريد السلطة. على العكس، عندما بدأت الصحافة تسأل في 2018 و2019 عما إذا كان اسم عدنان مجلي يدخل سباق خلافة محمود عباس، نفى أن يكون لديه مشروع للوصول إلى الرئاسة، وقدم نفسه رجل أعمال يحمل مبادرة للخروج من الأزمة.
لكن السنوات تحركت.
وتحرك معها مجلي.
في 2023 أصبحت لغته أكثر وضوحًا في مسألة الانتخابات وتجديد القيادة والشرعية، وتحدث عن حق الفلسطينيين في اختيار من يقودهم، بل ناقش إمكان استخدام أدوات إلكترونية إذا تعذر الاقتراع التقليدي في القدس.
وفي 2025 كان الرجل يقدم تصورًا أوسع بكثير لما بعد الحرب في غزة: سلطة فلسطينية تملك السيطرة، معالجة وضع التشكيلات المسلحة بالدمج أو التفكيك، احتمال وجود قوة عربية أو دولية، انتخابات تعيد الشرعية، إعادة إعمار واسعة، اقتصاد منتج، ودور أميركي وأوروبي وعربي في الترتيبات القادمة.
هنا لم نعد أمام عالم أدوية دخل السياسة مصادفة.
أمامنا رجل تكوّن لديه، على امتداد سنوات، تصور للدولة والسلطة والسلاح والاقتصاد والعلاقة بالعالم.
ثم جاءت الخطوة التي تغير معنى كل ما سبق.
عدنان مجلي لم يطرح مبادرة جديدة.
أسس حزبًا.
«حزب فلسطين المستقبل».
من هنا تبدأ الحكاية التي تهم الفلسطيني اليوم.
فالذي كان يقترح على فتح وحماس قبل ثماني سنوات كيف تعيدان بناء النظام السياسي، يريد الآن أن يدخل هذا النظام بنفسه.
والذي كان اسمه يُطرح من الخارج بوصفه رجل أعمال قد يدخل السياسة، أصبح مؤسس حزب يستعد لخوض الانتخابات.
حتى الاسم يستحق الوقوف أمامه.
القاموس السياسي الفلسطيني الذي عرفناه منذ عقود امتلأ بكلمات: التحرير، الجبهة، النضال، المقاومة، الوطنية، الشعب.
الحزب الجديد اختار كلمة أخرى:
«المستقبل».
وشعاره:
«فلسطين... مستقبل نبنيه».
ليس «فلسطين نحررها».
ولا «فلسطين نقاوم من أجلها».
بل مستقبل نبنيه.
هل نحن أمام مجرد لغة انتخابية حديثة؟
أم أمام انتقال في تصور السياسة نفسها، من خطاب التحرر الوطني التقليدي إلى خطاب بناء الدولة والاقتصاد والمؤسسات؟
لا يكفي الاسم للإجابة.
لكن البرنامج المعلن يعزز السؤال.
الحزب يتحدث عن «الإنسان أولًا»، وعن اقتصاد منتج، وفرص عمل، وتعليم وصحة وتكنولوجيا، وحكومة رقمية، ومؤسسات نزيهة، ومنافسة بدل المحسوبية، واستثمار يقلل الاعتماد على المساعدات.
ويضع أهدافًا رقمية للمستقبل بدل الاكتفاء بالشعارات.
وفي الوقت نفسه يقول إن التنمية الاقتصادية ليست بديلًا عن الحقوق الوطنية، بل إحدى أدوات القوة والاستقلال.
هذه لغة مختلفة نسبيًا عن لغة الأحزاب الفلسطينية التاريخية.
لكن الحزب لا يدخل أرضًا فارغة.
قبل خمس سنوات فقط، ظهرت في الانتخابات التشريعية التي أُلغيت عام 2021 «قائمة المستقبل» المرتبطة بالتيار الإصلاحي الديمقراطي في فتح ومحمد دحلان.
«المستقبل» عام 2021.
«فلسطين المستقبل» عام 2026.
لا يوجد بين أيدينا دليل يثبت أن حزب مجلي امتداد لتلك القائمة، أو أن محمد دحلان شريك فيه، أو أن الاسم اختير بالتنسيق معه.
ولا يجوز أن نصنع علاقة لأن كلمتين تشابهتا.
لكن من حق القارئ أن يسأل:
هل التشابه في الاسم مصادفة سياسية ولغوية، أم توجد تقاطعات بشرية أو سياسية ستظهر عندما تكتمل قائمة الحزب وقيادته؟
الجواب حتى الآن:
لا نعرف.
وهذه ليست المساحة الوحيدة التي ما زالت في الظل.
فالحزب يعلن أن لديه نظامًا داخليًا، وهيئات ومؤتمرًا عامًا وآليات للانتخابات الداخلية والرقابة والمساءلة.
لكن النص الكامل للنظام والبرنامج لم يكن متاحًا للجمهور حين بحثنا عنه.
وهذا يخلق مفارقة.
الحزب يفتح الباب أمام الناس للانضمام إليه، لكن الناس لا يستطيعون بعد قراءة كل الوثيقة التي تحدد شكل الحزب الذي ينضمون إليه.
ثم تظهر مفارقة أكثر فلسطينية.
يقول الحزب إن عضويته مفتوحة للفلسطينيين والفلسطينيات الذين بلغوا الثامنة عشرة ويقبلون برنامجه ونظامه ويلتزمون العمل الديمقراطي السلمي.
لكن نموذج التسجيل الإلكتروني يطلب رقم هوية فلسطينية.
وهنا تتحول خانة صغيرة في استمارة إلكترونية إلى سؤال سياسي.
ماذا عن الفلسطيني الذي يعيش في مخيم في لبنان ولا يحمل هوية فلسطينية؟
وماذا عن الفلسطيني في الأردن؟
أو تشيلي؟
أو الولايات المتحدة؟
هل «فلسطين المستقبل» حزب للفلسطينيين جميعًا، أم حزب للفلسطينيين الذين يحملون هوية صادرة في الأراضي الفلسطينية؟
والسؤال يصبح أكثر إثارة عندما يكون مؤسس الحزب نفسه رجلًا صنعت تجربته الطويلة في الشتات الأميركي جزءًا أساسيًا من شخصيته العامة والسياسية.
قد يكون في النظام الداخلي الكامل جواب بسيط يحسم المسألة.
لكن ما دام النص غير منشور، يبقى السؤال مفتوحًا.
ثم يأتي السؤال الذي ينبغي ألا يخيف أي حزب يريد الحكم:
من يقف مع عدنان مجلي؟
ليست القضية البحث عن أسماء لتوزيع الاتهامات.
العكس تمامًا.
نريد أن نعرف طبيعة الحزب.
هل نحن أمام حزب بناه مؤسس قوي حول شخصه وموارده؟
أم أمام تيار اجتماعي وسياسي واسع وجد في مجلي رئيسًا له؟
من جاء من فتح؟
من جاء من غزة؟
من القدس؟
من الشتات؟
من الجامعات؟
من رجال الأعمال؟
من المؤسسات الأهلية؟
ومن الشباب والنساء الذين يقول الحزب إنه يريد نقلهم إلى قلب القرار؟
ثم سؤال المال.
من يمول الحزب؟
هل يموله المؤسس؟
هل يعتمد على اشتراكات الأعضاء؟
هل يقبل تبرعات رجال الأعمال؟
هل يستطيع الفلسطيني في الخارج تمويله؟
هل توجد حدود للتبرعات؟
ومن يدقق الحسابات وينشرها؟
لا توجد في هذه الأسئلة تهمة.
على العكس.
عندما يجعل حزب جديد «الشفافية والمساءلة» جزءًا من تعريفه لنفسه، يصبح نشر قواعد تمويله أول امتحان عملي للشعار.
وهناك سؤال أبسط لم نجد له حتى الآن جوابًا كاملًا منشورًا:
ما الوضع القانوني الدقيق للحزب؟
متى سُجل؟
وأمام أي جهة؟
وتحت أي إطار قانوني؟
وما الوثيقة التي تمنحه صفته الحزبية الرسمية؟
هذه ليست أسئلة إجرائية هامشية.
لأن «فلسطين المستقبل» لا يقدم نفسه جمعية تنموية جديدة ولا مركز أبحاث ولا مبادرة لرجل أعمال.
إنه يريد أصوات الفلسطينيين.
وهنا يصبح ماضي عدنان مجلي مهمًا، لكن ليس لكي نحاكم الحزب بماضي مؤسسه.
بل لكي نقارن.
مجلي 2018 قال إن إعادة بناء التمثيل يمكن أن تأتي بالانتخابات أو باستطلاعات الرأي أو بوسيلة تتفق عليها الأطراف.
مجلي 2023 أصبح أكثر وضوحًا في المطالبة بقيادة منتخبة.
ومجلي 2026 يؤسس حزبًا يريد دخول الانتخابات.
هل تغير الرجل؟
أم نضجت الفكرة؟
وهل تحولت مبادرة 2018، بعد ثماني سنوات، إلى مؤسسة سياسية؟
السؤال نفسه يمتد إلى منظمة التحرير، وحماس، والسلاح، والمقاومة، واللاجئين، والقدس، والعلاقة مع دولة الاحتلال الإسرائيلي، والعلاقة مع الولايات المتحدة والعالم العربي.
هذه ليست تفاصيل برنامجية.
إنها التي ستحدد إن كان «فلسطين المستقبل» مجرد حزب انتخابي جديد، أم مشروعًا يحمل تصورًا مختلفًا لإعادة بناء الن
ظام السياسي الفلسطيني.ولهذا ربما تكون الوثائق التي لم نقرأها بعد أهم من الشعارات التي قرأناها.
النظام الداخلي كاملًا.
البرنامج السياسي كاملًا.
أسماء القيادة والمؤسسين.
قواعد التمويل.
والوثيقة القانونية للحزب.
عندها نستطيع أن نضع أمامنا صورتين.
عدنان مجلي الذي دخل قبل سنوات إلى السياسة من خارج أحزابها التقليدية.
و«فلسطين المستقبل» الذي يريد اليوم أن يدخل من بابها الكبير.
وبين الصورتين أكثر من عشرين عامًا.
من مؤسسة فلسطينية أميركية في واشنطن، إلى مبادرة للمصالحة، إلى نقاش حول الشرعية، إلى تصور لغزة والدولة والاقتصاد، وصولًا إلى حزب سياسي يحمل اسم فلسطين على واجهته.
لكن هنا تنتهي سيرة الرجل.
ويبدأ حق المجتمع في السؤال.
فإذا جرت الانتخابات، لن يقف أمام الفلسطينيين عالم أدوية ناجح، ولا رجل أعمال ثري، ولا رجل يعرف أبواب واشنطن.
سيقـف حزب يطلب أصواتهم.
وحينها لن يكون السؤال:
من يعرف عدنان مجلي؟
ولا:
من يعرفه عدنان مجلي؟
بل سؤال أكثر بساطة، وأكثر صعوبة:
ما هي «فلسطين المستقبل» التي تريدون من الفلسطينيين أن يمنحوكم أصواتهم لبنائها؟
فالاسم يستطيع أن يعد بالمستقبل.
أما المستقبل نفسه...
فلا يمنحه الاسم شرعيته.
الناس يفعلون.
يحيى بركات
20/9/2026