محمد مزيد - عِشقٌ خلفَ قُضبانِ الذاكرة...

على غطاء المحرك الصدئ لسيارة "شيفروليه 57" المتروكة لعوادي الزمن، كان "هوبي" يجلس مستسلماً للقب "الخبل" الذي وصمه به الجميع. لم يكن يعنيه من العالم صخب السوق، ولا نظرات الشفقة أو الازدراء؛ حتى عائلته التي نفضت يدها منه وتركت مصيره للقدر، معتقدة أنه يتأرجح بين جنون عاقل وعقل مجنون. وحده شقيقه الأوسط، نائب الضابط الهارب من جحيم الجبهة، كان يرى أن انضباط العسكرية كفيل بانتشال أخيه من لوثته. لكن هوبي كان في عالم آخر، أسير نهارٍ لا تشرق شمسه إلا إذا أقبلت تلك الفتاة الكردية الفيلية، المجهرة من ديارها لتسكن الجنوب. كانت بشرتها الحليبية الصافية تهب النهار ضياءه، وعيناه لا تحيدان عن ساقها البضة التي تنسل كجمّارة بيضاء من طيات عباءتها مع كل خطوة، لتحلق في سماء قلبه المثقل بالبؤس. لم يكن ينظر لوجهها، بل لتلك الساق الراقصة التي لطالما تساءل: هل كانت الفتاة تتعمد إظهارها لتثير في روحه هذا العذاب العذب؟ وفي عتمة الليل، كان يتقلب في فراشه، واضعاً كفه على وسطه، غارقاً في حلم مستحيل بضم تلك الفتنة البيضاء إلى صدره.دارت عجلة الأيام القاسية، وسِيق هوبي إلى أتون الحرب في لواء مشاة بالبصرة. هناك، عند ضفاف "نهر جاسم"، ابتلعه الأسر. عشرون عاماً وأكثر تجرعها في معتقلات إيران التي رفضت تسليم الأسرى بعد توقف المدافع. وحين عاد أخيراً، غريباً مثقلاً بملامح غطتها السنون، وجد شقيقه الهارب قد استوطن الدار وتزوج وأنجب ولدين. استقبلوه بجفاء ونفور، ولم يكن يكترث، حتى إنه لم يحاول يوماً أن يرفع عينيه ليتأمل وجه زوجة أخيه. كان قلبه معلقاً بالماضي، بالسنوات العجاف، وبنبضه الذي كان يضطرب شوقاً لتلك الساق البيضاء.انتعشت روحه حين وجد هيكل "الشيفروليه" ما زال قابضاً على مكانه القديم. عاد هوبي إلى ديدنه، يجلس فوق غطاء المحرك، يرقب الطريق بانتظار إطلالة المرأة البيضاء. الغريب أن سنوات الأسر الطويلة قد أعادت له عقله تماماً، لكنه اختار بكامل وعيه أن يظل سجين ذلك الانتظار الطويل. مرت الشهور والسنوات، وهو جاثم في مكانه، لا يلتفت لأحد ولا يبالي بمرور العمر، عاجزاً عن انتشال نفسه من ظلمات الترقب. لقد أعاد له الحب عقله، لكنه حجب عنه الحقيقة المُرّة؛ لم يكن يدري أن ذات الساق البَضّة التي يقتلها شوقاً، تضطجع الآن في الغرفة المجاورة لغرفته، كزوجةٍ لأخيه الذي كان يراقبه في الماضي من بعيد.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى