حسين السياب - الجسد الذي شهد الحكاية..

الأمهاتُ يعرفنَ أنَّ الزمنَ ليس ساعةً معلّقةً على الحائط
هو نهرٌ طويلٌ
يجرُّ خلفه المدنَ...
يرينَ أبناءهنَّ يكبرون حتى تبهتَ صورُ الطفولة في الألبومات
وتغدو ضحكاتُ الصغار حكاياتٍ يرويها الأحفاد...
ليس سهلاً أن يحملَ المرءُ عقوداً من التعب على كتفيه
وأن يعبرَ كلَّ هذا العالم
دونَ أن يتركَ قلبَه في حربٍ
أو منفى
أو على رصيفِ انتظارٍ...
هذا المدى من الحياة يكفي ليتبدّل شكلُ السماء أكثر من مرة،
ولكي تتعلّم الأشجارُ أسماءَ أجيالٍ كاملة مرّت تحت ظلالها ثم غابت...
من يمضون بعيداً في العمر
لا يكبرون وحدهم،
إنهم يحملون معهم أصواتَ الراحلين وخطواتِ الذين أحبّوهم
والرسائلَ التي لم تصل
والأحلامَ التي نجت من خراب الأزمنة...
تجلس الأمُّ وقد انحنى ظهرُها من ثقل الدعوات
تنظر إلى ابنها العجوز كما كانت تنظر إليه حين كان يطارد فراشةً في حديقة البيت.
تندهشُ كيف استطاع هذا القلب الصغير أن يقطع كلَّ هذه المسافة
وأن ينجو من أفخاخ الأيام
ومن أسنان الخسارات
ومن ليالي الشكِّ الطويلة؟!
العمرُ المديد فرصةٌ إضافية لكي نفهم الحياة على مهلٍ...
أن نتأملَ وجوهَ أحبّتنا أكثر مما ينبغي
وأن نمنحَ الأشياءَ العادية ما تستحقه من دهشة.
وعندما يقترب الاحتفالُ الكبير
وتُضاء الشمعةُ
يكون الفرحُ لكل الذين عبروا الطريق ولم يعودوا
وفي هذا الجسد الذي ظلَّ واقفاً ليشهد الحكايةَ حتى آخرها...

#قصائد_نثر

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى