شهادات خاصة عبدالمنعم الهراق - شخصيات استوقفتني... عندما تحولت الشقة إلى مكتبة... بوبكر بلمعطي

جمع الراحل بوبكر بلمعطي بين القانون والسياحة، حيث كان يدير شؤون وكالة اسفار دولية بموازاة مع عمله النقابي والحقوقي داخل هيئة المحامين بالرباط .
رجل من علية القوم ووجهائهم، اجتمعت فيه المهابة مع التواضع، والسعة مع الكرم، وحب الدنيا بمعناها الجميل مع الإنفاق منها في وجوه الخير.
يده مبسوطة لكل باحث مجتهد، وبابه مفتوح لكل طالب معرفة، وعطاؤه يصل إلى من عرف حاجته ومن أخفاها ؛ يسبق إلى الخير دون ضجيج، ويمد يده إلى القانع والمعتر، كأن مساعدة الناس عنده سلوك يومي لا يحتاج إلى مناسبة ، أما الكتاب، فله معه حكاية أخرى.
محب للكتب، شغوف بجمعها، نهم في قراءتها، متتبع لكل جديد يصدر في عالم المعرفة ؛ يقتني النسخ المتعددة من العنوان الواحد، وكأنه لا يطمئن إلى أن يترك كتابًا يحبه وحيدًا على رف بعيد.
ذات يوم دعاني إلى منزله بأكدال في الرباط، لأرى خزانته التي سمعت عنها قبل أن أراها.
دخلت، فإذا بالشقة قد تحولت إلى مكتبة تكاد تستولي على كل شيء. رفوف في كل مكان، وكتب تملأ الفضاء، حتى ليخيل إليك أن المطبخ وغرفة النوم وحدهما نجوا من زحف الكتب!
دعاني إلى ترتيبها وتصنيفها.
ولم تكن المهمة شاقة كما قد يتبادر إلى الذهن؛ فقد وجدنا أمامنا كتبا مرصوصة بعناية، تجمع بينها في الغالب وحدة الموضوع، وتشي بطريقة صاحبها في التعامل معها. كل شيء يوحي بأن وراء هذه الرفوف قارئا يعود إلى مراجعه، ويتصفحها، ويعيدها إلى مواضعها، ويحافظ عليها كما يحافظ المرء على أشياء ارتبط بها وجدانه.
كان شديد التنظيم؛ ينتهي من قراءة كتاب، فيعيده إلى مكانه سالمًا، كأن للكتاب عنده حرمة خاصة.
آلاف المراجع والمصادر، بالعربية والفرنسية والإنجليزية، تتوزع بين التاريخ والسياسة والعلوم الشرعية وغيرها من مجالات المعرفة. وفي الخزانة نوادر كثيرة، خصوصا الطبعات الأولى الصادرة في أوروبا، وهي كتب لا تقدر قيمتها بعدد صفحاتها ولا بثمنها في سوق الكتب، وإنما بما تختزنه من تاريخ وذاكرة.
احتاج تصنيف هذه الخزانة وترتيبها وإدخال بياناتها إلى الحاسوب بضعة أشهر ؛ كنا نلتقي خلال أيام العطل الأسبوعية، نمضي الساعات بين الرفوف، نقلب الكتب، نثبت عناوينها، ونمنح كل واحد منها مكانه.
وأحسب أن أجمل ما في تلك التجربة لم يكن عدد الكتب التي مرّت بين أيدينا، ولا النوادر التي اكتشفناها، وإنما ذلك اللقاء الإنساني مع رجل أدرك قيمة الكتاب، فجمعه وقرأه وصانه، وأدرك في الوقت نفسه قيمة الإنسان، فأنفق عليه وأعانه وفتح له أبواب الخير.
رحم الله سي بوبكر بلمعطي، الرجل المفضال، المتواضع، الكريم المعطاء، المحب للعلم وأهله.
غاب الرجل، وبقيت خزانته شاهدة على وجه آخر من سيرته .
اللهم اخلد ذكره في عليين، وأكرم نزله، واجعل ما أنفقه في العلم والناس نورا له يوم يلقاك .

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى