بوعلام دخيسي - كنت في جماعة العدل والإحسان

ردا على بعض من سألني عن موقفي وأنا أعلن دعمي لمرشحي تحالف اليسار، وعن قناعاتي السابقة التي تغير كثير منها، وقد آن أوان الكشف عنها، كما أرى، وبحب دائما، وليس تملقا ولا طمعا في شيء.. والله يشهد.
......

نعم، كنت عضوًا في جماعة العدل والإحسان أزيد من عقدين من الزمن، وتحملت عدة مسؤوليات في مدينة العروي (إقليم الناظور) أواسط تسعينيات القرن الماضي، وفي وجدة في مطلع الألفية الثالثة، إلى أن اكتفيت بانتماء شكلي (إن صح التعبير) في مطلع العشرية الثانية من هذا القرن، ثم أعلنت، كما سبق، في إحدى منشوراتي، خروجي من الحركة في منتصف العشرية الثانية بالتحديد.

لا أنكر أن خروجي في بداية الأمر، وفتور انتمائي قبيل ذلك، إنما كان بدافع الكتابة والتفرغ للإبداع فقط، خصوصًا بعدما لاحظت أنني أمارس، دون غيري، الرقابة على ما أكتب وأنا مرتبط بذلكم التنظيم وما يتبناه من أفكار ومواقف. ولم أتلقَّ ــ للأمانة ــ يومًا ما اعتراضًا على نصٍّ كتبته أو رأيٍ اعتنقته يخص الأدب، من أحد أفراد الجماعة، ولا أمرني أحدٌ يوما أن أكتب في هذا الموضوع أو ذاك. ما أعيبه فقط، وأنا "الشاعر" بين صفوف هذا التنظيم حينها، هو غياب الاحتفاء بالمبدع كونه مبدعًا، والاكتفاء بالنظر إليه كحلقة من حلقات الدعوة والاستقطاب لا غير، إذْ كان أقصى ما يُطلب من حضوري داخل التنظيم بصفتي "شاعرًا" أن أؤثث، مع غيري من المبدعين من منشدين وربما مسرحيين، حفلاً دينيًا يُتوَّج عادة بكلمة في الختام تكون هي قطب الرحى وأهم فقرات الحفل!
وكان موقع الجماعة الإلكتروني ينشر ما أبعثه من نصوص مشكورا، ولكن في ذات الإطار لا غير.

وهذا السلوك والموقف من الإبداع - للأمانة ومع كل احترامي - عام في صفوف الحركات الإسلامية إلا في حالات نادرة جدا، ويكفي أن تنظر إلى كبرى الحركات الإسلامية في العالم لترى بعينك ندرة المبدعين، على الأقل مقارنة مع التيارات الأخرى..

كان هذا هو المنطلق، ثم اتسعت المسافة يومًا بعد يوم، وبَعُدت الشُّقَّة، فاستطعت أن أرى عن بُعد أكثر مما كنت أراه من قريب...

نعم، قلت وما زلت أقول وأرددها بلا خوف ولا تملق ولا نفاق، إنه لم يجمعني بهذه الجماعة إلا كل خير، وليس في نفسي بعد خروجي منها إلا كل الود والاحترام لأعضائها، وحتى لقيادتها. وأقول إنني ممتن، حتى في تجربتي الشعرية المتواضعة، لبعض ما تلقنته هناك وما لقيته من تشجيع، وإن كان ذلك مؤطرًا بشكل محدود وضيق، لا يفسح للشاعر أن يحلق أكثر، وأن يخاطب الإنسان، كلَّ الإنسان...

لكني، وأنا البعيد، وبعد مراجعات شخصية، بدأت تنمو عندي أفكار وآراء ومشاعر أخرى...

أهم هذه الأفكار ما يهم خط الجماعة السياسي، وشيئا قليلا جدًا من الشق التربوي.

أما ما يخص خط هذه الجماعة السياسي، فلي تساؤل بسيط لكنه يلخص كل شيء:

ماذا تريد جماعة العدل والإحسان بالضبط؟

رفعت الجماعة شعار التربية منذ بداية تأسيسها، ونظَّرت لذلك كلُّ أدبياتها التي هي من بنات أفكار الشيخ عبد السلام ياسين رحمه الله، وشروحِ مؤلفاته من بعض أعضاء الجماعة. ولا نختلف طبعًا حول هذا العامل ودوره في بناء المجتمعات..
ورفضت الجماعة بالمقابل أن يكون التغيير بالعنف أو بالدخول السياسي الصريح ومحاولة الضغط من داخل مؤسسات الدولة لإصلاح ما يمكن إصلاحه...

لتكن الجماعة حرة في تصورها، ولترفض العنف، وهذا شيء جميل وحسن جدًا يُحسب لها، ويحسب لكل تيارات هذا البلد، ولسياسات الدولة عبر عقود وقرون... ويحسب لهذا الشعب المسالم الطيب الأمين...

ولتمتنع الجماعة عن الدخول السياسي، أو لنقل الانتخابي والقبول بالتدافع السياسي، والدخول إلى غرف الدولة على الأقل لإصلاحها، وليس الانقلاب عليها...

لكن لنأتِ إلى التربية. ومن مجالات التربية يتحدث مرشد الجماعة عن تربية الشعب..!! جميل جدًا، خصوصا إذا استبدلنا مصطلح التربية بنشر الوعي وتأطير الناشئة - خاصة - بالأخلاق والقيم الحميدة، لكني أتساءل، وأنا الشاهد على كثير من الانحرافات - الشخصية طبعًا - ومعظمها من أشخاص كان يُضرب بهم المثل.. (وهذا ليس تسريبًا ولا طعنًا في الظهر، وإنما أراه طبيعيًا وعاديًا في مسارات الجماعات والأفراد، وخاصة عندما يغيب النقد ويتقاعس التجديد ويخمل الاجتهاد)، أقول: أين وصل هذا المشروع وهذا الهدف بعد أربعة عقود من الزمن؟؟
لا أتحدث عن "تربية" الآخر، ولكن عن الحفاظ على الداخل كما كان، على الأقل، في تسعينيات القرن الماضي!!

ألا يستحق هذا الأمر من الجماعة وقياداتها ومؤسساتها أن تقف وقفات تأمل ومراجعات ونقد ذاتي عميق للبحث عن مكامن الخلل..؟!

ألا ترى الجماعة أنها، وإن لعبت أدوارًا لا بأس بها، خصوصًا في ترافعها عن قضايا كبرى كقضية فلسطين، أنها أهملت قضية الوطن وفوّتت على الشعب فرصة، بل فرصا كثيرة، للضغط من الداخل لمزيد من الإصلاح، بعدما أبانت المقاطعة عن فشلها، أو على الأقل عن عدم نجاحها بالشكل المطلوب..؟!

ألا ترى الجماعة، وهي التي تضم من العقول اللبيبة الكثير، أن موقفها الراديكالي من مَلَكِيّة الحكم في البلاد لن يفتح إلا الباب أمام ألف مجهول ومجهول، ويعرض الوطن الذي عاش اثني عشر قرنًا من تلاحم العروش والشعوب إلى حلبة واسعة من الفوضى، وفريسةٍ تطمع فيها ضباع ضارية ووحوش كثيرة وكواسر وحيتان ضخمة...؟!

ألا ترى الجماعة أن الصراع بين الشعوب وحكامها لم يعد يخدم إلا أجندات الصهيونية ومن يدور في فلكها، من أخطبوط يريدنا فِرَقًا وشيعًا ويزيدنا تمزقا وتمزعا، ليقسم "الطُّورطة" كما يشتهي ويريد؟؟!! ولنا في ما سمي "الربيع العربي" وفي ضحاياه من الدول والشعوب المثل الصريح...!!

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى