محمد عبدالعزيز أحمد (محمد ود عزوز) - فيما يخص الحرب...

فيما يخص الحرب

هكذا وجدتني انظر إلى مدينة جديدة
أعني أن الحرب كانت تبدو كمزحة في البداية، سوء تفاهم يقتلون بعضهم في أجسادنا و حين يتعبون، سيقيمون لنا مآتم وسيمة
والطرق والأشجار وبعض الصبية سيمضون قُدماً
لكن الأمر كان أكثر تعقيداً
عرفت ذلك بعد ثلاثة أشهر، في مدينة غير دافئة أبداً، لا أحد على الإطلاق سيمد لك الملاءة وكوب الماء فيها، الغربة كالانفولنزا تنتقل بسهولة بين الأجساد، والصمت المرتجف كسجان شرير يوذع نظراته على العيون

كان علي أن أنظر والرفاق من نافذة الطابق الثاني من داخلية جامعة الجزيرة إلى الرياح القادمة من ناحية الخرطوم، أن نتنبأ بالرماد وان نرى الأرواح التي تتصارع هناك، الأمر هو أن الطرفان كانا يتنافسان من سيقتلنا بطريقة أكثر إتقان
وفي زحمة كل ذلك عليك أن تستيقظ في منتصف الليل وان تنادي امك

كنت اقول امي، كتمرين ليلي للذاكرة، أكلت الحرب الأصدقاء، والحب الذي اكنه للحبيبة، صورة المكتبة البيتية ،و الكلمات الممضوقة بنهم أمام مكتبة سقراط، تسعكات العربي، والحقائب المحملة بالكتب والكأسات، لكنني ما كنت لاسمح لها بأن تاكل امي محاسن
وقد كنت خائفاً حينها، ذلك أنني شعرت بالعجز، بأن هذه المدينة التي كان يمكن أن احبها لم تحبني قط، اشجارها كانت تطل باعينها من بين فراغات الأوراق، تعريني كالغريب، تتحدث بلغة لا افهما، تخاطبني بغضب وكأنني حطاب، وكأنها الغابة المِعدة للمذبحة
ثم أنني
عرفت ايضاً حدود العائلة أنها اولئك الذين تشاركت معهم ثدي الأم، بلا مجاز مفرط، انهم فقط الأخوة
وبعدها الجميع يصبحون غرباء
في الوعكات البشرية، حين تفتح المأساة فمها الشره نحو حيوات طيئة، حين تتحول الحياة إلى معارك نجاة، هنا ربما حتى اللذين تشاركوا معك ثدي الأم يحدث أن يتكاسلوا قليلاً
ثم كان هناك أيضاً شعور بالهزيمة، و أن الحرب اشتعلت في الجيب واحرقته، وان السكر والبن والزيت والضحكات العائلية في المساء الملطخ برائحة البن أصبح رماداً
وان العائلة في قريتنا الأم، ربما لم يجدوا الخبز، ربما تناولوا الأمنيات واكتفوا بالصلاة إلى الله
وهزيمة أخرى لأن الحبيبة التي كان يمكنها أن تتجاوز برفقتنا كل تلك الألغام، قررت أن تسير في طريق آخر، وفي طبعي ذلك الشيء السيء
انا لا أجيد التشبث حقاً، اختار القوة التي ساقبض بها على يدك وفقاً للقوة التي تقبض بها على يدي
لهذا حين ارتخت يدها
افلتها أمسكت زجاجة خمر والكثير من السجائر
ثم جربت أن اجوب مدن أخرى
لكن جميع المدن التي مررت بها كان بها شيء مشترك، كانت باردة أشعر ببرودتها داخل العظام، جميع الفراشات كانت تؤرقني، وكأنني انام في حضن زوجة جار احترمه، أو فراش امرأة لا استلطفها، أن القلق الحقير كان حصتي من الحرب وفقدان شهية الكتابة والنوم، حتى بعد أن عدت، وجدتني انجرف نحو صداقات محددة، بحثاً عن شهية لم تعد في المتناول، شهية للكتابة والمزاح والسخرية، شهية لاكتشاف طريقي نحو لغة بدت وكأنها تهجرني، شهية أن أسقط في الحب، وأن انام في صدر أنثى يعنيني صدرها وانينها وقدرتها على الغناء، امي
أجل حتى امي حين عدنا
بدت وكان البرد الذي أشعلته الحرب في جسدي انتقل لها،
حين أعود في المساء حين أقبل شيب رأسها وحين اسألها
( سارحة في ياتو مسلسل)
تحكي لي كما في السابق، ولا شيء كالسابق
تحكي عن بطلها في المسلسل التركي، هي ببساطتها لا تعرف أن جميع الابطال ماتوا في الحرب
ماتوا بطرق كثيرة، بطرق وحشية، ماتوا بالجوع في أزقة مُهملة، ماتوا بخذلان أصدقاء وعائلات، ماتوا في حوادث عرضية، بجرعة كحول أو مخدر زائدة، ماتوا حزانى على أبطال آخرون سبقوهم إلى الموت، الحبيبات حين افلتوا أيديهم في خضم المعركة بينما أجسادهم تنزف من نواحي الأمهات والأصدقاء ماتوا حينها، وماتوا مثلي حين دخل عظامهم وفراشاتهم البرد
ولم يغادر قط
كأن البرد حين جاء إلينا لم يأتي بشكل متعمد، جاء مثلنا هارب من الحرب
فلا أحد حقاً يعرف
عدد الأشياء التي افزعتها الطلقات

#عزوز

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى