تجلسُ امرأتان فوق مصطبة حجرية في إحدى محطات المحافظات الجنوبية، يلوذ البرد الشتائي القارس بأطراف عباءتيهما السوداوين، وينسج الليل سديمه الثقيل فوق رصيف ينتظر قطاراً قادماً من البصرة، محشواً بأجساد الجنود الناجين بعد أن انطفأت ملحمة الكويت الفاشلة وتركت البلاد نهباً للرماد، وكانت إحداهما فتاة يافعة، بيضاء الوجه يتلألأ الجمال المذعور في ملامحها كقنديل يوشك أن ينطفئ، تتلفع بالصمت وغائرة العينين نحو الأفق المظلم الممتد جهة اليسار، حيث تمتد السكة كأفعى حديدية ميتة، في حين تتخذ المرأة كبيرة السن حافة المصطبة، راصدة بمرارة ملامح هذا النحول والانتظار، حيث علمتْ من الهمسات المقتضبة التي تشبه حشرجة الفقد أن الفتاة تنتظر زوجها، بينما تقتفي المرأة الكبيرة أثر ولدها الغائب، ولم يكن في عتمة المحطة من يشاركهما رصيف الفجيعة سوى ظلال لرجال فضوليين، وأفراد من الشرطة السرية للمحطة، يحومون كذئاب جائعة، ويهمسون في آذانهما بأن الحرب وضعت أوزارها منذ عام كامل، وأن الأحياء من الجنود سلكوا الدروب البرية نحو بغداد والمحافظات الشمالية، غير أنهما كانتا تخرسان بقسوة كل صوت يحاول إيقاظهما من هذه الغيبوبة، وترفضان بعناد أي مقترح يدعوهما للعودة إلى بيوتهما الموحشة.
يتصلُ حبل بقائهما ببستان يقع بجوار المحطة، حيث يربض بيت منزوٍ ومظلم، يسكنه شاب انطفأ بصره بشظية في أولى أيام الحرب، ولا يملك من حطام الدنيا سوى أمه المريضة الملقاة على فراش الموت، وكانت المرأة كبيرة السن هي المبادرة بالحديث معه في أول أيام تعارفهم، وأخبرته بفجيعتهما الثنائية وأنهما جاءتا تنتظران بقايا روحيهما، فلم تكترثا بنصيحته المريرة حين قال بأسى أعمى يعرف الحقيقة إن الحرب انتهت ولم يعد ثمة جنود على الجبهة، وكادت المرأة الكبيرة تستسلم لنبوءته الباردة، لولا أن الفتاة البيضاء رفضت الاستسلام للأمر الواقع، وفضلت العذاب الطويل على اليقين الجاف، ومع مرور الأيام والشهور، صار من المعتاد أن تقصد الفتاة بيت الضرير بذريعة جلب الماء أو الطعام، بينما تكتفي المرأة الكبيرة بالبقاء فوق الخشب البارد، مستسلمة لما تجود به يدها من كفاف العيش، حتى اتفقتا بعد زمن على أن يكون ذلك البيت المتواري ملاذاً من الصقيع، فتنطلق الفتاة صوب النوم والدفء في بيت الضرير طوال الليل، بينما تقضي المرأة الكبيرة عتمتها وحيدة حارسةً لبرزخ السكة الغائبة، لتبلغها إذا ما هدر حديد القطار، وفي الصباح تعود إليها محملة بالقيمر والشاي والخبز الحار، بوجه متورد تفوح منه حيوية غريبة لا تشبه ذبول السنين.
مضتْ سنة كاملة على هذه الحال، كانت المرأة كبيرة السن تنام في رابعة النهار على ذات البسط المتواضع الذي تخلّيه الفتاة، وتجعل من ضوء الشمس فرصة لتسلل خطواتها الواهنة نحو ذلك البيت المنزوي لتساعد والدة الضرير المريضة في تلبية حاجياتها، فكانت تجلس بجانب فراشها المتهالك تخفف عنها وطأة العلة الحاضرة، وفي تلك الأوقات كانت تبثها مواساتها المحملة بمرارة الغياب، ملمحةً إلى أن وجود ابنها بجانبها وحول أنفاسها هبة تجعلها أكثر سعادة من أمٍ تركت كبدها في مهب ريح الجبهات المجهولة، غير أن الوالدة الملقاة على حافة الموت كانت تقابل ذلك بإنكار صامت وهزات رأس يملأها الأسى الثقيل، معلنةً عبر نحيبها المكتوم امتناع السعادة عن قلبها؛ إذ كانت ترى في عمى ولدها الذي تسببت به الحرب قطيعةً نهائية مع الحياة، ونفقاً من العتمة جعل وجوده في الدار شبيهاً بغيابه، وربما أكثر قسوة.
عادتِ المرأة الكبيرة إلى ركنها متعبة، وعندما هجعت نهاراً وألقت بجسدها الواهن على الفراش الذي تخلّيه الفتاة، استنشقت العتمة بعمق تحت تأثير تلك المعاني، فلم تجد فوق الوسادة طيوباً لامرأة تنام وحيدة وتقتات على أمل غائب، بل كانت هناك رائحة واحدة، رائحة دافئة غامضة وموحدة، تشبه الالتصاق والحلول، تعبق في طيات الفراش وتؤكد سر السكون الحاصل هناك في الليل، فتنبهت إلى ما آل إليه الانتظار، وكتمت ما التقطه أنفها في صدرها، ونامت.
يتصلُ حبل بقائهما ببستان يقع بجوار المحطة، حيث يربض بيت منزوٍ ومظلم، يسكنه شاب انطفأ بصره بشظية في أولى أيام الحرب، ولا يملك من حطام الدنيا سوى أمه المريضة الملقاة على فراش الموت، وكانت المرأة كبيرة السن هي المبادرة بالحديث معه في أول أيام تعارفهم، وأخبرته بفجيعتهما الثنائية وأنهما جاءتا تنتظران بقايا روحيهما، فلم تكترثا بنصيحته المريرة حين قال بأسى أعمى يعرف الحقيقة إن الحرب انتهت ولم يعد ثمة جنود على الجبهة، وكادت المرأة الكبيرة تستسلم لنبوءته الباردة، لولا أن الفتاة البيضاء رفضت الاستسلام للأمر الواقع، وفضلت العذاب الطويل على اليقين الجاف، ومع مرور الأيام والشهور، صار من المعتاد أن تقصد الفتاة بيت الضرير بذريعة جلب الماء أو الطعام، بينما تكتفي المرأة الكبيرة بالبقاء فوق الخشب البارد، مستسلمة لما تجود به يدها من كفاف العيش، حتى اتفقتا بعد زمن على أن يكون ذلك البيت المتواري ملاذاً من الصقيع، فتنطلق الفتاة صوب النوم والدفء في بيت الضرير طوال الليل، بينما تقضي المرأة الكبيرة عتمتها وحيدة حارسةً لبرزخ السكة الغائبة، لتبلغها إذا ما هدر حديد القطار، وفي الصباح تعود إليها محملة بالقيمر والشاي والخبز الحار، بوجه متورد تفوح منه حيوية غريبة لا تشبه ذبول السنين.
مضتْ سنة كاملة على هذه الحال، كانت المرأة كبيرة السن تنام في رابعة النهار على ذات البسط المتواضع الذي تخلّيه الفتاة، وتجعل من ضوء الشمس فرصة لتسلل خطواتها الواهنة نحو ذلك البيت المنزوي لتساعد والدة الضرير المريضة في تلبية حاجياتها، فكانت تجلس بجانب فراشها المتهالك تخفف عنها وطأة العلة الحاضرة، وفي تلك الأوقات كانت تبثها مواساتها المحملة بمرارة الغياب، ملمحةً إلى أن وجود ابنها بجانبها وحول أنفاسها هبة تجعلها أكثر سعادة من أمٍ تركت كبدها في مهب ريح الجبهات المجهولة، غير أن الوالدة الملقاة على حافة الموت كانت تقابل ذلك بإنكار صامت وهزات رأس يملأها الأسى الثقيل، معلنةً عبر نحيبها المكتوم امتناع السعادة عن قلبها؛ إذ كانت ترى في عمى ولدها الذي تسببت به الحرب قطيعةً نهائية مع الحياة، ونفقاً من العتمة جعل وجوده في الدار شبيهاً بغيابه، وربما أكثر قسوة.
عادتِ المرأة الكبيرة إلى ركنها متعبة، وعندما هجعت نهاراً وألقت بجسدها الواهن على الفراش الذي تخلّيه الفتاة، استنشقت العتمة بعمق تحت تأثير تلك المعاني، فلم تجد فوق الوسادة طيوباً لامرأة تنام وحيدة وتقتات على أمل غائب، بل كانت هناك رائحة واحدة، رائحة دافئة غامضة وموحدة، تشبه الالتصاق والحلول، تعبق في طيات الفراش وتؤكد سر السكون الحاصل هناك في الليل، فتنبهت إلى ما آل إليه الانتظار، وكتمت ما التقطه أنفها في صدرها، ونامت.