محمد مزيد - غرباء في فراش واحد...

حين اهتزّ سكون الليل بطرقات الباب، لم يكن الصوت مجرد قرع عابر، ورغم أن العتمة كانت قد طمست معالم الكون بالخارج، إلا أن الرجل أدرك بحدسه القلق أن الظلام لا يملك القدرة على تبديل هوية الأشياء، ولا تحويل صدى المعدن إلى خشخشة خشبية ميتة.
فتحت المرأة الشابة الباب والتردد ينهشها، فخطا القادم نحو باحة الحوش بجسد بارد ودون أن يطوقها بذراعيه؛ لقد كسر العهد القديم، والطقس المقدس الذي طالما عاشت تترقبه في كل إجازة يأتي فيها من أتون الجبهة. وقفت في مكانها تحبس أنفاسها، وشعرت بمسامات جلدها تتفتح في حالة تأهب قصوى، وكأن جسدها يتحسس شيئاً لم يستوعبه عقلها بعد. كانت هناك رغبة متأججة بداخلها لتفجير ينابيع فرحتها المكبوتة، أرادت أن ترتمي في أحضانه، أن تستنشق رائحة رجولته وعرقه، وأن ترتشف الحياة من شفتيه.. لكن شيئًا ما في هيئته كان يصدّها ويجمد الدماء في عروقها.
على ضوء شحيح يبتلعه الظلام الدامس في باحة البيت، راح يتحرك بآلية مريبة وبخطوات متمهلة لدرجة الخوف، يتأرجح يمنة ويسرة وكأنه يسير على حافة هاوية. لم يصطدم بـ "البرحية" الرابضة وسط الحوش؛ إذ كانت يداه الممدودتان تلوحان في الفراغ كأنهما مجدافان يبحثان عن شاطئ أمان، حتى استدل بهما على الأريكة. في تلك اللحظة، هبطت عليها الحقيقة كالصاعقة: لقد انطفأ نور عينيه. انقبض قلبها بفجيعة كادت أن تطلق صرختها لتمزق سكون الليل، لكنها كبحتها إجلالاً لصمته العتيد. فقد كان دومًا رجلًا يكره الكلام، حتى إنه ألتحق إلى الحرب الأخيرة قبل ستة أشهر من دون أن يقول لها كلمة ودا واحدة.
بصعوبة شديدة، وتحت وطأة النور الهزيل، لمحت الشاش الأبيض الذي يلتف حول نصف وجهه ليخفي عينيه المطفأتين. وقفت أمامه مباشرة، في ذات البقعة التي كان يعشق وقوفها فيها كي يطوق خصرها ويسحبها نحو صدره ليتنفسها. كان قلبها يخفق بعنف مرعب، يكاد يقتلع من بين أضلعها شوقًا إليه، متمنية أن يضمها بقوة، ولو ببزته العسكرية المتربة بطين الخنادق وبقايا الموت. أثار نحوله وصمته المطبق خوفها؛ أرادت أن تصرخ فيه بأنها واقفة هنا، تنتظر غيث يديه، لكنها لجمت لسانها شفقة عليه في مصابه الأليم. غصّت بحكايا الأشهر الماضية؛ كيف كانت ترابط عند عتبة الباب مع كل غروب شمس بانتظاره، وكيف أنها لو علمت بقدومه لعطرت جسدها بالطيوب وبخرت غرفتهما برائحة الحب التي يشتهيها. قربت من شفتيه اليابستين قدحًا من الماء، فارتشف رشفة واحدة جافة كروحه. ثم أمسكت بمعصمه برفق، فقادته بكثير من الحذر والخوف الخفي إلى غرفة النوم. هناك، جردته من ملابسه العسكري الثقيلة فاستلقى على الفراش كجثة هامدة، ثم خلعت ثوبها وتمددت إلى جواره في عتمة الغرفة المطبقة. تملكها حياء غريب يمتزج بالرهبة، فصمتت ولم تنطق بوجودها. قربت أنفها من أنفاسه لتستنشق روحه، لتبحث عن ذلك الأمان القديم، لكنها لم تجد سوى جدار من الجفاء وعدم المبالاة. تملكتها الخيبة، وظنت أن جراحه البالغة وروحه المنكسرة من فظائع الحرب هي ما سلبه القدرة على ممارسة الحياة والالتفات إليها.
تركته يغرق في نومه الثقيل، وظلت مستيقظة طوال الليل، جاثية بجانبه، ترقب صعود وهبوط أنفاسه بعينين أرقّهما الخوف والترقب، منتظرة معجزة أن يفرّج بها الصباح كربتها. ومع أول خيط أبيض من نور الفجر تسلل عبر النافذة، انقشع الظلام.. لتتجمد الأنفاس في صدرها، وتتصلب أطرافها برعب لا يوصف؛ لم تكن الملامح ملامحه، ولم يكن هذا الرجل زوجها.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى