محمد عباس محمد عرابي - من رواد التربية في العالم العربي د. محمود رشدي خاطر جهوده في طرق تدريس وتطوير مناهج اللغة العربية

عرض د/محمد عباس محمد عرابي


الدكتور محمود رشدي خاطر من أبرز رواد التربية في العالم العربي
في مجال طرق تدريس وتطوير مناهج اللغة العربية
وتكمن أهمية دراسة شخصيته (رحمه الله ) من تعداد و طبيعة المشروع التربوي الذي تعكسه هذه المؤلفات، وعن التصورات التعليمية التي أسهمت في تشكيلها، ومدى اتصالها بتطور إعداد معلم اللغة العربية في مصر. كما أن تناول أساتذته وتكوينه العلمي وتلاميذه يقتضي الجمع بين التوثيق التاريخي والتحليل التربوي؛ لأن قيمة الشخصية العلمية لا تتحدد بمكانتها العامة وحدها، وإنما تتضح كذلك من خلال شبكة التكوين العلمي، والإنتاج الفكري، والتأثير في الباحثين والممارسات التعليمية.
وتبرز أهمية تجربته في اقتران التأليف في طرق تدريس اللغة العربية بالتكوين المهني للمعلم، والاهتمام بقضايا تدريس فروع اللغة، والبحث في طرائق تعليم القواعد النحوية واختيار موضوعاتها، فضلًا عن الإسهام في إعداد الباحثين من خلال الإشراف العلمي على الدراسات العليا.
*مشروع خاطر التربوي :
يمكن قراءة مشروع خاطر في ضوء ثلاثة أبعاد متكاملة:
1. البعد المعرفي: ويتصل بتحديد طبيعة اللغة العربية وفروعها، وما يتطلبه كل فرع من طرائق خاصة في التعليم.
2. البعد التربوي: ويتصل بمراعاة خصائص المتعلم، وأهداف الدرس، وتنظيم الخبرات التعليمية، واختيار الأساليب المناسبة لتحقيق التعلم.
3. البعد المهني: ويتصل بإعداد المعلم القادر على التخطيط والتنفيذ والتقويم، لا المعلم الذي يكتفي بنقل المعلومات أو شرح محتوى الكتاب المدرسي.
* مؤلفاته وإسهامها في بناء المعرفة بطرائق تدريس العربية
1. كتاب «طرق تدريس اللغة العربية والتربية الدينية في ضوء الاتجاهات التربوية الحديثة»
يمثل هذا الكتاب أبرز الأعمال المرتبطة باسم محمود رشدي خاطر في المادة المتاحة، وتنبع أهميته من عنوانه الذي يجمع بين تعليم اللغة العربية، والتربية الدينية، والاتجاهات التربوية الحديثة. وهذا الجمع ليس مجرد تنسيق بين مادتين دراسيتين؛ بل يفتح المجال لقراءة الكتاب في سياق أوسع، هو سياق تطوير إعداد المعلم وربط طرائق التدريس بأهداف التربية ومبادئ التعلم.
وقد شارك في تأليفه عددا من المتخصصين في بعض طبعات الكتاب، ومن الأسماء الواردة فيها محمود رشدي خاطر ويوسف الحمادي ومحمد عزت عبد الموجود ورشدي أحمد طعيمة وحسن شحاتة.
2. «مذكرات في طرق تدريس اللغة العربية»
تُعد هذه المذكرات، وفق المعلومات الببليوغرافية المتاحة، من الأعمال المبكرة المنسوبة إلى خاطر، وترتبط بكلية التربية بجامعة عين شمس، مع ورود إحالات إلى تاريخ 1956.
وتتجاوز أهمية هذا العمل مجرد كونه مادة تعليمية؛ فإدراج طرق تدريس العربية في مقرر جامعي مستقل يعني الاعتراف بأن امتلاك المعرفة باللغة لا يضمن وحده القدرة على تعليمها. فالمعلم يحتاج إلى معرفة أخرى تتعلق بكيفية تحويل تلك المعرفة إلى خبرات تناسب المتعلم، وتؤدي إلى نمو قدرته على الفهم والاستعمال والتواصل.
وهذا التمييز بين معرفة المادة ومعرفة تعليمها من الأسس التي يقوم عليها الإعداد المهني للمعلم في التربية الحديثة.
*القيمة التربوية لمؤلفاته
يمكن استخلاص ثلاثة أبعاد عامة من طبيعة الأعمال المرتبطة بخاطر، مع ضرورة استكمالها بتحليل نصوص المؤلفات نفسها:
- تأسيس المعرفة المهنية: جعل طرائق تدريس العربية موضوعًا للدراسة المنهجية في برامج إعداد المعلمين.
- الربط بين المعرفة اللغوية والمعرفة التربوية: توجيه الاهتمام إلى كيفية تعليم اللغة، لا إلى محتواها وحده.
- إمكان تحويل الخبرة إلى مادة قابلة للتداول العلمي: من خلال المؤلفات والمذكرات والمقررات والإشراف على البحث الجامعي.
ولا تتحقق القيمة التاريخية لهذه المؤلفات بمجرد إثبات عناوينها، بل بدراسة طبعاتها ومحتوياتها ومصطلحاتها ومقارنتها بما سبقها وما جاء بعدها؛ فهذه المقارنة هي التي تكشف مقدار الإضافة التي قدمها صاحبها إلى التخصص.
* جهوده في تأصيل طرق تدريس اللغة العربية
تتمثل إحدى القضايا الرئيسة في دراسة إسهام محمود رشدي خاطر في النظر إلى طرق تدريس اللغة العربية بوصفها مجالًا يتطلب بناءً علميًّا، لا مجرد امتلاك المعلم مجموعة من الحيل والأساليب الصفية المتوارثة.
فالتدريس عملية مركبة تتفاعل فيها عناصر متعددة: المعلم، والمتعلم، والمحتوى، والأهداف، والأنشطة، والوسائل، والتقويم. وأي خلل في العلاقة بين هذه العناصر قد يؤدي إلى ضعف التعلم، حتى لو كان المعلم متمكنًا من مادته العلمية.
ومن هذا المنطلق، يمكن تحليل أهمية الاتجاه الذي ارتبط بمشروع خاطر من خلال أربعة مرتكزات.
1. الانتقال من الطريقة الموحدة إلى الطريقة الملائمة
لا تتساوى فروع اللغة العربية في طبيعتها، ولا تتطلب أهدافها إجراءات تعليمية متطابقة. فتعليم النحو يستهدف بناء القدرة على إدراك العلاقات التركيبية وتوظيفها، بينما يستهدف تعليم القراءة تنمية الفهم والاستنتاج والتذوق، ويستهدف التعبير تمكين المتعلم من بناء خطاب واضح ومترابط يناسب المقام.
وعليه، فإن اختيار طريقة التدريس ينبغي أن يكون قرارًا تربويًّا مبررًا، يستند إلى طبيعة المحتوى والمهارة المراد تنميتها، لا إلى تفضيل شخصي للمعلم أو اعتياده إجراءً معينًا.
2. مراعاة خصائص المتعلمين
لا يتحقق التعلم بمجرد عرض المعرفة؛ إذ يتوقف على استعداد المتعلم، ومعارفه السابقة، ومستواه اللغوي، ودافعيته، والفرص التي تتاح له للممارسة والتطبيق.
ومن ثم فإن تخطيط درس اللغة العربية يتطلب تحديد ما يعرفه الطلاب بالفعل، وتشخيص ما يواجهونه من صعوبات، ثم بناء أنشطة تساعدهم على الانتقال التدريجي من المعرفة السابقة إلى الأداء المستهدف.
3. الجمع بين الفهم والممارسة
من المشكلات التاريخية في تعليم العربية أن يتحول الدرس إلى شرح للمصطلحات والقواعد، من غير أن تتاح للمتعلم فرص كافية لاستخدام ما تعلمه في القراءة والكتابة والتحدث.
والتعليم الفعال لا يكتفي بأن يعرف الطالب تعريف الفاعل أو المفعول به، بل يتطلب أن يتعرف العلاقات النحوية في النص، وأن يفسر أثرها في المعنى، وأن يوظفها في إنتاج تراكيب صحيحة.
4. ربط التدريس بالتقويم
لا يكتمل التدريس من دون التحقق من أثره. فالتقويم ليس إجراءً يأتي في نهاية الفصل الدراسي فحسب، بل هو وسيلة مستمرة للكشف عن مواطن القوة والضعف، وتعديل الأنشطة، وإعادة بناء الشرح عند الحاجة.
وتلك المبادئ تمثل إطارًا مناسبًا لتحليل إسهام خاطر في تاريخ التخصص، غير أن نسبتها إليه بوصفها إجراءات محددة لا تثبت إلا بمراجعة نصوص مؤلفاته ومذكراته.
* جهوده في تدريس فروع اللغة العربية
تنبع أهمية التخصص في طرق تدريس اللغة العربية من تعدد الفروع التي يشملها، واختلاف الأهداف التي يسعى كل منها إلى تحقيقها. ولا يكفي أن يكون المعلم متمكنًا من قواعد اللغة أو تاريخ أدبها؛ بل ينبغي أن يمتلك معرفة بكيفية تعليم كل فرع، والصعوبات التي تواجه المتعلمين فيه، والأساليب التي تساعدهم على اكتساب مهاراته.
* تلاميذه وإشرافه على الدراسات العليا
يمثل الإشراف على الرسائل الجامعية أحد أهم مسارات التأثير العلمي للأستاذ الجامعي؛ لأنه ينقل أثره من الكتاب والمحاضرة إلى تكوين الباحثين، وتحديد المشكلات البحثية، وتدريب الطلاب على بناء الأسئلة، واختيار المناهج، وتحليل النتائج، ومناقشة الأدبيات السابقة.
له اتجاه بحثي يجمع بين محورين:
- محور إجرائي: يتعلق بمقارنة طرائق تدريس القواعد، وتحديد مزاياها وحدودها في ضوء الأهداف التعليمية.
- محور منهجي: يتعلق بمعايير اختيار المحتوى النحوي وتنظيمه داخل المنهج.
وهذا الجمع مهم؛ لأن إصلاح تعليم النحو لا يتحقق بتغيير طريقة الشرح وحدها، بل يحتاج أيضًا إلى مراجعة المحتوى الذي يُدرَّس، وملاءمته لاحتياجات المتعلم، والعلاقة بينه وبين بقية مهارات اللغة.
كيف يمكن تحديد تلاميذه علميًّا؟
ينبغي التمييز هنا بين ثلاثة مفاهيم كثيرًا ما تختلط في الكتابات التربوية:
1. الطلاب الذين درسوا عليه: وهم الذين تلقوا مقرراته أو حضروا محاضراته.
2. الباحثون الذين أشرف على رسائلهم: وهم الذين ارتبطوا به إشرافًا علميًّا مباشرًا، ويمكن توثيقهم من صفحات العنوان وسجلات الدراسات العليا.
3. الباحثون المتأثرون بأعماله: وهم الذين استشهدوا بمؤلفاته أو طوروا بعض القضايا التي تناولها، ولا يعني ذلك بالضرورة أنهم كانوا تلاميذه المباشرين.
ويُعد الباحث الذي يكتب سيرة علمية مسؤولًا عن عدم الخلط بين هذه الفئات؛ فالتلمذة العلمية المباشرة علاقة تاريخية محددة، ولا تثبت بمجرد الاستشهاد بكتاب أو الانتماء إلى التخصص نفسه.
ولذلك لا يصح تقديم قائمة نهائية بأسماء تلاميذ خاطر اعتمادًا على المعلومات الحالية وحدها. والأدق استخراج أسماء الباحثين من سجلات رسائل جامعة عين شمس، ثم مراجعة صفحات العنوان للتأكد من صفاتهم وتواريخ تسجيل رسائلهم ومناقشتها.
* جهوده التربوية وأثرها في تطور التخصص
يمكن فهم جهود محمود رشدي خاطر في سياق التحول الذي شهده تعليم اللغة العربية من ممارسة مدرسية تعتمد بدرجات متفاوتة على الخبرة الشخصية، إلى تخصص تربوي يسعى إلى بناء معرفة منظمة بالتعليم والتعلم.
وتظهر الأهمية المحتملة لهذه الجهود في أربعة مسارات مترابطة.
1. ترسيخ طرائق تدريس العربية في الإعداد الجامعي
يساعد وجود مؤلفات ومذكرات متخصصة في طرق تدريس العربية على بناء لغة مهنية مشتركة بين المعلمين والباحثين، وعلى تحويل قضايا التعليم من أحكام عامة إلى موضوعات قابلة للدرس والمقارنة والتقويم.
2. توجيه الاهتمام إلى مشكلات التعليم الفعلية
إن دراسة طرق تدريس القواعد واختيار موضوعاتها تعكس أهمية الانطلاق من مشكلات التعليم الواقعية، بدل الاكتفاء بالمعالجة النظرية المجردة. فالبحث التربوي الجيد لا يسأل فقط عن صحة المعلومة، بل عن مدى ملاءمتها للمتعلمين، وشروط اكتسابها، والوسائل التي تساعد على توظيفها.
3. دعم العلاقة بين التأليف والتكوين المهني
تتجلى قيمة الكتاب التربوي عندما يتحول إلى مرجع يسهم في إعداد المعلم، ويعينه على فهم طبيعة المهنة، ويمنحه أدوات للتخطيط والتنفيذ والتقويم. ومن هذه الزاوية، يمكن دراسة مؤلفات خاطر باعتبارها جزءًا من المعرفة التي دعمت تعليم طرق التدريس داخل مؤسسات إعداد المعلمين.
4. الإسهام في تكوين الباحثين
إن الإشراف على الرسائل العلمية، متى ثبتت تفاصيله، يمثل امتدادًا للمشروع العلمي للأستاذ؛ إذ يتيح نقل الخبرة البحثية، وتدريب الباحثين على معالجة القضايا التعليمية، وفتح موضوعات جديدة للدراسة.
ومع ذلك، فإن قياس الأثر التاريخي لأي باحث لا ينبغي أن يعتمد على الانطباع وحده؛ بل يتطلب فحص مدى تداول مؤلفاته، والاستشهاد بها في البحوث اللاحقة، واستمرار موضوعاته في الدراسات الجامعية، ومقارنة أفكاره بما كان سائدًا في عصره.
وجاء بعده علماء رواد أيضا :هم :
- فتحي علي يونس: في قضايا مناهج اللغة العربية وتطوير تعليمها.
- محمود كامل الناقة: في بناء برامج تعليم العربية ومناهجها، ولا سيما تعليم العربية للناطقين بغيرها.
- رشدي أحمد طعيمة: في تعليم اللغة العربية، ومناهجها، ومهاراتها، وتقويمها.
- حسن شحاتة: في طرائق تعليم اللغة العربية وتطوير ممارساتها التربوية.
* الدروس المستفادة من تجربته في تطوير تعليم العربية اليوم
تتيح دراسة الرواد التربويين فرصة لإعادة التفكير في مشكلات التعليم الراهنة. وإذا كان الإسهام المرتبط بخاطر يتمثل في الاهتمام بتدريس العربية بوصفه مجالًا علميًّا، فإن هذا المبدأ يظل صالحًا للتطوير في ضوء حاجات التعليم المعاصر.
ويمكن استثمار هذا المبدأ في عدد من الاتجاهات العملية:
1. بناء مناهج متوازنة: تجمع بين المعرفة اللغوية والمهارات التطبيقية، وتمنح القراءة والتعبير والتواصل مكانة مركزية.
2. تطوير تدريس النحو: من حفظ المصطلحات إلى تحليل التراكيب وفهم المعنى وتوظيف القواعد في الكتابة.
3. إعداد المعلم إعدادًا متكاملًا: يوازن بين التخصص اللغوي والكفايات التربوية والتدريب العملي.
4. تفعيل التقويم التكويني: من خلال متابعة أداء الطلاب أثناء التعلم، وتشخيص الأخطاء، وتقديم تغذية راجعة محددة.
5. الإفادة من التقنيات الرقمية: بتوظيفها في القراءة التفاعلية، والتدريب اللغوي، وتحليل الأخطاء، وإتاحة التغذية الراجعة، دون تحويل التقنية إلى غاية مستقلة عن أهداف التعلم.
6. دعم البحث الإجرائي: بتدريب المعلمين على دراسة مشكلاتهم الصفية، وتجريب الحلول، وتحليل النتائج، وتبادل الخبرات المبنية على الأدلة.
وهذه التطبيقات تمثل امتدادًا معاصرًا لمبدأ تأصيل التدريس علميًّا، ولا تعني أن جميعها وردت في مؤلفات خاطر أو أنه دعا إليها بصيغتها الحالية.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى