لم أكن أعلم أن بعض الكتب لا تكتفي بأن تستقر في الرفوف، وأن بعض اللقاءات لا تنتهي حين يغادر أصحابها المكتبة، فيظل الإنسان حاضرا في ذاكرة شخص آخر، دون أن يدري، طوال عقود من الزمن.
دخل الرجل المسن مكتبتنا بخطوات أثقلها العمر، وقد اشتعل رأسه شيبا وانحنى ظهره ؛ اقتنى بعض النسخ من كتابي "البردة "و" الهمزية"، ثم ظل يحدق في وجهي طويلا، كأنه يقلب ملامحي بحثا عن صورة قديمة خبأتها السنوات في مكان ما من ذاكرته.
قطع صمته بسؤال باغتني : هل تتذكرني؟
أمعنت النظر فيه ؛ فتشت في وجوه الماضي، واستدعيت ما استطعت من أسماء وملامح، لكن الذاكرة لم تسعفني بشيء. كنت أبحث عن رجل أعرفه، فيما كان الرجل يبحث عن لحظة لم تغادره قط.
ابتسم، ثم قال: كلما وقعت عيناي على كتاب " نيل الأوطار " للإمام الشوكاني، تذكرتك . أتذكر تسعينيات القرن الماضي، حين سألتك عنه؟ كنت في حاجة ماسة إليه، فطلبته لي، وبعد مدة وصلني. لا أستطيع أن أصف لك مقدار فرحتي يومئذ ،ومنذ ذلك الحين، كلما فتحت الكتاب أو تصفحته، حضرت صورتك في ذهني. لقد بقيت عالقة في ذاكرتي، كأن ذلك اللقاء حدث بالأمس.
كان يتحدث عن كتاب، لكنه في الحقيقة كان يحدثني عن شيء آخر؛ عن لحظة صغيرة في حياتي المهنية، عبرت من جانبي دون أن ألتفت إليها، ثم مضت لتقيم في ذاكرة رجل آخر كل هذه السنين. يا للمفارقة!
أنا الذي نسيت الواقعة، لكنه احتفظ بها هو بكل تفاصيلها. ظننت أنني أديت خدمة عادية لقارئ يبحث عن كتاب، بينما كان هو يرى في تلك الخدمة حكاية تستحق أن تُروى بعد ثلاثين عاما أو تزيد.
في تلك اللحظة، شعرت أن المكتبة ليست مجرد مكان نبيع فيه الكتب، وأن علاقتنا بالقراء أوسع بكثير مما تسجله الذاكرة اليومية. قد ننسى الوجوه التي مرت أمامنا، والكتب التي طلبها أصحابها، والمحادثات التي دارت بين الرفوف، لكن بعض تلك التفاصيل يواصل حياته في مكان آخر، بعيدا عنا، دون أن نعلم.
كم من قارئ غادر المكتبة ذات يوم، وهو يحمل كتابا انتظره طويلا، أو معلومة أرشدناه إليها، أو كلمة طيبة قلناها على عجل، ثم احتفظ من ذلك كله بصورة لنا لم نكن نعرف أنها تستحق الاحتفاظ!
وكم من إنسان ربما ذكرني في مجلس، أو حكى عني لأبنائه، أو استعاد اسمي كلما تصفح كتابا ساعدته يوما في العثور عليه، وأنا لا أعرف عنه شيئا، ولا أستطيع حتى أن أستحضر ملامحه!
لقد أمضيت سنوات طويلة بين الكتب والقراء، وكنت أظن أنني أجمع الحكايات لأكتبها في يومياتي، فإذا برجل مسن يكشف لي أن بعض الحكايات لا نكتبها نحن، وإنما يكتبها الآخرون في ذاكرتهم، ويتركونها هناك حتى يحين موعد الكشف عنها.
غادر الرجل المكتبة، وبقيت أنا أستعيد حديثه ؛ وفكرت أن أجمل ما يمكن أن يتركه بائع الكتب وراءه ليس عدد النسخ التي باعها، ولا حصيلة المبيعات التي يراجعها في نهاية الشهر، وإنما تلك الآثار الخفية التي لا تظهر في دفاتر الحسابات، ولا يمكن جردها في أيام الإحصاء، ولا يعرف قيمتها إلا حين يعود قارئ بعد عقود ليقول لك: ما زلت أتذكرك. عندها فقط، تدرك أن بعض الكتب لا تنقل المعرفة وحدها؛ إنها تحفظ الوجوه أيضا، وأنك قد تبيع كتابا في دقائق، ثم تظل حاضرا في حياة قارئ طوال عمره ؛ يا لها من مهنة غريبة! نبيع الكتب للناس، ثم نكتشف، بعد سنوات، أن بعضهم احتفظ بنا بين صفحاتها.
دخل الرجل المسن مكتبتنا بخطوات أثقلها العمر، وقد اشتعل رأسه شيبا وانحنى ظهره ؛ اقتنى بعض النسخ من كتابي "البردة "و" الهمزية"، ثم ظل يحدق في وجهي طويلا، كأنه يقلب ملامحي بحثا عن صورة قديمة خبأتها السنوات في مكان ما من ذاكرته.
قطع صمته بسؤال باغتني : هل تتذكرني؟
أمعنت النظر فيه ؛ فتشت في وجوه الماضي، واستدعيت ما استطعت من أسماء وملامح، لكن الذاكرة لم تسعفني بشيء. كنت أبحث عن رجل أعرفه، فيما كان الرجل يبحث عن لحظة لم تغادره قط.
ابتسم، ثم قال: كلما وقعت عيناي على كتاب " نيل الأوطار " للإمام الشوكاني، تذكرتك . أتذكر تسعينيات القرن الماضي، حين سألتك عنه؟ كنت في حاجة ماسة إليه، فطلبته لي، وبعد مدة وصلني. لا أستطيع أن أصف لك مقدار فرحتي يومئذ ،ومنذ ذلك الحين، كلما فتحت الكتاب أو تصفحته، حضرت صورتك في ذهني. لقد بقيت عالقة في ذاكرتي، كأن ذلك اللقاء حدث بالأمس.
كان يتحدث عن كتاب، لكنه في الحقيقة كان يحدثني عن شيء آخر؛ عن لحظة صغيرة في حياتي المهنية، عبرت من جانبي دون أن ألتفت إليها، ثم مضت لتقيم في ذاكرة رجل آخر كل هذه السنين. يا للمفارقة!
أنا الذي نسيت الواقعة، لكنه احتفظ بها هو بكل تفاصيلها. ظننت أنني أديت خدمة عادية لقارئ يبحث عن كتاب، بينما كان هو يرى في تلك الخدمة حكاية تستحق أن تُروى بعد ثلاثين عاما أو تزيد.
في تلك اللحظة، شعرت أن المكتبة ليست مجرد مكان نبيع فيه الكتب، وأن علاقتنا بالقراء أوسع بكثير مما تسجله الذاكرة اليومية. قد ننسى الوجوه التي مرت أمامنا، والكتب التي طلبها أصحابها، والمحادثات التي دارت بين الرفوف، لكن بعض تلك التفاصيل يواصل حياته في مكان آخر، بعيدا عنا، دون أن نعلم.
كم من قارئ غادر المكتبة ذات يوم، وهو يحمل كتابا انتظره طويلا، أو معلومة أرشدناه إليها، أو كلمة طيبة قلناها على عجل، ثم احتفظ من ذلك كله بصورة لنا لم نكن نعرف أنها تستحق الاحتفاظ!
وكم من إنسان ربما ذكرني في مجلس، أو حكى عني لأبنائه، أو استعاد اسمي كلما تصفح كتابا ساعدته يوما في العثور عليه، وأنا لا أعرف عنه شيئا، ولا أستطيع حتى أن أستحضر ملامحه!
لقد أمضيت سنوات طويلة بين الكتب والقراء، وكنت أظن أنني أجمع الحكايات لأكتبها في يومياتي، فإذا برجل مسن يكشف لي أن بعض الحكايات لا نكتبها نحن، وإنما يكتبها الآخرون في ذاكرتهم، ويتركونها هناك حتى يحين موعد الكشف عنها.
غادر الرجل المكتبة، وبقيت أنا أستعيد حديثه ؛ وفكرت أن أجمل ما يمكن أن يتركه بائع الكتب وراءه ليس عدد النسخ التي باعها، ولا حصيلة المبيعات التي يراجعها في نهاية الشهر، وإنما تلك الآثار الخفية التي لا تظهر في دفاتر الحسابات، ولا يمكن جردها في أيام الإحصاء، ولا يعرف قيمتها إلا حين يعود قارئ بعد عقود ليقول لك: ما زلت أتذكرك. عندها فقط، تدرك أن بعض الكتب لا تنقل المعرفة وحدها؛ إنها تحفظ الوجوه أيضا، وأنك قد تبيع كتابا في دقائق، ثم تظل حاضرا في حياة قارئ طوال عمره ؛ يا لها من مهنة غريبة! نبيع الكتب للناس، ثم نكتشف، بعد سنوات، أن بعضهم احتفظ بنا بين صفحاتها.