محمد مزيد - صعود الى اللامكان....

بالأمس فقط، وقعت في يدي تلك البطاقة العاجية؛ جواز سفري المجاني لركوب الحافلات والقطارات في هذه المدينة التي آوتني بعيداً عن وطني الأم. هذا الصباح، استيقظتُ وفي صدري رغبة عارمة في التمرد. قررتُ أن أطأ ضواحي وأماكن لم تلمسها قدماي منذ عشر سنوات كاملة.
ارتديتُ ملابسي بكامل الأناقة، كأي رجل عجوز شهد خريف العمر، وخاض كل الحروب العبثية التي أحرقت بلاده مع دول الجوار. دون أن أنبس ببنت شفة لشريكة حياتي أو لولديّ، تسللتُ مع زقزقة العصافير الصباحية نحو أقرب محطة مترو. كنتُ أقف بين الحشود، أنتظر قدوم تلك "الأفعى الحديدية"، مدفوعاً بقرار غريب: الذهاب إلى اللامكان.
حين هدر المترو معلناً وصوله، صعدتُ مسرعاً وجلستُ على مقعد يتسع لشخصين بجانب الباب. اخترتُ جوار النافذة، وأخذتُ أراقب وجوه الناس عبر الزجاج؛ يتحركون بهدوء شديد، دون تدافع أو صراخ يخدش وقار اللحظة. كنتُ مزهواً بجمالي المؤقت؛ بقبعتي التي تواري صلعتي، وبذقني الحليق المعطر.
لم تمر سوى ثوانٍ حتى جلست بجانبي فتاة ببضاء ذات وجه مدور ، فلفحني عطرها الآخاذ الذي اخترق حواسي دفعة واحدة. كانت ترتدي ملابس قصيرة للغاية تكشف عن ساقيها وذراعيها، متمرّدة بجسدها على أجواء الخريف الباردة. تحرك المترو، وأغلقت الأبواب، وبدأت المباني والأشجار تتسارع بالخطف إلى الوراء كشريط ذكريات هارب.
عجزت عيناي المتعبتان عن ملاحقة الصور المتدفقة عبر النافذة، فالتفتُّ نحوها. كانت غارقة في شاشة هاتفها، وأنا أراقب إصبعها وهي تقلب الصفحات حتى استقرت على مقطع فيديو موسيقي. كانت تستمع إليه عبر سماعاتها، غافلة تماماً عن الوجع الدرامي الذي تسببه لي. سحرتني خصلات شعرها الأسود المنساب على كتفيها، وجذبني بياض مشع ونافر عند أعلى صدرها.
في تلك اللحظة، داهمتني غصة حادة؛ نسيتُ أنني تجاوزت الستين، وأن الشيب قد غزا روحي قبل جسدي. كيف لي أن أتجرد من وقاري وأنا ألاحق تفاصيل فتاة تصغرني بأربعين عاماً؟ كانت تلتصق بي بفعل ضيق المكان دون قصد، فما كان مني إلا أن لملمتُ ساقي بحذر، خوفاً من أن يُفسر التصاق فخذينا بأي تأويل يخدش كرامة شيخوختي.
مضت عشرون محطة كاملة وأنا أعيش هذا الصراع المرير بين الرغبة والوقار. وفجأة، توقف المترو. وقبل أن أستوعب أين نحن، التفتت الفتاة إليّ وأشارت بوهن حنون أننا وصلنا إلى المحطة قبل الأخيرة.
نظرتْ إليّ بعينين ناعستين يقطر منهما العسل، وابتسمت ابتسامة أعادت في داخلي شهية منسية للحياة. حاولت مداراة ارتباكي، فبادلتها الابتسامة ذاتها، معبراً بحركات يدي عن دهشتي من الوقت الذي مضى كأنه ثانية واحدة، وما ان تحرك المترو حتى شعرت بالتصاق فخذينا ثانية ، ذابت حواسي في هذا النعيم ، سار القطار الى المحطة الاخيرة ، انتبهت الى ان الركاب كلهم نزلوا في تلك المحطة قبل الاخيرة وبقينا ، انا والفتاة لوحدنا ، بدأ القطار يصعد الجبل ، ويسير ببطء تفاديا ربما من انزلاق العجلات عن طريقها ، لا احد سوانا ، توقفت الفتاة من العبث بهاتفها ، واخذت تنظر لي ، الاحظها بنصف عين انها تنظر لي من دون ان ابادر لاسألها عن سبب نظراتها ، صعد القطار بين دروب الجبل ، وبدأنا نرى اشجارا جبلية على جانبي الطريق ، همست لها متسائلا ، الى اين يذهب القطار ، فقالت بابتسامة مشعة ، الى اللامكان .. القطار يصعد مع الجبل ، حتى وصلنا الى مرتفع يغمره الضباب ، فقلت لها مازحا يبدو انه يصعد الى الغيوم ، ها نحن يسير بنا القطار الى طبقات كثيفة من الغيوم ، كنا نصعد لوحدنا ، الى الاعلى ، الى الابعد ، الى اللاشيء ، الى اللامكان .

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى