جميلة شحادة

غامتِ الأشياء أمامها، وخيَّم الصمت على الغرفة لفترةٍ قصيرة من الزمن، بعد أن سمعت الطبيب يخبرها وزوجها بنتائج التحليلات المخبرية، وبما أظهرته صور الأشعة السينية. تنبَّهت منار لصوت زوجها وهو يسأل الطبيب بصوت تخنقه العبرات، تلك العبرات التي لمعت في عينيه العسليتين، وكادت أن تنهمر على خديْه. - وما...
أعتذرُ لكم، عنْ غيابِ البشاشةِ عن وجهي فمنذُ زمنِ الحبِّ والحربِ وعهدِ الخَسِي همستْ في أذني ابتسامتي وقالتْ: مسافرةٌ أنا؛ لكنْ لا تقلقي، سأعودُ إليكِ سأعودُ إليكِ بعدَ رحلةِ بحْثي وبعدَ أنْ أهتدي الى صبيةٍ بجديلَةٍ يغمرُها العمرُ الهَني صبية، لا تخشى صقيعَ الشتاءِ ولا رضيعَ أمِها الشّْقِي ***...
ما زلتُ أحتفظ في رفٍ من رفوف ذاكرتي بمشهد نجاة وهي تنتحب وتلوّح بيدها مهددة "دافيد" تارة، ولاعنة إياه تارة أخرى، بينما أحد المدرسّين يمسك بذراعها اليسرى، يحاول السيطرة عليها، ويبذل جهدا ليباعد بينها وبين "دافيد" هذا. المشهد ذاته يعود ليفرض نفسه على ذاكرتي كل سنة بحلول فصل الربيع، أيام تصفو...
قبلَ سنَه، كانتْ ورودُ حديقتي تغفُو في حضنِ أُمِّها ترضَعُ قطراتِ الندَى على مَهلِها، تسْتحمُّ بنورِ الشمسِ، وتتمايلُ بغَنَجٍ على غُصنِها. أَمُرُّ بها، أمسحُ بكَفِّ يدِي رأسَها، أُوَشوشُها.. وأَتركُها للنسيمِ يعانقُ عِطرَها. واليومَ؛ أَمُرُّ بها، لا أَنتبهُ الى جمرِ خدِّها لا يُسكرُني سحرُ...
الكراكي، أو الغرنوق، كما يسمى في بعض البلدان، هو أكبر الطيور المهاجرة حجما. يهاجر شتاءً الى أفريقيا بحثا عن الدفء، فيمرّ في بحيرة طبريا ويستوطن بعضه البحيرة ومحيطها قبل أن يتابع هجرته، ثم يعود ويمرّ بها مرة أخرى قبل عودته الى موطنه الأصلي في الربيع. ولعل الروائي والقاص حسن حميد، لم يختر...
كنتُ سأكونُ سعيدَه، لوْ لمْ تكُنْ لدَيَّ صِفةُ التعلُّقِ بالمكانْ. كنتُ لنْ أُصابَ بالاكتئابِ حينَ انتزَعتْني القابِلَه مِنْ رَحمِ أُمي بالقوَّه. لقدْ قَطَعَتِ الطَّريقَ بيْني وبيْنها بأسْنانِها، وتركتْني أقطعُ المسافةَ بينَ الأرضِ والسماءِ حافيةً أَبحثُ عنِ الأمانْ. ** كنتُ سأَعيشُ، لوْ لمْ...
دعني أخبرُكَ عنْ أحوالِ مدينَتي هذا المساءْ: اختلفَ كوكبانِ على لونِ الياسَمين في الحقلِ؛ واختلفَ أحمقانِ على الجهةِ التي ستُشرقُ منها الشمسُ في الغدِ. احتدمَ الجَدَلُ، اشتعلتِ الشُّهُبُ، نَفَذَ الصبرُ، اخترَقَتْ رصاصةٌ كَبِدَ الحَبقِ وذَبحتْ سِكينٌ جَديلةَ الزَّنبقِ زلزلتِ الأرضُ، بَكَتِ...
بلسانٍ مبتورَه، كانتْ تُخبرُ البحرَ أسرارَها. سمعَ سرَّها الأولْ، ثارَ زمجرَ مدَّ يدَه، وصفعَها على خدِها الأيمنْ، أيقظ ذاكرتَها من نومِها، فقذفتْ بسرِّها الثاني. أحاطَ بذراعِهِ خصرَها، داعبَ خيالَها، منحها شوقَه، ألبسَها زُرقتَهُ، فرمتْ في جوفِهِ بكلِّ أسرارِها. الآن؛ أصبحتْ عاريَه، عاريَه...
بَدَتْ سعيدة. يشِّع الفرح من عينيها، وتتراقص أمارات الرضا على محياها. كانت تسير برفقته؛ هناك في أحد أكبر المحلات التجارية في المدينة. بتأنٍ، كانت تدفع أمامها عربة المشتريات، وترسم بعطرها الفرنسي طريقا عبِقا وراءها. كانت تنتقي زينة شجرة الميلاد؛ فالعيد، سيحّل على عالمها بعد أسبوع. كانت تجادله في...
أقفُ خلفَ نافذةِ الزمنْ أرْقبُ هطولَ ماء المطرْ يُخايلُني طيفُ أطفالٍ صغارٍ يَركضونَ مسرعينَ الى دِفءِ المقّرْ يُنشدونَ الدفْءَ والأمانْ في حضنِ ستائرِ النسيانْ * * وجوهُهُم، باسمة الى حدِّ الضَّجرْ. ضحكاتهم، عذبة لدرجةِ الخدَرْ. تغارُ الديْمةُ مِنْ براءتِهم وتقاومُ الريحَ أوتادُ خيامِهم...
كما في كل مرَّةٍ أحتفظُ لكَ بمقعدٍ على طاولتي في مطعم بحريّْ أَحتسي قهوتي على مهلٍ أَقرأُ خطوطَ يدي... بمللٍ أَستمعُ قَسْرا لموسيقا لا تروقُني ومع نوارس البحرِ أنتظركَ فهل ستأتي؟ **** يُبهرُني مشهدُ العشاقِ منْ حَولي تَأْسرُني يدٌ، تتسللُ في ليلِ شَعْرِ تَسرِقُ مِنْ عَبيرهِ البَخورَ ومن صَقيلهِ...
كانت مدرستي، ولربما جميع المدارس في بلدي الناصرة، تعيش أجواءً مميزة في شهر أذار لكثرة المناسبات التي تصادف فيه. فيوم المرأة يصادف في الثامن من الشهر، وعيد الأم وبدء فصل الربيع يصادفان في الحادي والعشرين منه. كانت مدرستي تحتفي بهذه المناسبات، وكانت الاحتفالات بهذه المناسبات تضيف جمالا وسعادة على...
أنْ تكونَ غريباً يَعني لا جدرانَ تَقيكَ مِنْ جمرِ عيونِ المُدُنْ. ** أنْ تكونَ غريباً يَعني أنْ تكونَ عظامُكَ صخراً تَتلقَّى حَفْرَ الفأْسِ فيها بِصمتْ ** أنْ تكونَ غريباً يَعني أنْ تَفصِلَ الملحَ كلَّ ليلةٍ عنْ دمعِكَ لتسطيعَ النوْمْ ** أنْ تكونَ غريباً يَعني أنْ تُلوِّحَ للمراكب الراسيةِ على...
دَعُوني أرحلُ بهدوء. لا أوصيكُم بشيء لأنَّ الوَصايا تثْقبُ عباءةَ إخوتي وتُزيلُ الكُحلَ مِنْ عيْنِ شقيقتي دعوني أسيرُ الى مدينةِ الأطفالِ أشاركهُم اللعبَ وما تبقَّى منْ براءتِهم. هناك؛ سأدفنُ كوابيسَ المُدُن هناك؛ سأنامُ حيثُ لا يَقْوى أن يسرقَ النفاقُ مخدتي هناك؛ سأسهرُ ليلتي حتى انبلاج الفجرِ...
أمسكتْ الجهاز وراحت تقلِّبه بين كفتيّ يديْها وتتأمّله من الأمام تارة ومن الخلف تارة أخرى. وكلّما تابعت تأمله وتقليبه بين راحتيّ يديْها ازداد تجّهمها. ولماّ لم تجد في الجهاز ما ينال إعجابها، سألت ابنتها بنبرة تنمُّ عن استيائها: " لماذا تبذّرين أموالك على هذه الأجهزة يا لينا"؟ وتابعت تسألها وهي ما...

هذا الملف

نصوص
46
آخر تحديث

كتاب الملف

أعلى