مصطفى الحاج حسين

* لَبَنُ الجَمرِ.. ...بَلْ كَانَ النَّهرُ يَتَدَفَّقُ مِنْ رَمَادِ نَزِيفِي والضَّوءُ يَدلُفُ مِنْ ثُقُوبِ وَجَعِي إلى عُمقِ المَوجِ الخَشِنِ يَدِي على السَّحَابِ الأجرَدِ تُضَمِّدُ لَهِيبَ الأفُقِ والنَّدى يرسُمُ لِلفَجرِ الدُّروبَ والشَّمسُ عَالِقَةٌ في خَوذَةِ العَسكَرِ مَوتٌ يُسَابِقُ...
* خاصرةُ النّشوة.. أحاولُ أن لا أظهرَ ما عندي من حزنٍ بعدي أتمسكُ بأذيالِ الوقوفِ وما زلتُ أوزعُ على لغتي الأجنحةَ وأخفي في سرداقِ غصتي بكاءَ أقفاصِ الخطا اللائبةِ تنوءُ لهفتي بأثقالِ دهشتِها وتموءُ الهواجسُ في دمي أبحثُ عن فضاءٍ بحجمِ الخيبةِ وعن أرضٍ تتسعُ لأوجاعي رماني الأفقُ بأسوارِهِ...
أعلنت وزارة الترببة مسابقة لتعيين مدرّسين للّغة العربية، فسارع "تحسين" وقدّم أوراقه.. لقد مضى على تخرّجه سنتان وهو دون عمل. كان عليه أن يخضع لفحص المقابلة في العاصمة،وحينما عاد كان متفائلاً ، لأنّ اللجنة الفاحصة سرّت من أجوبته، ومما ضاعف من سروره، إعجابها بقصيدته التي ألقاها على مسامعهم.. ذلك...
* عناقيدُ البهجةِ.. حينَ لامستْ روحُكِ أدغالَ تشرُّدي تفجَّرَ نبضي بالمدى المعطَّرِ تفتحتْ آفاقُ أمواجي تدافعتِ البروقُ في دمي صارت لغتي حمماً منْ ندى وتدلَّتْ عناقيدُ البهجةِ من آهتي السّحابُ يتوغَّلُ في ترابي الضّوءُ يستحمُّ بأنفاسي الكونُ أخذَ يتوسَّعُ بحنيني الشّمسُ انصهرتْ بقبلاتي...
أسكنُ موتي كفني عقاربُ السّاعةِ والزّمنُ ترابٌ الشّمسُ عظامُ النّبضِ والرّيحُ وتدُ الذّكرياتِ يؤرجِحُني الدّمعُ يغطّيني الخوفُ وينهشُني القلقُ ويقرأُ الجدارُ اخْتناقي أنا خرابُ النّدىٰ رمادُ البسمةِ نعشُ الوردِ ودربُ الانْهيارِ يتسلّقُني السّقوطُ يدقُّني الوجعُ وتسابقُني الهاويةُ إلى قِـمّةِ...
صوّري لي قبرَكِ لأصوّرَ لكِ قبري أحسدُكِ أنا لقد مِتِّ في بلدِكِ وأنا دُفِنْتُ في بلادِ الاغترابِ هنا الميّتون لا يكلّمونني لا لأنَّهم يجهلونَ لغتي بل لأنهم كانوا منذُ البدايةِ غيرَ مرحِّبين بلجوئي إليهِم أنتِ محظوظةٌ حتماً لكِ أصدقاءٌ في المقبرةِ وكلُّ الأمواتِ يتْقِنون لغتَكِ حدِّثِيهِم عنّي...
قتلي ليس صعباً بإمكانِ أيِّ مسلحٍ سلْبُ حياتي وممكنٌ لأيِّ غادرٍ أنْ ينتصرَ عليَّ بطعنةٍ مباغِتةٍ بظَهري ويستطيعُ كلُّ مَن كان مسنوداً التّخلصَ منّي بطرفةِ عَين وقد أموتُ بسببِ سوءِ فهمٍ لغبيٍّ أحمقَ كنتُ أريدُ له الخيرَ ما أسهلَ أن يقتلَني الجاهلُ وما أسرعَ أن أموتَ على يدِ حاسدٍ أو غيورٍ...
تحتَ أنقاضِ حزنِنا لا نعثَرُ على دمعةٍ حانيةٍ تنتشلُنا كلُّ مَن يعنيهِ أمرَنا ماتَ وبُتِرَت روحُهُ لم يبقَ حولَنا إلا قَتَلةٌ ومحتلٌ بحاجةِ أرضِنا وفي عوزٍ إلى بحرنا َولهُ مشاريع في سمائنا ونحنُ لامكانَ ليدفنوا تاريخِنا ولا ندري بأيِّ مكانٍ نركنُ أونكْمِلُ موتَنا دونَ أن نعوِّقَ المنتصرَ...
أعترفُ لكم يا حكامَنا بخيانتي فأنا مثلُ أبي أحبُّ فلسطينَ مثلَ أمي أتمسَّكُ بشرفي مثلَ أخوتي لا أبيعُ وطني وقد تكونُ خيانتي لكم إيمانَ جَدِّي بعزّةِ العروبـةِ نعم.. خنتُكم وأفتخـرُ فما عادت سجونُكم ترهبُني ولا اسْمُ كلابِكم يدبُّ الذعرَ بقلبي خنتُكم.. وهتفتُ لغَـزةَ خنتُكم.. وتعاطفتُ مع أهلِها...
من صمتِكم نستمدُّ الهلاكَ حكامَ رقابِنا الجبناء تزرعون الموتَ في حقولِنا لينهشَ العدُوُّ بيادرَنا وراياتُكم ترفرفُ بدمِنا وتزيّنُ أوسمتُكمُ الأشلاءَ حكامَنا والبغيُ مسارُكم شعارُكم أن نولدَ ونموتَ أذلّاءَ تصفِّقُ لكم دموعُنا وحناجرُنـا المقطوعةُ تهتفُ لكم بدوامِ البقاء نحنُ أمّةٌ أكلَها...
أصابعُكِ المثمرةُ بالهمساتِ والمورقةُ بالمدى والممطرةُ بالنّدى والمتدفّقةُ الضّوءِ ترسمُ على صفَحَاتِ قلبي أناهيدَ الدّروبِ لتمضي أشرعتي صوبَ القبلةِ الطّافحةِ بالشّطآنِ وبالمرجانِ الحميمِ تنثالُ الأغنياتُ من أصابعِكِ تتهادى أعاصيرُ البوحِ ويتدفَّقُ رحيقُ الابتسامةِ عذراءَ النقاوةِ طاهرةَ...
الرَّغيفُ يبكي جوعاً لفمِ الفقراءِ والخبّـازُ يعجنُ قهرَهُ ليأكلَهُ البطشُ نهدُ السّنبلةِ يرضعُهُ الصّرصار لقمةُ النّدى يمضغُها الجفافُ وكبدُ القمحِ يتلوّى في مخازنِ الثّعالبِ جوعٌ يفترسُ بيادرَنا ويتسلّقُ سحابَ المدينةِ يداهمُ أمواجَ النّورِ ويحصدُ دروبَ الحمامِ يصنعُ الكعكَ مِن نبضِنا ومن...
يتهدَّمُ الأفقُ ويموتُ الهواءُ ويتعالى نباحُ التّاريخِ على رقصةِ العدمِ الأرضُ تتقيَّأُ ما في رحمِها والمقابرُ تصلَبُ على الشاشاتِ النّدى يقصَفُ وأعشاشُ الأحلامِ تتفجّرُ والسّماءُ تتلوّى مِنَ الحرائقِ والجنةُ يطالُها الحصارُ والجحيمُ بفسقٍ تهاجمُ الملائكةَ والشّيطانُ لا يرتوي مِنَ الدّمِ...
القادمُ يتقدّمَهُ الفجـرُ والنّدى يورقُ بالدّروبِ وتحملُ الشّمسُ الرّايةَ فوقَ قممِ الحقِّ المشبعِ بطعمِ الخبزِ والقوتُ من نبضِ الحجرِ يرسلُ للقلوبِ إشراقةَ الوجوهِ الطّافحةِ بسهوبِ العسلِ موجٌ يتفتّتُ على رملِ العذابِ وصهيلُ رياحٍ يتكسّرُ عندَ الأبوابِ ونوافذُ أفقٍ يولدُ في ساحاتِ النّزيفِ...
الوجـعُ يحتلُّ جسدي يتناثرُ في أزقّـةِ الرّوحِ ويتراكمُ عندَ منعطفاتِ النّبضِ مكدّساً في ساحاتِ الأملِ يهتاجُ بقوّةٍ ويتنفّسُ الظّلماتِ تذرفُ عيناهُ الضّوءَ فما مِنْ أحدٍ يسمعُ دويَّ نزيفِهِ وليسَ هناك مَنْ يتحسّسُ برقَـهُ وجعي تُغتالُ دروبَـهُ وتزوّدُ أغصانَـهُ بالحرائقِ تسدلُ على نوافذِهِ...

هذا الملف

نصوص
450
آخر تحديث

كتاب الملف

أعلى