مصطفى الحاج حسين

ما تبقَّى منِّي لا يكفي للوصولِ إليكِ سأسقُطُ في منتصفِ الطّريقِ ولكنٍّي سأَاْتي أعرٍفُ أنَّ دربَكِ طويلٌ وشاقٌّ وأنَّ تلالاً من التّعبِ تنتظرُني وأنَّ عطشاً لائباً ولُهاثاً شرساً وسراباً صفيقاً ومتاهاتٍ تفتحُ فمَها أرضاً مِن تعثُّرٍ وأنَّ السماءَ اختناقٌ يحاصرُني الهلاكُ فوقَ مرتفعاتِ الوهنِ...
لَوْ مَدَدتِ يَدَكِ وَلَمَستِ السَّماءَ كَمْ نَجمَةٍ سَتَلِدُ ؟! وَكَمْ أُفُقَاً سَيَتَفَتَّحُ ؟! وَكَمْ مدىً سَيَنتَشِي ؟! وهذا القمرُ البائسُ يشهقُ بغيرتِهِ تَيَبَّسَ النُّورُ بأوردَتِهِ وأنتِ لَمْ تَعِيرِيِهِ قَطرَةَ نَدَى أو بَعضاً مِنْ نَظرَةٍ يَمُّدُّ لكِ نَبضهُ شلالاتٍ مِنَ الحنينِ ويرسمُ...
ولأنِّي أحبُّكِ أسايرُ شبحَ الموتِ أتنازل له عن كلِّ شيءٍ إلّا أنتِ أتجنَّبُ عِنادَهُ والتَّصَادُمَ لا أتحدَّى بِهِ غَطرَسَتَهِ في سبيلِ تَجَنُّبِكِ ولئلا ينتقمَ منِّي بِكِ فَيَحرِقُ قلبي بِفُقدَانَكِ أُعطِيهِ كلَّ يَومٍ ورقةً مِنْ عُمري اطعمهُ بعضَ قِوَايَ أَدَعَهُ يفكِّكُ مَا يَحلُو لَهُ مِنْ...
لولا أنتِ كانتِ الدُّنيا احتاجَت لمعنى وكانَ على السماءِ أن تجدَ شمساً وعلى الليلِ أن يؤمِّنَ قمراً وعلى البحرِ أيضاً أن يتدبَّر ماءَهُ لولا أنتِ كان الوردُ سيتطلَّبُ عطراً وكان النّدى سيتضوَّرُ عطشاً ولكانَتِ الفراشاتُ تهيمُ في براري السّرابِ وكانَ الوقتُ سيطلُّ علينا حافياً متعثَّراً مُدمى...
لأجلي ، اشترى أبي تلفازاً لنا بصورةِ الأسودِ والأبيضِ ، لأتوقَّفَ عن ارتيادِ دورِ السينما ، إذ لمْ أتركْ فيلماً إلَّا وأحضرُه مراتٍ عديدةً . فرحْنا بالتلفازِ كثيراً أنا وأخوتي ، لكنَّني لمْ أحقِّق ماكان يرغبُهُ أبي منِّي ، فلم أقلِعْ عن عادتي في التّردُّد الدائمِ على السينمات . وكثيراً...
من نافذة اختناقها تطلّ على الزّقاق الضّيق ، بشغفٍ جنوني ، تتلقفُ تلهفه ، قلبها الغضّ يخفقُ بصخبٍ ، ولعينيهِ المتوسّلتينِ تطيّر إبتسامة من دمعٍ . لكنّ وجه ابن عمّها المقيت ، يبرز فجأة أمام غبطتها ، فتجفلُ وتصفعها حقيقة خطبته لها ، ترمق خاتمها الذي يشنق أحلامها بإزدراء ، ترتدُّ نحو انكسارها ،...
سلامٌ على وطنٍ كانَ لي على قبرِ أبي البعيد وعلى دعاءِ أمّي الوفير ومدارسِ أولادي وبيتي الذي أستأجرتُهُ بحضنِ الضّوضاء والفوضى والتّزاحمُ عندَ الأفرانِ من أجلِ رائحةِ الرّغيفِ السّاخنِ سلامٌ على النّسمةِ والوردةِ والفراشاتِ الملوَّنةِ وعلى العصافيرِ التي تُعَلِّمُ أطفالَنا الطّيرانَ وأشجارِ...
لا أستطيعُ الخروجَ منكِ فأنا ساكنٌ اسمكِ أنفاسُكِ تمرُّ على قلبي لأنقّيَ الهواءَ من الترهّلِ وأضيفَ لكِ جرعةً من الياسمينِ أفتّشُ جيوبَ الضّوءِ قبلَ أن تُنيري له طريقَهُ أخافُ عليكِ من شحوبِهِ وقبلَ أن يدخلَ الليلُ غُرفَتَكِ عليَّ أن أستوضحَ ملامحَهُ قَدْ يحملُ لكِ فيروسَ القلقِ وأستحلفُ سريرَكِ...
أحتاجُ لوقتٍ لأرتّبَ تشرُّدي واضمّدَ سماءَ الفجيعةِ السّوداءِ أتلمّسُ أطرافَ الهزيمةِ أتامَّلُ تقيُّحَ الرّوحِ وثقوبَها !!! وأدنو برفقٍ من قلبي كي لا أوقظَهُ عن نزيفِهِ وشرودِهِ كانَ لي وطنٌ تمشّطُ الشّمسَ غُرّتَهُ يترقرقُ الضّوءُ في أزقَّتِهِ وتغرّدُ على أشجارهِ الأحلامُ يسبَحُ العشّاقُ على...
ما إن وصلت الحافلة ، حتّى تدفقت جموع الركاب للصعود من كلا البابين ، ثمّة عدد من الفتيان الأشقياء ، تسلٌقوا أطرافها وتسلّلوا من نوافذها . اتخدت مكاني في المنتصف ، وقد أمسكت يسراي الكرسي ، المشغول بامرأة ورجلين ، و كانت يمنايّ تحمل كتاباً وجريدة ، بالقرب منّي كانت تقف فتاة شقراء ،تشبه...
كان عائداً من عمله ، منهكاً لا يقوى على جرّ نفسه ، فتحت له "مريم " الباب ، وهتفت بفرح واضح : - " رضوان " ..أنا أعرف كتابة اسمي ، ظنّها تهلوس فهي أمّيّة مثله ، فسألها ساخراً : - وكيف تعلّمتِ الكتابة ياعبقريّة ؟. - من " سميرة " ، هي التي علّمتني . خفق قلبه ، أمعقول هذا ؟! .. هل يمكن له أن...
منذ صدور الجزء الأول من كتاب (أدباء من حلب)، كانت غايته تسليط الضوء على الأدباء الذين لم تسلط عليهم الأضواء، ولم ينالوا حظهم من الدراسة والنقد، وعلى هذا الأساس فقد تناول الجزء الأوّل عدداً من الأدباء هم في عداد المغمورين، ولهذا فقد وجّه نقد في الأوساط الأدبية يتلخص في أنّ هذا الكتاب لا يعني...
لم أكتب من شهرين ، ليس من عادتي ذلك . كان لا يمرّ اسبوع ، دون أن أكتب قصيدة أو أثنتين .. ولكن لا عجب ، فما يحدث يبعدني عن الحياة كلها ، يخيّل إليّ أنّ قدوم الموت خير منقذ لي .. مشاكل كثيرة.. في كلّ جانب من حياتي ، تتطاول مشكلة وتكبر .. هل الموت هو الخلاص يبدو لي ذلك ، وبخاصة حين أرى أهلي الذين...
وطنٌ كالقطِ يخنقُ صغارَهُ بَالَتْ على بَهجتِهِ الكلابُ يطاردُ عصافيرَهُ أينما ارتحلوا ويضرمُ النِّيرانَ تحتَ الأغاني وطنٌ فقَّسَتْ فيه بيضُ الكُرْهِ وربضَ الحقدُ عندَ أسوارِهِ لا يدخلُ إليهِ إلَّا الموتُ ولا يخرجُ منهُ إلّا القتلى تنقضُّ عليهِ سماؤُهُ بالانفجاراتِ ويطلقُ عليه بحرُهُ...
الموتُ يتجوَّلُ في أزقَّتِنا يبحثُ عن كائنٍ يتنفَّسُ لينقضَّ على قلبِهِ يتنكَّرُ بأزياءَ عدَّةٍ منها على سبيلِ المثالِ على شكلِ أخٍ يبتسمُ يخطفُ الأطفالَ من دهشتِهمْ والأمُّ من حليبِِ نهديها والكهلَ من عُكَّازتهِ أمَّا الشَّبابُ فيأتيهم من الخلفِ لا شيءَ يجرؤُ على العبورِ إلَّا الغبارُ...

هذا الملف

نصوص
450
آخر تحديث

كتاب الملف

أعلى