أوشكتْ ألعاب العيال، في ذلك الزّمن، أن تكون كذا وعشرين لُعبة. خُذوا مثلا: جَمعُ أغطية الكُوكاكولا والبيبسي وغيرها، ولضمها في بعضها بخيط، ثم ثنيها لتصير عَجلة صغيرة تصنع مع زميلة لها شيئا يمشي بعجلتين، مُثبَّتتين في خشَبة صغيرة، وعمود طويل للقيادة يكون دائما من جريد النَّخل. كان هناك وشيش لصوت...
أجلس على نار في انتظار أن تكتمل الكراسي. عيناي تَمرَّان على وجوه الرُّكّاب في الأتوبيس، أحملُ هَمًّا يُقطِّعني: أن أرى "علاء" جالسا بينهم، أو قادما للركُوب. حينها سأكون مُضطرّا إلى ابتسامة صعبة، تُحرّك عضلات وجهي بالإجبار. لساني سيقول كلمة أو كلمتين من تحت الضّرس. أنظر في الساعة، أنفخُ، أشعر...
بعد قفزة واثنتين، ثم ثالثة كبرى بطُول قَوس قزح؛ رأيتُ كأنني في يوم البَعث. صدّقتُ عينيّ، لأنني قبل أن أخطو استأذنتُ الأستاذ "عبد الفتاح كِيليطو" في الرّفقة. وهو كعادته، في وصلات خياله الخلّاق، لا يردّ سائلا أو طالبا للصُّحبة.
أخذَني من يدي وأشار إلى المدى المنظور، حيث الناس شِبه عُراة يمشون...
في هذه المدينة الكبيرة، عندما تستوقِف أحدهم، وتحكي له عن زمنٍ كان فيه بَشَر مُهدَّدُون في أعزّ ما لديهم؛ فإنّه لن يُصدِّقكَ. هذا جِيل يتفاخَر بِفُحُولَته.
**
كُلُّ شيء يبدأ بِخاطر مُلحّ.
والخاطر قد يكون غائما، ومع الوقت يتحوّل إلى هاجس.
رجل يجلس على قاعدة الحَمّام، مثل باقي الخَلْق. يفكّر...
* إلى روح "غسان كنفاني".
أذكر الثّقة على وجه "سامي"، صديقي المُخرج المسرحي، وهو يُخبرني أنّ صورتي مُعلّقة بجوار صُور كُتّاب وفنّانين مشهورين، في مكتبة صغيرة أمام كُليّة التّربية النّوعيّة.
تعجبتُ: "أنا؟!"
"والله شُفت صورتك، تضع يدك على جبهتك، وبين أصابعك سيجارة".
"ما هذا التّخريف؟...
تغني نجاة "عيون القلب" على شاشة تليفزيون أبيض وأسود، بفستان أبيض نوعا ما أو رمادي. ربما كان ذلك في أواخر الثمانينيات، وبجواري تجلس جدتي، التي لم تتكلم مرة واحدة عن الأغاني والمغنيين، ولا يدخل هذا الكلام في حساباتها، كواحدة من ملايين ضمن أجيال عاشت نهارات وليالي وأعواما طويلة في الغيطان، في...
إلى روح "غسان كنفاني".
..
أذكر الثّقة على وجه "سامي"، صديقي المُخرج المسرحي، وهو يُخبرني أنّ صورتي مُعلّقة بجوار صُور كُتّاب وفنّانين مشهورين، في مكتبة صغيرة أمام كُليّة التّربية النّوعيّة.
تعجبتُ: "أنا؟!"
"والله شُفت صورتك، تضع يدك على جبهتك، وبين أصابعك سيجارة".
"ما هذا...
استلمتُ ورقتي وبدأتُ في قراءة الامتحان. من عادتي أن أُغمض إحدى عينيّ وأنا أمرُّ على الأسئلة بسرعة. أتفاءل بأنني أعرف الكثير، والقليل الباقي يُمكنني الاجتهاد فيه، مثل سؤال العَشرة سُطور.
اثنان من المُراقِبين يقفان بحزم وسط طُلاب اللجنة المُوزّعين في المُدَرَّج الواسع. أقرب زميل لي يبعد ما لا...
في فيلم "بقايا اليوم" يعمل مستر "ستيفِنس" (أنتوني هُوبكنز) رئيسًا للخَدَم بقَصر اللورد الإنجليزي "دارلنجتون". وفي أحد المشاهد يقوم بإمرار المِكواة على الصفحة الأولى من الجريدة اليومية، لإزالة أية تجعيدة على الورق، قبل أن يلمسها سَيِّدُه اللورد.
تذكرتُ التّصرُّف المُتفاني؛ وأنا في طريقي لمقابلة...
صوتٌ غريبٌ في المقابر. خَرفَشة واضحة، مصحوبة بطَقْطَقة تُشبه عِظامًا تَتكَسَّر.
يقف يَتَسمَّعُ، وهو يخطو في هذه الساعة الفَجريّة.
صَفير الكروان يتدرَّج صاعِدا من مكانٍ ما. نصف قمر في السماء، ينشر نوره الشحيح، يُظهِر شوارع ضيقة، على جانبيها مدافن مُسوّرة، تحكمها بوّابات ولوحات رخام بأسماء...
النُّكتَة جاءت في موعدها. قالها أحمد فجأة: مُدرِّسة دراسات تاهَ زوجها، فذهبت لتبحث عنه في الخريطة! ضحكنا في نَفَس واحد، وبقينا في انتظار دخول الأبلَة سناء التي لم تظهر طول اليوم. في الفصل "دَوْشَة" كبرى تُصاحب دائما الحصة الأخيرة، أصوات ونداءات وخبط وزعيق. من كلمة إلى كلمة اكتشفنا أننا جميعا...
أجلس على نار في انتظار أن تكتمل الكراسي. عيناي تَمرَّان على وجوه الرُّكّاب في الأتوبيس، أحملُ هَمًّا يُقطِّعني: أن أرى "علاء" جالسا بينهم، أو قادما للركُوب. حينها سأضطرُّ إلى ابتسامة صعبة، تُحرّك عضلات وجهي بالإجبار. لساني سيقول كلمة أو كلمتين من تحت الضّرس. أنظر في الساعة، أنفخُ، أشعر بِضَربات...
“أيوا الملك والوزير، مِش مصدّق؟”
لا يعنيني أن أُصدّق أو لا أُصدّق، إنما ليس بي طاقة لسماع حكاية معجونة من أزمنة بعيدة، على لسان رجل لا أعرفه، وبالصدفة وحدها يتقدّمني في الطابور.
لا يزال مُلتفتا تجاهي. أطوف بتفاصيل وجهه الأسمر المسحوب، وعلى الفور أربط ملامحه الطيبة بملامح عبدالوارث عَسَر...
درجات قليلة أصعدها، بعد انحرافي عن الشارع، وأُصبح في محطة القطار بمدينتي. المكان الذي أحببته دائما، وظلَّ يجتذبني، ويُكسبني الشَّغَف بالوجوه: وجوه عابرة ومُنتظرة وقلقة، حميمة ومُتعَبة ونافرة.
أقف أمام صف المقاعد الرخامية ذات المساند، مُستطلعا أفضل مكان لجلوسي. أبقى مُتحفِّزا لقطارٍ يُقبل وآخر...