محمد الرياني

عندما يسرقُ النومُ المتعةَ من الحياة فإن العينَ التي تنغلقُ مع السباتِ هي المتهمُ الأوحدُ بسرقةِ المتعة، وهكذا بعضُ الأحداقِ تُفقدُ النورَ خاصيةَ الوهج، هناك من يقفُ ويضربُ بقدميه على الأرضِ كي تتحركَ الأشياء، وينظرُ إلى السماءِ لعل الشمسَ تكون أكثرَ حِدَّةً حتى توقظ الميتين الأحياء ، قلتُ...
اليومَ أنا شخصٌ آخر، لبستُ ثوبًا لونه مختلفٌ عن الألوان التي اعتدتُها، وضعتُ حولَ معصمي ساعةً من الماركاتِ القديمةِ الأنيقةِ بدلًا عن ساعتي الالكترونية، رششتُ عطرًا فاخرًا نفاذًا من السوقِ الذي تركتُ الابتياعَ منه منذ زمن، مشيتُ بطريقةٍ هادئةٍ غير العَجِلة التي عُرفتُ بها ، تحدثتُ بهدوءٍ...
عندما أحبَّ ليلى ابنةَ الحيِّ الضيق، كان هناك مَن يرغبها، لم يكن متأكدًا من شعورها، هل تحبُّه أم تحبُّ مرتادَ المقهى القديم، هو يحْلقُ رأسه بشفرةِ حلاقةٍ يشتريها من الدكان المجاور؛ بينما الآخر لايحلق رأسه ويتباهى بكثافةِ شعرِه وطولِه أمامَ أقرانه، ومع بروزِ تغيراتِ الشبابِ ظهر أجملَ منه مع أنه...
لم يَعد للورد عندي قيمة ، وزعتُ ورودَ الحديقةِ الواسعةِ ، تركتُ أغصانَها تذبل ، عاتبوني لأنني أزهقتُ النفَسَ الجميلَ والرائحةَ العطرة، لم أُلقِ بالًا لكلماتِ العتاب، ولم أستمع لصيحاتِ الاستنكار، كلُّ ذلك لايهمني، نفَقَ بعضُ الوردِ واختلطَ بذراتِ التراب، ولحقتْ به الأغصان، حضر بعضُ الشامتين...
لا عليكِ يا صغيرتي فأنتِ الأجمل، مرَّ هذا اليومُ ولم يتوجوك، غدًا سيأتي يومٌ جديدٌ قد تكونُ الجائزةُ مختلفة، ربما جائزةُ اليومِ لاتليقُ بك ، وقد يخبئ لك القدَرُ سرورًا جميلًا يعوضكِ عن حالةِ الحزنِ التي اعترتْك بعد فشلِ الاعتلاء، تنهدتْ وقالت لي وهي تنشجُ من الفرحة :كنتُ أتمنى أن تكونَ أنتَ...
كلُّ ما في الأمرِ أنه نسيَ البابَ مفتوحًا، لم يكن يقصدُ فِعلَ ذلك؛ في الآونةِ الأخيرةِ يُكثرُ من النسيان، لا يعرفُ إن كان بدايةَ مشكلةٍ حقيقيةٍ أم أنه نسيانٌ عارض، مع أنَّ البابَ لم يدمْ مفتوحًا طويلًا إلا أنَّ بعضَ الحشراتِ وجدتْها فرصةً كبيرةً وكأنها كانت تختبئ قريبًا لتدخلَ إلى المنزلِ الواسع...
أحضروا أوراقَ بيضاءَ عليها طلاسمُ وربطوها في الأرجلِ الحمراء للطيورِ الرقيقة ، طار الحمامُ إلى جهاتٍ غيرِ مقصودة، دخلَ مغاراتٍ مهجورةً بحثًا عن مُستقبِلٍ للرسائل، الأماكنُ موحشةٌ تسكنُها الأشباحُ ويسيطرُ عليها الخوف، على مقربةٍ من المغاراتِ كهوفٌ متعرجةٌ بلا قيعانَ واضحة ، فحيحُ الأفاعي يجعلُ...
أنا الذي رميتُ الحجر في المياه الراكدة، كنتِ مغمضة العينين عندما وقع الحجر وتفرقت بعض المياه، لم تمر على أنفك رائحة المياه الكريهة التي هربتْ من القاع، تنفس الماء الصعداء فظننتكِ لم تفتحي عينيك، أدركتُ حين أدركتُ أنكِ مهملة ولا يعنيك الحب، وأن الماء الصافي بعد الكدر سيبتلع زفراتي، هناك حول الماء...
الحمارُ الذي وصفتُه بالغباءِ ظَهرَ أذكى مما أتوقع ، كنتُ فتىً شقيًّا تجاوزَ مزاحي الثقيلُ أبناءَ الحيِّ لأمزحَ مع حمارِنا الوحيد ، والوحيدُ الذي كان يُوثقُ فيه هو أنا من أجلِ امتطاءِ هذا الغبيِّ لأجلبَ عليه احتياجاتنا ، ذاتَ يومٍ وأنا صاحبُ مزاجٍ عندما أمتطي صهوتَه قلتُ لنفسي : اركبْ بطريقةٍ...
يفوحُ الصباحُ بريحِ قهوتها، تنسابُ روعتُها فتصحو نساءُ الحيِّ على شذى الرائحة، تمتدُّ الظلالُ وكأنها تفرحُ بهذا الجمال، تبادرُ الجاراتُ فيسألنْها عن سرِّ قهوتها، عن الخلطةِ العجيبة، وعن قشرِ البنِّ والزنجبيل، لاتكترث للسؤال، ترتفعُ على كرسيٍّ خشبيٍّ كي تنالَ الفناجينَ المعلقةَ في السلةَّ...
ماذا لو فرشتِ لنا الأرض من جنائنك؟ هل كنتِ ستخسرين شيئًا من عبيرك؟ هل سينفدُ أريجُ الأوراق؟ سنكون أروع اثنين افترشا الرمل وتوسدا الذرات الدقيقة. لن نبالي لو تذوقتْ خصلات شعرنا من المكان الذي تدوسه الأقدام قصدًا أو دون قصد. سنفرح كثيرًا كثيرًا، وسنجعل من صباحنا الأغر عنوانًا لحديثنا العفوي، لن...
نسوق الأحلام إلى خط النهاية، لم نكن نعلم حقيقة الأحلام، ضحكاتنا، مساءاتنا، ليالينا المقمرة، ركضنا في الصباح، مزاحنا لدرجة العراك والعتاب والهجران، أقول لها بعد الخصام :هذه آخر محطات المزاح، تهزأُ بي ثم تركلني فتسقط على الأرض، يُغشى عليَّ من كثرة الضحك على ريشة وقعت على الأرض ليحركها الهواء،...
وهما يتشبثان بالقِدرِ الأبيضِ كي لايقع وبيدها ضرعٌ وبيده ضرعٌ آخر، سألها! متى بدأنا نحلب سويًّا؟ ، كان يضع يده خلفَ ظهره من طول البقاء جالسًا، زمَّتْ شفتيْها، لا أتذكر؛ ربما منذ وُلدَ العجلُ الأبيض، انتصفَ الإناءُ وهما يضغطان على الضرعين والبقرةُ في سكون، ألهتْها فروعُ القصبِ الأخضرِ الذي تأكله...
... ومن دونهما عصفوران يشقشقان من روعةِ المكان وشدةِ الفرح، لونهما مثل لون جسديهما الغضين، قال لها :لاتعجبي من فرحة طائرين بجناحين؛ ربما من فرحهما سيطيران بالحُبِّ ويتركان لنا النظرات، قالت ياليت لنا جناحين فنهرب مثلهما من الأرض حتى نستلذ بالحب في الجو، قال لها دعينا على الأرض فأنا أخشى أن أهوي...
متزوجانِ ، أُقيمَ فرَحُهما في فناءٍ مفتوح ، القمرُ هو الذي تكفَّلَ بالإضاءةِ في جانبيْ الرجالِ والنساء في ليلةِ العُمر ، الفتياتُ يرقصنَ طربًا في وجهِ العروسِ التي أجلسوها على سريرٍ مرتفع ، بينما هو في منتصفِ الحضورِ بثوبِه الأبيضِ وبشتِه الذهبي وقد أحاطوا رقبتَه بعقدِ فلٍّ جَمعوه من بيتِ...

هذا الملف

نصوص
72
آخر تحديث
أعلى